موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-3<br> رسول الله (ص) قبل البعثة
 
الأحد - 10 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-3
رسول الله (ص) قبل البعثة
 
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 16 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  رسول الله (ص) قبل البعثة:
بقلم الشيخ جميل الربيعي
لا أريد أن أتحدث عن البيئة والمجتمع الذي ولد فيه رسول الله (ص) ، ونشأ، وترعرع فيه، وما وصل إليه ذلك المجتمع من تخلف وانحطاط كما تحدث المؤرخون وأصحاب السير، وإنما أريد أنْ أنقل صورة هذا المجتمع كما صوره الإمام علي (ع) في معرض حديثه عن رسول الله (ص) ، فقد عرض لنا أدق صورة للحالات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وما كان سائداً فيها من جهل، وضلالة، وتخلف، ووحشية، وركود عقلي، وظلم، وتناحر، وحروب، وليس على مستوى مجتمع الجزيرة العربية وحسب، وإنما على اتساع بقاع العالم، يقول (ع):
(أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ اَلأُمَمِ، وَاِعْتِزَامٍ مِنَ اَلْفِتَنِ، وَاِنْتِشَارٍ مِنَ اَلأُمُورِ، وَتَلَظٍّ مِنَ اَلْحُرُوبِ، وَاَلدُّنْيَا كَاسِفَةُ اَلنُّورِ، ظَاهِرَةُ اَلْغُرُورِ، عَلَى حِينِ اِصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا، وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، وَاِغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ اَلْهُدَى، وَظَهَرَتْ أَعْلاَمُ اَلرَّدَى، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لأَهْلِهَا عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا، ثَمَرُهَا اَلْفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا اَلْجِيفَةُ، وَشِعَارُهَا اَلْخَوْفُ، وَدِثَارُهَا اَلسَّيْفُ)
لا أظن أنَّ هناك صورةً أوضح وأدق من هذه اللوحة الرائعة في وصف الأوضاع العالمية على مختلف الصعد الدينية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية... فقد حدد الوضع بثمانية عشر أمراً، كل منها كافٍ لأنْ يجعل المجتمع آنذاك على شفا جرف هاوٍ، فالزمان خلا من رسول أو نبي، أو وصي نبي مصلح، أو معلم هادٍ يهدي الناس؛ ليحصنها من السقوط في الهاوية، فهذا غير منحصر بأمة العرب وحدها، بل عامة الأمم كافة.
(وَطُولِ هَجْعَةٍ) وهو أدق تعبير عن الجمود والركون العقلي، والغفلة المطبقة على العقول والقلوب، فكأنَّ الناس آنذاك في سبات عميق يصعب التيقظ منه، ورغم هذه الغفلة والركود فهناك الفتن الكثيرة غير الخاضعة لقانون شرعي، ولا نظام يصلح حال الناس، وينظم أمورهم، ولذلك أصبح المجتمع ممزقاً ومشرذماً تحكمه قوانين الغابة، وسلطان الظفر والناب، مع تلظٍّ من الحروب الملتهبة غير الخاضعة لقانون أو نظام أو شريعة أو قيمة إنسانية، وهكذا أصبحت الدنيا كاسفة لعدم وجود الأنبياء والعلماء وأهل المعرفة، فظهور الغرور والتعالي بين أبناء المجتمع الواحد، والغزو بين القبائل والشعوب، ونتيجة هذا الوضع المأساوي الخطير، اصفرَّ ورقها، وهو تعبير دقيق عن قرب السقوط في سلة المهملات كما تسقط ورق الخريف وتختفي عن عالم الوجود.
وهكذا درست أعلام الهدى، ورفعت أعلام الضلال والردى، فأصبحت الدنيا متجهمة عابسة كدرة بفقدان نظام العدل، والصفاء، وانعدام العلاقات الإنسانية الطيبة، فعمت الفتن، وساد الظلم فكانت النتيجة أصبح الطعام نتن عفن خبيث ينفر منه الطبع السليم؛ لأنَّ كل منتوجهم الاقتصادي قائم على النهب والسلب , وغارة بعضهم على بعض لأجل الغصب والسرقة واستعباد الأحرار، فأصبح الخوف سائداً، والسيف مشهوراً قائماً يقطر بدماء الأبرياء.
وفي وصف آخر له (ع) لحال سكان الأرض قبل البعثة المباركة يقول (ع): (إِلَى أَنْ بَعَثَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رَسُولَ اَللَّهِ (ص) لإِنْجَازِ عِدَتِهِ، وَتَمَامِ نُبُوَّتِهِ، مَأْخُوذاً عَلَى اَلنَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ، مَشْهُورَةً سِمَاتُه، كَرِيماً مِيلاَدُهُ، وَأَهْلُ اَلأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ، وَطَوَائِفُ مُتَشَتِّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبِّهٍ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِدٍ فِي اِسْمِهِ، أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرِهِ)
وهذه صورة أخرى عن الوضٌع الديني والاجتماعي: تفرقٌ وتمزقٌ مع تحكم الأهواء، وانتشار الإلحاد والشرك، هذا هو وضع عموم العالم مع انتشار الحضارتين العملاقتين: الفرس والروم المتصارعتين، والقائمتين على الدين المُحَرَّف الذي لعبت به أهواء القسس والرهبان في إمبراطورية الروم، وانتشار عبادة النار في دولة الفرس حيث المجوسية حاكمة سائدة، والنار تُعْبَد من دون الله، يصف ذلك أمير المؤمنين (ع): (وَاَلنَّاسُ فِي فِتَنٍ، إِنْجَذَمَ فِيهَا حَبْلُ اَلدِّينِ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي اَلْيَقِينِ، وَاِخْتَلَفَ اَلنَّجْرُ، وَتَشَتَّتَ اَلأَمْرُ، وَضَاقَ اَلْمَخْرَجُ، وَعَمِيَ اَلْمَصْدَرُ، فَالْهُدَى خَامِلٌ، وَاَلْعَمَى شَامِلٌ، عُصِيَ اَلرَّحْمَنُ، وَنُصِرَ اَلشَّيْطَانُ، وَخُذِلَ اَلإِيمَانُ، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ، وَتَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ، وَدُرِسَتْ سُبُلُهُ، وَعَفَتْ شُرُكُهُ، أَطَاعُوا اَلشَّيْطَانَ، فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ بِهِمْ، سَارَتْ أَعْلاَمُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ فِي فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بِأَظْلاَفِهَا، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا، فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ فِي خَيْرِ دَارٍ وَشَرِّ جِيرَانٍ، نَوْمُهُمْ سُهُودٌ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بِأَرْضٍ عَالِمُهَا مُلْجَمٌ، وَجَاهِلُهَا مُكْرَمٌ)
وأما مجتمع الجزيرة العربية الذي ولد فيه رسول الله (ص) ، ونشأ، وترعرع به، فقد ارتكس إلى هامته بالجهل, والكفر, والظلال، والظلم، والضياع، ولا يعرف العربي آنذاك غير الناقة والجمل، والفرس، والحصان؛ ليغزوا ويسلب حتى عمت الأمية فلا قارئ كتاب، ولا عارف بحق-إلا ما ندر-بحيث وصل الحد (إنَّ الله بعث محمداً (ص) وليس أحدٌ من العرب يقرأ كتاباً، ولا يدعي نبوة) كما وصف الإمام علي (ع) .
وأما على مستوى أديانهم، فقد وصف (ع) ذلك بقوله: (إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً (ص) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى اَلتَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ اَلْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ، وَفِي شَرِّ دَارٍ مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ، وَحَيَّاتٍ صُمٍّ تَشْرَبُونَ اَلْكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ اَلْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، اَلأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَاَلآْثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ)
وقد وصف (ع) حالتهم في نص آخر: (فَالأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ، وَاَلأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، وَاَلْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ فِي بَلاَءِ أَزْلٍ، وَأَطْبَاقِ جَهْلٍ مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَةٍ، وَأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ، وَأَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ، وَغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ)
وكل ما تقدم من النصوص الرائعة التي تفوه بها أمير المؤمنين (ع) هي مصداق لما وصل إليه مجتمع الجزيرة العربية, بل المجتمع العالمي، والذي وصفه القرآن الكريم بأنَّه كان على شفا حفرة من النار، إذ يقول تعالى: ((واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها))

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com