موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-1<br>كيف نعي سيرة المصطفى ونوعي الآخرين عليها؟
 
الأحد - 16 / شعبان / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-1
كيف نعي سيرة المصطفى ونوعي الآخرين عليها؟
 
   
  كتب بتاريخ : السبت - 15 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  كيف نعي سيرة المصطفى(ص) ونوعي الآخرين عليها؟
بقلم الشيخ جميل الربيعي

كُتب عن تأريخ وسيرة الرسول الأعظم آلاف الأسفار بمختلف اللغات والاتجاهات، ولا تزال الأقلام ترعف المزيد من الأبحاث والدراسات، والموسوعات الكبيرة، كل يرتشف من بحره الكوني حسب قدرته، وطاقاته المعرفية.
ولا يزال العلماء والمفكرون والفلاسفة والمؤرخون والأدباء يَسْبَحون على ضفاف محيطه، ولم يستطيعوا أن يغوصوا في عمق حياته الشريفة الطافحة بأسمى المثل الإنسانية، الأخلاقية، والاقتصادية، والسياسية والاجتماعية في أسمى مراتبها، وكيف لا وهي تجسيدٌ حي لوحي السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ((وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى)) ، وبالتالي هي خلاصة التأديب الإلهي على طول خط الرسالات يقول (ص): (أدبني ربي فأحسن تأديبي)، ويقول (ص): (أنا أديب الله)
وفي سيرته (ص) العطرة من الخلق العظيم، والمثل العليا، والحكم البالغة التي تمثل أسمى درجات الكمال الإنساني، وفي أوج العظمة والجلال فهو صناعة إلهية تمت ضمن رعاية ربانية لتُخرج للبشرية المثل الأعلى في الكمال الإنساني، يقول أمير المؤمنين (ع): (وَلَقَدْ قَرَنَ اَللَّهُ بِهِ (ص) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ اَلْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ)
وهكذا جسدت سيرته (ص) أروع تجربة إنسانية أوصلت الأرض بالسماء، وعكست أنوار الوحي الإلهي بصورة واضحة مشرقة وضاءة نورت الأرض بنور السماء، وكستها بحلل العدل والقسط والعفة والحكمة والشجاعة والتحدي لكل أنواع الظلم والكفر والشرك والظلال، ووضعت البشرية على جادة السعادة في الدنيا والآخرة، واقتحمت كل قلاع الكفر أينما كان وعند من كان حتى امتدت إلى معظم أرجاء المعمورة رغم كل الحملات المسعورة الغاشمة من الأقلام المأجورة التي سخرت لها إمكانات دول كبرى لتشويه جمال صورته الجذابة للقلوب، والمنورة للعقول.
ورغم كل هذا الكم الهائل من الأسفار التي تحرت كل مفردات حياته الشريفة في أدق مفرداتها، فلا نعرف شخصية في التأريخ كتب عن جزئيات حياتها كما كتب عن رسول الله (ص)، فما تركت مفردة من مفردات حياته إلا بحثت حتى أكله، ونومه، ومشيته، وابتسامته، ورضاه، وغضبه، وسلمه، وحربه، وقيامه، وقعوده، ولقائه، ومصافحته، والسر في ذلك أنَّه (ص) يمثل ذروة الكمال في القيم الإنسانية، فاجتذب جماله الأذواق السليمة والعقول النيرة من كل القوميات، والطوائف، والأديان، والمذاهب، ورغم ذلك كله فإنَّ سيرة الرسول (ص) لا تزال بحاجة إلى البحوث الدقيقة التي تدقق، وتحقق، وتفرز الغث من السمين؛ لتبرز منها الصحيح السليم، وتلفظ المدخول والمدسوس والمفترى، ولا سيما الإسرائيليات التي دسها اليهود، والزنادقة، والمتلبسين بالإسلام كذباً وزوراً، فنسبوا للرسول الأعظم (ص) ما لم يقله، ولم يفعله، لا سيما بعد رحيله من الدنيا، واندساس أحبار اليهود الذين احتلوا مواقع متقدمة في بعض مفاصل المجتمع والدولة، فراحوا يدسون أساطيرهم وخرافاتهم وبدعهم في كتب المسلمين؛ لتشويه حقيقة الإسلام، وضربه من داخله من خلال تزييف عقائده الحقة، وتحريف أحكامه النيرة.
والأخطر من ذلك ما أفرزته السياسة الأموية الغاشمة التي خططت منذ نشأتها لدفن الإسلام من خلال دس الأساطير والخرافات والأكاذيب في سيرة الرسول(ص)، ومن أجل ذلك سخرت كل إمكانيات الدولة لذلك، يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في حديثه عن شراء الذمم للكذب على رسول الله (ص) في وضع الفضائل على لسانه، يقول: منحهم (معاوية من الصلات، والكساء، والحباء، والقطائع، ويفيضه في العرب منهم، والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد مردود من الناس عاملاً من عمال معاوية، فيروى في عثمان فضيلة, أو منقبة إلا كتب اسمه، وقربه، وشفعه، فلبثوا بذلك حيناً. ثم كتب إلى عماله: إنَّ الحديث في عثمان قد كثر، وفشا في كل مصر، وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنَّ هذا أحب إليَّ، وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله. فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله) إلا أنَّ الله حفظ دينه بالثقلين كتاب الله, وعترته الطاهرة (ع).
ونتيجة ما دسه اليهود الذين أظهروا الإسلام بعد أن يئسوا من إيقاف حركته في العالم لقوة مبادئه، ودقة أحكامه راحوا يتلبسون بثوب الإسلام، فأظهروا الإيمان، ودخلوا في الإسلام، وهم أهل كتاب يحملون ثقافة مغايرة لرسالة خاصة بهم، فاختطوا منهجاً خطيراً يقوم بقلب الحقائق، والأسس العقائدية، وتمرين الأحكام مما أوجد اضطراباً في تأريخ الإسلام، فنسبوا للنبي (ص) من أكاذيبهم وأساطيرهم مما يجعل شخصيته متزلزلة، مضطربة، عاجزة، انفعالية، شهوانية، يغلب عليها التردد والتراجع والاضطراب، ولا يدري هل هذا الذي نزل عليه في غار حراء وحياً أم وهماً، فيذهبوا به ليستشير مرة ورقة بن نوفل، ومرة يذهبوا إلى السحرة، والعرافات، وغير ذلك من الأكاذيب الصلعاء، إلا أنَّ المصيبة أنَّ هذه الترهات دست في أسفار الحديث، ووضع لها أسانيد لا أصل لها ولا فرع، يقول الشيخ المظفر:
(وهناك بلاء مني به التأريخ الإسلامي خاصة حماه بالغموض والشك عن الباحثين المنصفين. ذلك كثرة ما لَفَّقَهُ الوضاعون والدساسون في القرون الأولى من الهجرة، لا سيما القرن الأول فأشاحوا بوجه الحقائق، وقلبوها رأساً لعقب. وليس أدل على ذلك من التناقض والاضطراب الموجود في أكثر أحاديث الوقائع التأريخية، فضلاً عن الأحكام الشرعية)
وما فعله الزنادقة فأمرُّ وأنكى، فقد قال ابن أبي العوجاء لما أخذ ليقتل: (والله لقد وضعت أربعة آلاف حديث حللت فيها الحرام وحرمت فيها الحلال والله لقد فطَّرْتكم يوم صومكم وصومتكم يوم فطركم)، وما هذه التشعبات، والتشرذم في الأمة، والاختلاف في المذاهب إلا نتيجة ما بذلوه من جهود منظمة ضمن تخطيط بعيد المدى لضرب الإسلام في الصميم حين يزيفون عقائده، ويحرفون أحكامه، فيدسون ما ليس من الإسلام فيه، وهذا أخطر من جيوش المغول والتتر؛ لأنَّ فرز الصحيح من السقيم ليس أمراً ميسراً لكل أحد، وإنما هو خاص بالعلماء من ذوي الخبرة العلمية والتقوى والورع والموضوعية، وأما إذا كانوا من أصحاب المذاهب التي أفرزتها السياسة الأموية والعباسية فالأمر يكون أشنع حيث تتخذ تلك الموضوعات لإسناد تلك المذاهب وترويجها بين الناس باسم الإسلام، وهذا من أعظم ما رزأ به الإسلام، يقول الإمام محمد عبده:
(لم يرزأ الإسلام بأعظم مما ابتدعه المنتسبون إليه، وما أحدثه الغلاة من المفتريات عليه، فذلك مما جلب الفساد على عقول المسلمين، وأساء ظنون غيرهم فيما بني عليه الدين. وقد فشت للكذب فاشية على الدين المحمدي في قرونه الأولى حتى عرف ذلك في عهد الصحابة رضي الله عنهم، بل عهد الكذب على النبي (ص) في حياته.. إلا أن عموم البلوى بالأكاذيب حق على الناس بلاؤه في دولة الأمويين، فكثر الناقلون، وقلَّ الصادقون)
وبناء على ما تقدم فإنَّه يجب على الباحث والكاتب أن يتحرى الصحيح، ويدقق في الفحص من حيث المتون والأسانيد, ويرجع إلى القواعد التي وضعها أساطين علوم الحديث، وإلا سيقع في الخطأ والإثم من حيث يدري أو لا يدري، وأنا لا أريد أن أدخل في هذا البحث لأنَّ الباحثين قد استوفوا البحث فيه، إلا أنَّ ما تقدم مجرد إشارة سريعة ؛ لتنبيه القارئ الكريم عن خطورة البحث في سيرة الرسول الأعظم (ص) ، وما يتعلق بها من عقائد وأحكام ومفاهيم.
كما لا أريد أن أكتب بحثاً موسعاً أعرض فيه سيرة الرسول (ص) وتأريخه بكل تفصيلاتها، فقد كفانا الباحثون المتقدمون جزا الله المخلصين منهم خيراً، وإنَّما أحاول في هذا البحث أن التقط من سيرته وتأريخه (ص) بعض ما يعيننا لوعي الإسلام من مصادره الصحيحة، وما يساعدنا في مواصلة السير على نهجه، والدعوة إلى رسالته، والتأسي به في الدعوة إلى الله، وتحمل أعبائها، ولعلَّ الله يوفقنا ويعيننا على التخلق بخلقه، والتأدب بآدابه عَلَّنا نفوز بشفاعته (يوم لا ينفع مال ولا بنون*إلا من أتى الله بقلب سليم)

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com