موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-6
 
الجمعة - 10 / جمادي الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-6  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 16 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  مراحل الدعوة إلى الله:
حين نتأمل جيداً بسيرة الرسول الأعظم (ص) نجد أنَّه أخضع حركته الرسالية إلى تخطيط دقيق ضمن مرحلية بناءة في نشر رسالته وتبليغها للناس، ويمكن تقسيم عمله (ص) على مرحلتين:
1- المرحلة السرية: والتي استغرقت ثلاث سنوات.
2- المرحلة العلنية: والتي دامت عشرة سنوات.
وقد أكد هذا المعنى الإمام الصادق (ع) بقوله: (مكث رسول الله (ص) بمكة بعد ما جاءه الوحي عن الله تبارك وتعالى ثلاث عشرة سنة، منها ثلاث سنين مختفياً خائفاً لا يظهر حتى أمره الله عز وجل أن يصدع بما أمره به، فأظهر حينئذ الدعوة)
وفي رواية أخرى عنه (ع): (اكتتم رسول الله (ص) بمكة مختفياً خائفاً خمس سنين ليس يظهر أمره، وعلي (ع) معه وخديجة، ثم أمره الله عز وجل أن يصدع بما أمر به، فظهر رسول الله (ص) ، وأظهر أمره)
وعملية السرية والكتمان إنما تمت لسُنَّة إلهية في بناء المجتمعات، وتغيير واقعها، وإقامة الدول، تلك السنة هي المرحلية، (وهذه السنة الإلهية في رعاية التدرج ينبغي أن تتبع في سياسة الناس، وعندما يراد تطبيق نظام الإسلام في الحياة، واستئناف حياة إسلامية متكاملة، فإذا أردنا أن نقيم مجتمعاً إسلامياً حقيقياً، فلا نتوهم أنَّ ذلك يتحقق بجرة قلم، أو بقرار يصدر من ملك أو رئيس، أو من مجلس قيادة أو برلمان، إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج، أعني بالإعداد، والتهيئة الفكرية، والنفسية، والاجتماعية, وهو نفس المنهج الذي سلكه النبي (ص) لتغيير الحياة الجاهلية إلى الحياة الإسلامية، فقد ظل ثلاثة عشر عاماً في مكة، كانت مهمته الأساسية فيها تنحصر في تربية الجيل المؤمن، الذي يستطيع فيما بعد أن يحمل عبء الدعوة، وتكاليف الجهاد لحمايتها ونشرها في الآفاق، ولهذا لم تكن المرحلة المكية مرحلة تشريع وتقنين، بل مرحلة تربية وتكوين)
وإنما تكتم الرسول (ص) وأصحابه على إعلان الدعوة ثلاث سنين؛ لكي يبني النواة الأولى للدعوة بناء روحياً، وفكرياً، وأخلاقياً، ويعمق في هذه المجموعة الصغيرة الإيمان برسالته كي يستطيعوا مواصلة الكدح إلى الله تعالى، ويتحملوا أعباء الرسالة، (وقد كان هذا الأسلوب في تلك الفترة ضرورياً من أجل الحفاظ على مستقبل الدعوة، حتى لا تتعرض لعمل مسلح يقضي عليها في مهدها، حيث لا بد من إيجاد ثلة من المؤمنين، ومن مختلف القبائل يحملون هذه العقيدة، ويدافعون عنها، حتى لا يبقى مجال لتصفيتهم السريعة والحاسمة من قبل أعدائهم الأشرار. كما أنَّه (ص) أراد أن لا تهدر الطاقات، وتذهب الجهود سدى، وينتهي الأمر إلى تمزق، وتوزع في الثلة المؤمنة، ثم إلى ضياع مدمر)
وللانضباط الحركي الذي اتسم به المسلمون الأوائل وفق ما كان يمليه عليهم رسول الله (ص)، والتزامهم الدقيق في الدعوة الفردية , والتخفي في شعاب الجبال أثناء أداء الصلاة بدأت أعدادهم تزداد يوماً بعد يوم، والرسول (ص) يشحذ فيهم جذوة الإيمان، ويهذب أخلاقهم، ويزكي نفوسهم، ويوسع معارفهم الإلهية، ويفقههم في أحكام دينهم؛ ليكونوا نماذج رسالية، وقدوات يقتدي بها الآخرون، ولذا اتخذ لهم دار الأرقم بن أبي الأرقم، (وهو سيد من سادات قريش الذين سابقوا إلى الإسلام، وكانت تلك الدار على مقربة من الصفا، فكان رسول الله (ص) يجتمع فيها بأصحابه، يعظهم ويرشدهم، ويصلي بهم، ويتلو عليهم ما أوحي إليه من آيات القرآن الكريم، ويعلمهم كيف يطبقون مبادئها في حياتهم، فكانت تلك الدار لهم مسجداً للعبادة، ومدرسة للتعليم , والتهذيب، وندوة للشورى، وتدبير الأمر.
واستمرت الحال على ذلك النحو ثلاث سنين, وعدد المسلمين يزداد شيئاً فشيئاً حتى بلغوا - من الرجال والنساء - نحو الأربعين أكثرهم من المستضعفين والفقراء، وأقلهم من الأشراف والسادة)
وفي هذه المرحلة الدقيقة لم يكن كفار قريش غافلين عن الدعوة، وعما يفعله الرسول (ص) في دعوته للناس، وإنما حسبوا أنَّ ما يقوم به الرسول (ص) لا يهدد مصالحهم، ولا يؤثر على زعامتهم للجزيرة العربية، ولا يهدد تجارتهم مع اليمن والشام وغيرها، ولا يعرض آلهتهم إلى إهانة، فعدم تعرض قريش للرسول (ص) وأصحابه في هذه المرحلة (يكمن في كونها لا ترى فيها ما يشكل قضية خطيرة تهدد مصالحهم التجارية والعشائرية والدينية)
فهم ليسوا جاهلين بأمر الدعوة، بل كانوا يعلمون بها، وينظرون إليها نظرة سطحية كما كانوا ينظرون إلى الرهبان والمتنسكين الذين يعتزلون المجتمع؛ ليتعبدوا كما يريدون من دون أن يؤثروا على مجرى الحياة السائر من زعامة، وسيادة، وتجارة، وقيادة، يقول ابن سعد في طبقاته: (أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني معمر بن راشد عن الزهري، قال: دعا رسول الله (ص) إلى الإسلام سراً وجهراً، فاستجاب لله من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس، حتى كثر من آمن به، وكفار قريش غير منكرين لما يقول، فكان إذا مرَّ عليهم في مجالسهم يشيرون إليه: إنَّ غلام بني عبد المطلب ليُكَلَّم من السماء)
إذن قريش كانت تعرف بما يقوم به رسول الله في دعوة الناس إلى الله، ونبذ عبادة الأصنام، لكنَّها لم تقدر الخطر على مصالحها، وزعامتها، وتجارتها، ولعلَّ أسباب عدم تعرضها للرسول (ص) وأصحابه في تلك المرحلة يرجع إلى عدة أسباب:
1- لما كان يتمتع به رسول الله (ص) من حصانة عشائرية وعائلية قوية في مكة، كما هو معروف من زعامة بني هاشم، ومكانتهم المرهوبة، والتي تتمتع بالقدسية لسدانة البيت المقدس؛ ولهذا (لم يكن من السهل على قريش إيذاء الرسول في هذا العهد، وهو من أسرة كريمة معروفة لها في مكة مركز ومقام، ولم يكن من السهل عليها إيذاء المسلمين، وبينهم من كان من أرقى الأسر وأشرفها حسباً ونسباً)
2- لم تكن قريش تحسب للدعوة خطراً على مصالحها التجارية، وزعاماتها، وإنما كانت تعتبرها حادثاً بسيطاً سينتهي كما تقدم.
3- الدقة في التوجيه الرسالي الذي كان رسول الله (ص) يدرب أصحابه عليه، والانضباط الحركي، والالتزام الأخلاقي الذي جسد منهجاً حركياً ذات أهداف بعيدة جعلهم لا يخاطبون بالدعوة إلا الذي يأملون منه الاستجابة الأكيدة؛ ليوصلوه بالتالي إلى رسول الله (ص)، وليُضم إلى صفوفهم، فحركة الدعوة كانت تتسم بالتكتم، والتخفي، والدقة في المخاطبة، وتجنب الاستفزاز لمشاعر القوم، وعاداتهم، وعبادتهم، وإنما يبدو أنَّهم كانوا يطرحون على من يخاطبونه جمال الإسلام، وسمو التوحيد الإلهي، ويضربون على الوتر الحساس؛ ليثيروا العواطف النبيلة في النفوس دون أن يثيروا حساسية أحد، فكأنَّهم كانوا يطرحون الصحيح من المبادئ والأفكار العقلائية ؛ ليثيروا كوامن الفطرة، ويوقظوا القلوب، وينوروا العقول؛ ليزيحوا عنها تراكم الجهل، والغفلة، والضلال، وهذا هو المنهج الرسالي في التبليغ والهداية على طول خط التأريخ كما يصور ذلك أمير المؤمنين (ع) في خطبته الأولى في نهج البلاغة حيث يقول: (وَاِصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ، أَخَذَ عَلَى اَلْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلَى تَبْلِيغِ اَلرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اَللَّهِ إِلَيْهِمْ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، وَاِتَّخَذُوا اَلأَنْدَادَ مَعَهُ، وَاِجْتَالَتْهُمُ اَلشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَاِقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ اَلْعُقُولِ)
هذا هو المنهج الإلهي في دعوة الناس إلى الله تعالى، فهو تذكير، وتبشير، وإنذار؛ ليوقظوا العقول، وينفضوا عنها غبار تراكمات عصر الغفلة، والضلال، وأدران الذنوب، وسيئات الأخلاق؛ وليعيدوا للفطرة صفائها، وللقلوب سلامتها، وللعقول يقظتها؛ لتهيئة أرضية النفوس؛ لقبول ما يلقى إليها من عقائد، ومفاهيم، وأحكام، ولعلَّ هذا ما أشار إليه (ع) بقوله: (لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ) (أي ليبعثوهم على أداء ما خُلقوا لأجله، وفُطروا عليه من الإقرار بالعبودية لله، ويجذبوهم عما التفتوا إليه من إتباع الشهوات الباطنة، واقتناء اللذات الوهمية الزائلة)
وقوله (ع): (وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ اَلْعُقُولِ) هو أدق تعبير في أسلوب الدعوة إلى الله تعالى من خلال تحريك مضمرات العقول، واستخراج خزائن الفطرة فيها، فكأنَّ في العقول خزائن مدفونة تحتاج إلى من يستخرجها، يقول العلامة البحراني: (واستعمال الدفائن هاهنا استعارة لطيفة فإنَّه لما كانت جواهر العقول، ونتائج الأفكار موجودة في النفوس بالقوة أشبهت الدفائن، فحسن استعارة لفظ الدفينة لها، ولما كانت الأنبياء هم الأصل في استخراج تلك الجواهر لإعداد النفوس لإظهارها حسنت إضافة إثارتها إليهم)
فإثارة دفائن العقول (تعني بعث القوى العقلية والنفسية في الإنسان؛ لإنجاز عملية التقدم الصحيح، والتغيير الإيجابي في المجتمع عن طريق الحركة التأريخية المستبطنة للوعي الإيماني المستقيم)
ويبدو من مجرى الأحداث أنَّ الرسول (ص) في الوقت الذي كان يعمل على تثبيت دعائم الدعوة في مكة، ويمتن بنيتها الداخلية، ويعمق جذورها في نفوس أصحابه كان يحاول أن يمتد إلى خارج مكة؛ ليهيئ لها أرضية جديدة كما حصل في قضية إسلام أبي ذر الذي خرج عن خط السرية والكتمان، وتحدى قريش، وأعلن الدعوة في عقر دارهم، صارخاً: (أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله) إلى أن تعرض لضرب مبرح لولا أنَّ العباس بن عبد المطلب أنقذه منهم، وحذرهم، حيث قال لهم: (ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنَّه طريق تجارتكم إلى الشام)، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه، وثاروا إليه، فأكب العباس عليه.
ويبدو من خلال رغبة أبي ذر بإعلان الدعوة حين قال لرسول الله: (يا رسول الله، إنِّي أريد أن أظهر ديني، فقال رسول الله (ص): إنِّي أخاف عليك أن تقتل، فقال: لا بد منه, وإن قتلت)، فسكت النبي، وسكوت النبي (ص) عن رغبته في إعلان الدعوة ينبئ عن رضاه مع خوفه عليه من القتل، لكنَّه استشرف من وراء الغيب أنَّ أبا ذر سيكون رسوله إلى بني غفار، وبعد أن تعرض لضرب شديد بعد إعلان الإسلام على رؤوس الملأ، وفي مجالسهم حتى تركوه كالنصب الأحمر، وحين رجع إلى رسول الله (ص) ذكره قائلاً: (ألم أنهكَ؟، فقال: يا رسول الله، كانت حاجة في نفسي، فقضيتها، وبعد أن أقام مع رسول الله (ص) فترة زمنية تزود فيها قوة في إيمانه، وسعة في علمه، وتجربة في تحدي الظالمين، قال له رسول الله (ص): الحق بقومك، فإذا بلغك ظهوري فأتني)
وهكذا عاد أبو ذر إلى قومه غفار، وبين جنبيه روح الدعوة الإلهية، ووعى الإسلام وعياً عميقاً، فقد سئل الإمام علي (ع) عن أبي ذر فقال (ع): (وعى علماً عجز فيه [الناس]، وكان شحيحاً حريصاً، شحيحاً على دينه، حريصاً على العلم، وكان يكثر السؤال، فيعطى ويمنع، أما إن قد ملئ له في وعائه حتى امتلأ)
وفي رواية أخرى: (وعى علماً عجز الناس عنه ثم أوكأ عليه فلم يخرج شيئا منه)
وعنه رضي الله عنه أنَّه قال: (ما ترك رسول الله (ص) شيئاً مما صبه جبريل وميكائيل (ع) في صدره إلا صبه في صدري)، وكيف لا؟ وقد قال فيه رسول الله (ص): (ما تقل الغبراء، ولا تظل الخضراء من ذي لهجة أصدق , ولا أوفى من أبي ذر شبيه عيسى بن مريم)
وبهذه الروح المتألقة بالإيمان, والمتنورة بالعلوم الإلهية بعد أن تلقى التوجيه من رسول الله حيث قال (ص) له: (فهل أنت مبلغ عني قومك؟ لعلَّ الله عز وجل أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم، فقال: نعم، قال أبو ذر: فانطلقتُ، فلقيتُ أخي أنيساً، فقال لي: ما صنعتَ، قلتُ: أسلمتُ وصدقتُ، فقال: ما بي رغبة عن دينك، فقد أسلمتُ وصدقتُ، قال: وأتينا أُمَّنَا، فعرضنا عليها الإسلام، فقالت: فما بي رغبة عن دينكما، فإنِّي قد أسلمت وصدقت، فتحملنا حتى أتينا قومنا غفاراً، فأسلم نصفهم، وقال النصف الآخر: إذا قدم رسول الله أسلمنا)
وهكذا استطاع رسول الله (ص) أن يمتد برسالته إلى خارج مكة.
وروى ابن سيد الناس في عيون الأثر عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن عنبسة السلمي، قال: (رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية؛ وذلك أنَّها باطل، فلقيت رجلاً من أهل الكتاب من أهل تيماء، فقلت: إنِّي امرؤ ممن يعبد الحجارة، فينزل الحي ليس معهم إله، فيخرج الرجل منهم، فيأتي بأربعة أحجار، فينصب ثلاثة لقدره، ويجعل أحسنها إلهاً يعبده، ثم لعلَّه يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل، فيتركه، ويأخذ غيره إذا نزل منزلاً سواه، فرأيت أنَّه إله باطل لا ينفع ولا يضر، فدُلَّني على خير من هذا، فقال: يخرج من مكة رجل يرغب عن آلهة قومه، ويدعو إلى غيرها، فإذا رأيتَ ذلك، فاتبعه، فإنَّه يأتي بأفضل الدين، فلم يكن لي همة منذ قال لي ذلك إلا مكة، فآتي، فأسأل هل حدث فيها حدث، فيقال: لا، ثم قدمتُ مرة، فسألت، فقالوا: حدث فيها رجل يرغب عن آلهة قومه، ويدعو إلى غيرها، فشددت راحلتي برحلها، ثم قدمت منزلي الذي كنت أنزل بمكة، فسألت عنه، فوجدته مستخفياً، ووجدت قريشاً عليه أشداء، فتلطفت له حتى دخلت عليه، فسألتُه، فقلت: أي شيء أنت؟ قال: نبي، فقلت: ومن أرسلك؟ قال: الله، قلت: وبِمَ أرسلك؟ قال: بعبادة الله وحده لا شريك له، وبحقن الدماء، وبكسر الأوثان، وصلة الرحم، وأمان السبيل، فقلت: نِعْمَ ما أُرسلتَ به، قد آمنتُ بك، وصدقتُك، أتأمرني أن أمكث معك أو أنصرف؟ فقال: ألا ترى كراهة الناس ما جئت به، فلا تستطيع أن تمكث، كن في أهلك، فإذا سمعت بي قد خرجت مخرجاً، فاتبعني، فمكثت في أهلي حتى إذا خرج إلى المدينة، سرتُ إليه، فقدمت المدينة، فقلت: يا نبي الله، أتعرفني؟ قال: نعم، أنت السلمي الذي أتيتني بمكة)
وفي قصة الطفيل بن عمرو مثل آخر، فقد روى ابن سعد في طبقاته عن عبد الواحد بن أبي عون الدوسي، وكان له حلف في قريش، قال: (كان الطفيل بن عمرو الدوسي رجلاً شريفاً شاعراً كثير الضيافة، فقدم مكة ورسول الله (ص) بها، فمشى إليه رجال من قريش، فقالوا: يا طفيل، إنَّك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وفرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنَّما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، إنَّما نخشى عليك وعلى قومك مثل ما دخل علينا، فلا تكلمه، ولا تسمع منه.
قال الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً، ولا أكلمه، فغدوت إلى المسجد، وقد حشوت أذني كرسفاً، يعني قطناً فَرَقاً، من أن يبلغني شيء من قوله، حتى كان يقال لي: ذو القطنتين، قال: فغدوت يوماً إلى المسجد، فإذا رسول الله (ص) قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريباً منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاماً حسناً، فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إنِّي لرجلٌ لبيبٌ شاعرٌ ما يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً تركته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته، ثم اتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت معه، فقلت: يا محمد، إنَّ قومك قالوا لي كذا وكذا للذي قالوا لي، فوالله ما تركوني يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف؛ لئلا أسمع قولك، ثم إنَّ الله أبى إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولاً حسناً، فاعرض عليَّ أمرك، فعرض عليه رسول الله (ص)الإسلام، وتلا عليه القرآن، فقال: لا والله، ما سمعت قولاً قط أحسن من هذا، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت، وشهدت شهادة الحق، فقلت: يا نبي الله، إنِّي امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم إلى الإسلام، فادعُ الله أن يكون لي عوناً عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: اللهم اجعل له آية.
قال: فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي، فإنِّي أخشى أن يظنوا أنَّها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم، فتحول النور، فوقع في رأس سوطي، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق، فدخل بيته، قال: فأتاني أبي، فقلت له: إليك عني يا أبتاه، فلست مني ولست منك، قال: ولِمَ يا بني؟ قلت: إنِّي أسلمتُ واتبعت دين محمد، قال: يا بني، ديني دينك، قال: فقلت: فاذهب، فاغتسل، وطهر ثيابك، ثم جاء، فعرضت عليه الإسلام، فأسلم، ثم أتتني صاحبتي، فقلت لها: إليك عني، فلست منك ولست مني، قالت: ولِمَ بأبي أنت؟ قلت: فَرَّقَ بيني وبينك الإسلام، إنِّي أسلمتُ, وتابعت دين محمد، قالت: فديني دينك، قلت: فاذهبي إلي حسي ذي الشرى، فتطهري منه، وكان ذو الشرى صنم دوس، والحسي حمى له يحمونه، وبه وشل من ماء يهبط من الجبل، فقالت: بأبي أنت، أتخاف على الصبية من ذي الشرى شيئاً، قلت: لا أنا ضامن لما أصابك، قال: فذهبت، فاغتسلت، ثم جاءت، فعرضت عليها الإسلام، فأسلمت، ثم دعوتُ دوساً إلى الإسلام فأبطؤوا عليَّ، ثم جئت رسول الله (ص) بمكة، فقلت: يا رسول الله، قد غلبتني دوس، فادعُ الله عليهم، فقال: اللهم أهد دوساً)
ولعلَّ لهذين الرسولين حَدَّثَ أبو ذر قال: (قال رسول الله (ص): غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com