موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : الدعوة إلى الله-2
 
الثلاثاء - 9 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الدعوة إلى الله-2  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 15 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  الدعوة إلى الله عمل الأنبياء:
إنَّ كل ما بذله الأنبياء (ع) من جهد، وجهاد، وتضحية، وفداء, وما تحملوه من أذى واضطهاد ليس إلا من أجل هداية خلق الله إلى دينه، وتعبيدهم إليه، ونحن إذا استعرضنا خط الأنبياء على طول المسار الرسالي لم نجد سوى ذلك, عبادتهم لله تعالى, وتعبيد الناس إليه جلَّ وعلا, فهذا نبي الله نوح (ع) (كان لا يترك فرصة إلا وينتهزها في تذكيرهم, ولا يدع أسلوباً إلا ويلجأ إليه في تعريفهم بالله حتى إنَّه كان يقدم إليهم في كل مرة الفرصة للرجوع إلى التوبة)
ورغم ما كان يلاقيه منهم من إصرار على المآثم, وعناد، واضطهاد، وإعراض، وتعذيب شديد، فقد (كان نوح يدعوهم ليلاً ونهاراً, سراً وعلانية, وكان صبوراً حليماً, ولم يلقَ أحد من الأنبياء أشدّ مما لقي نوح؛ فكانوا يدخلون عليه فيخنقونه حتى يترك وَقِيداً، ويضربونه في المجالس ويطرد, وكان لا يدعو على من يصنع به, بل يدعوهم, ويقول: ربِّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون)
وإلى هذا أشار رسول الله (ص) ، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (كأنّي أنظر إلى رسول الله (ص) حكى نبياً من الأنبياء ضربه قومه حتى أدموا وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه, وهو يقول: رب اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون)
وقال ابن عباس رضي الله عنه: (إنَّ نوحاً كان يضرب, ثم يلف في لِبد، فيلقى في بيته يرون أنَّه قد مات، ثم يخرج فيدعوهم)
ويصور لنا القرآن الكريم هذا الجهد الجبار الذي كان نوح (ع) يبذله عن لسانه: ((قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً*فلم يزدهم دعائي إلا فراراً*وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً*ثم إني دعوتهم جهاراً*ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً))
هكذا قضى كل عمره الشريف داعياً إلى الله ليلاً ونهاراً, سراً وجهاراً, لم يدع فرصة تمر دون أن يدعو ويذكر، (فكان لا يزيدهم ذلك إلا فراراً منه، حتى أنَّه ليكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه, ويجعل إصبعيه في أذنيه؛ لكيلا يسمع شيئاً من كلامه)
وهكذا كان خليل الرحمن صلوات الله عليه يواصل دعوته إلى الله تعالى؛ لتركيز دعائم التوحيد, وهدم قواعد الشرك يحاجج قومه, ويذكرهم ببغيهم، وضلالتهم، وخروجهم عن جادة العقل والمنطق؛ ليرجعهم إلى الله تعالى إلا أنَّهم كانوا يصرون على ما هم عليه، ولما رأى أنَّهم لا تنفع معهم الحجج والبراهين العقلية دبر لهم مخططاً؛ ليوقظ حسهم بتحطيم أصنامهم، وليثبت لهم عملياً أنَّها لا تستطيع أن تدافع عن نفسها فكيف تنفع غيرها، وحين وجهوا له أسئلة أجابهم بجواب حاول أن يثير مكامن فطرتهم؛ لينفض عنها غبار الغفلة من خلال حوار هادف بناء دقيق قائلاً: ((مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ))
وهكذا يحاول الخليل (ع) أن يوقظ حسهم, وينفض عنهم أدران الذنوب، والغفلة، والعادة، والألفة للواقع الفاسد, والعقائد الوثنية التي ورثوها عن آبائهم.
كل هذا الجهد, وهذا العناء الذي بذله إبراهيم (ع) ؛ لأجل إرجاع الناس إلى الله تعالى وتحريرهم من العقائد الفاسدة, وهم يلاقونه بتلك الأساليب الوحشية فلم يهن ولم يلن, ولم يتراجع قدر أنملة بل قال: ((إني ذاهب إلى ربي سيهدين*رب هب لي من الصالحين))
هكذا يعيش المتحررون من قيود حب الدنيا, ويقاومون كل الضغوط مهما بلغت من الشدة والعنف, ولو كانت حد الإلقاء في النار، وبدون هذا التحرر لا يمكن أن يواصل الداعية إلى الله سيره وكدحه إليه تعالى.
وكليم الله موسى (ع) جاء حاملاً رسالة الله إلى الناس، ولاقى ما لاقى من العنت والجهد ما لا يحيط به قلم, ولا كتاب بعد كتاب الله تعالى، ولنتأمل قليلاً في نموذج واحد من تكاليف الدعوة الإلهية لموسى وهو أمر الله تعالى له ولأخيه هارون (ع) بدعوة أعتى عتاة ذلك الزمان وهو فرعون, فيقول له: ((اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري*اذهبا إلى فرعون إنه طغى*فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى)) ولما أبديا تخوفاً من بطش فرعون وطغيانه قائلين: ((ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى)) جاءهم الجواب مُطَمئناً وضامناً لهما السلام والنصر: ((قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى*فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى))
بهذا الأسلوب الحكيم, وهذه الدعوة الصادقة, وبهذا البرهان القاطع يتقدم موسى وهارون (ع) إلى أعتى عتاة الزمان؛ ليدعوانه إلى الله, ونحن نفهم من هذا أنَّ الداعية يمكنه أن يخاطب بدعوته كل إنسان مهما كان طغيانه وقوته وجبروته، ورحم الله الإمام الخميني (قده) الذي أعاد مسيرة الأنبياء في دعوته حين خاطب أحد عتاة القرن العشرين (ميخائيل غورباتشوف) ودعاه إلى الإسلام قائلاً: (الواجب هو التوجه نحو الحقيقة... إنَّ مشكلة بلدكم الأساسية لا تكمن في مشكلة الملكية والاقتصاد والحرية؛ بل إنَّ مشكلتكم الأساسية هي فقدان الإيمان الحقيقي بالله؛ وهي نفس مشكلة العالم الغربي التي قادته إلى الانحطاط, وإلى الطريق المسدود, أو ستجره إلى ذلك، إنَّ أزمتكم الحقيقية تكمن في محاربتكم الطويلة والعميقة لله مُبدئ الوجود والخلق.
لقد اتضح للجميع أنَّ البحث عن الشيوعية يجب أن يتوجه - من الآن فصاعداً - إلى متاحف التاريخ السياسي العالمي!! ... أطلب منكم أن تحققوا بدقة وجدية حول الإسلام؛ ليس لأنَّ الإسلام والمسلمين بحاجة إليكم؛ بل لما يتضمنه الإسلام من قيم سامية, ولما يمتاز به من شمولية بحيث يستطيع أن يكون وسيلة لراحة وإنقاذ الشعوب، وحل كافة الأزمات الأساسية التي تعاني منها البشرية.
إنَّ التدبر والتوجه الجاد للإسلام يمكن أن ينقذكم من مشكلتكم في أفغانستان وأمثالها في العالم. إننا نعتبر مسلمي العالم كافة كمسلمي بلدنا, وعلى الدوام نرى أنفسنا شركاء مصيرهم)
الشرط الثاني الذي تذكره الآية الكريمة وهو على الداعية إلى الله تعالى أن يعمل عملاً صاحاً، والعمل الصالح في الإسلام هو: ما يؤدى بدوافع مجردة عن الميول الذاتية سواء كانت مادية, أو معنوية، فكل عمل يؤديه الإنسان طلباً لمرضاة الله لا يبغي من ورائه سمعة، ولا شهرة ضمن الإطار والجوهر الإسلامي هو عمل صالح, وقد قرنه القرآن باستمرار بالإيمان، فلا انفكاك بين الإيمان والعمل الصالح؛ فلا قيمة لعمل يؤدى عن غير إيمان؛ وذلك لأنَّ (الإسلام يهتم بدوافع العمل لا بمنافعه, ويرى أنَّه يستمد قيمته من الدوافع لا من المنافع فلا عمل إلا بنية, وما لم تتوفر النية الصالحة لا يكون العمل صالحاً مهما كانت منافعه التي تنشأ عنه... إنَّ الإسلام يقيس قيمة الأعمال بالدوافع، والمقدمات، والإطارات الفكرية العامة التي تختمر بذرة العمل ضمن نطاقها, بينما يقيس غيره الإعمال بالنتائج، والمنافع، والمجالات الحياتية التي يساهم العمل في إصلاحها)
ويشهد على ذلك ما جاء عن أئمة الهدى (ع) في كثير من الأحاديث، يقول أمير المؤمنين علي (ع):
(أعلى الأعمال إخلاصُ الإيمانِ، وصدقُ الورعِ والإيقانِ)
(أفضل العمل ما أريد به وجه الله)
(من رغب فيما عند الله أخلص عمله)
(العمل كله هباء إلا ما أُخْلِصَ فيه)
والعمل الصالح المقرون بالإيمان هو أفضل ذخيرة يدخرها الإنسان لنفسه عند الله، وأفضل رصيد يقدمه لآخرته، يثقل ميزان كرامته, ويرفع منزلته عند الله, وهذا ما أكدته النصوص الحديثة الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة (ع) يقول أمير المؤمنين (ع) :
(العمل الصالح أفضل الزادين)
(القرين الناصح هو العمل الصالح)
(إنَّك لن يغني عنك بعد الموت إلا صالحُ عمل قدمته، فتزود من صالح العمل)
(بالأعمال الصالحات ترفع [تعلو] الدرجات)
(عليك بصالح العمل فإنَّه الزاد إلى الجنة)
والأمر الثالث في الآية: إبراز أهميته الرسالية للناس أجمع ((وقال إنني من المسلمين)) وهو أنَّ داعية الإسلام قولاً وفعلاً يدعو إلى الله, ويعمل صالحاً يهدي، ويرشد, ويعلم, ويهذب, ومن خلال ذلك يبرز هويته الرسالية؛ ليعرف المدعو بمبدئه وعقيدته.... فإذا ما سئل: لماذا كل هذا؟ قال: ((إنني من المسلمين)) ، والمسلمون هم الذين أسلموا أمرهم إلى الله تعالى, وعملوا بما أمرهم, وحملوا رسالتهم إلى الناس كافة (إنَّ أمثال هؤلاء فضلاً عن تمسكهم بالأركان الإيمانية الثلاثة: (الإقرار باللسان، والعمل بالأركان, والإيمان بالقلب)، فإنَّهم تمسكوا بركن رابع هو التبليغ، والدعوة, ونشر دين الحق، وإقامة الدليل على أصول الدين، ودفع آثار الشرك والتردد من قلوب عباد الله. إنَّ هؤلاء المنادين بصفاتهم الأربع, يعتبرون أفضل المنادين والدعاة في العالم)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com