موقع الصراط ... الموضوع : النفاق السياسي
 
الجمعة - 10 / جمادي الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  النفاق السياسي  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 18 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
في معنى النفاق:
النفاق اصطلاح استحدثه الإسلام (ولم تكن العرب تعرفه بالمعنى المخصوص) وهو الدخول في الإسلام من وجه والخروج من وجه آخر، والمنافق هو الذي يستر كفره، ويظهر إيمانه، يقال: نافق، ينافق، منافقه، ونفاقاً وهو مأخوذ من النافقاء أحد إنفاق اليربوع السبعة إذا طورد من واحد هرب إلى الآخر، وخرج منه وهنا تشبيه دقيق لبيان حيل المنافق فهو يحضر الحيل الواهية والحجج الباطلة؛ ليتذرع بها حين يحاصر ويُحرج عند كشف أكاذيبه وخدعه.
واختلف في سبب التسمية إلى ثلاثة أقوال:
1 - إنه سمي منافقاً لأنه يستر كفره، ويغيبه فشبه بالذي يدخل النفق وهو السرب، ويستتر فيه.
2 - إنه نافق كاليربوع فشبه به، لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل فيه.
3 - إنه سمي به لإظهار غير ما يضمر تشبيهاً باليربوع فكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر.
فالنفاق هو حالة نفسية تنبئ عن جبن صاحبها حيث لا يستطيع أن يواجه الحقيقة صراحة ، وإنما يحاول أن يتلبس بها ظاهراً، ويتهرب منها باختلاق المعاذير الواهية... ويعد لذلك أساليب مختلفة مسبقاً ؛ ليخادع بها، ويتخلص من مواجهة الحق ؛ لجبن قلبه، وفساد نيته، وخبث سريرته وسوء ضميره... وهو يخشى من افتضاح أمره، ولهذا نراه يعد لكل سؤال جواباً، ولكل إشكال مهرباً؛ لأنه يعلم يقيناً أنه يضمر الشر ويظهر الخير، ومثل هذا الأمر لا بد أن ينكشف للناس إن آجلاً أو عاجلاً.
وقد شغل بحث النفاق وذم المنافقين مساحة واسعة من القرآن والسنة فقد تحدث الكتاب الكريم عن النفاق والمنافقين في سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والتوبة، والأحزاب، والفتح، والحديد وغيرها من السور، وأفرد لها سورة قائمة بذاتها، وهذا يدل على خطورة هذه الصفة الذمية على حركة الرسالة ، ويمكن القول إن ما تعرض له الإسلام من مخاطر وأزمات منذ انطلاقته في الجزيرة العربية وإلى اليوم أكثر مما تعرض له من الكافرين والمشركين، ومن هنا يتضح لنا أن خطر النفاق أشد من خطر الكفر ؛ لأن الكافر عدو صريح يمكن مقاومته والتغلب عليه، وأما المنافق فهو العدو الداخلي فهو عدو بثوب صديق يحابيك ظاهرا،ً ويضمر لك العداء باطناً؛لينقض عليك حينما تسنح له الفرص.
وتأسيساً على ذلك لابد من دراسة هذه الظاهرة من حيث أسبابها، وعللها، وصفات المنافقين، وأساليبهم، وأساليب التحرز من كيدهم وخداعهم وغدرهم.

أسباب النفاق وعلله:
في نفس الإنسان طموحات واسعة يتطلع من خلالها إلى الرقي والتقدم والظهور بمظهر الكمال والسمو الإنساني... إلا أن الوصول إلى تلك الأهداف يختلف باختلاف الفهم والوعي لحقيقة الكمال فمن يرى الكمال في جمع الثروة الواسعة والمال الكثير تراه يقصر جهده فيه، ومن يرى الكمال في العلم والمعرفة يثابر ويجد ليله ونهاره لكسب المعرفة وهكذا من يرى الكمال في التسلط والحكم وغير ذلك من الأهداف. وتختلف أساليب تحقيق الأهداف المنشودة من فرد إلى فرد ومن جماعة إلى أخرى فمن كان يتسم بعلو الهمة، وقوة العزيمة، ونقاء الضمير، وصفاء السريرة،والهدفية البناءة تراه يسلك المسالك الشريفة الواضحة النيرة في تحقيق أهدافه فإن حقق ما يصبوا إليه اطمأن وركن إليه. وإن لم يتوصل لا يسقط في بؤرة ( المكافلية) المنحطة. لأن شرف الوسيلة من شرف الهدف والعكس صحيح.
والمنافق كغيره من الناس يتطلع إلى الوصول إلى غايات معلومة إليه إلا أنه لما كان هابط الهمة، وواهي العزيمة، وجبان القلب تراه يسلك الأساليب الخفية لتحقيق أهدافه... فهو يتسم بالغموض والسرية يُظهر عكس ما يبطن يبدي الصلاح ويخفي الفساد. ويبتدع الأساليب الخسيسة كالخداع ، والغدر ، والمكر، والدهاء ، ويبدع شتى ضروب الحيل؛ ليحقق مآربه بسرية تامة عن أعين الآخرين... وعلة ذلك أنه لا يمتلك الشجاعة الكافية, والصراحة التامة, ولا يستطيع أن يواجه الحقيقة لأن أهدافه دنيئة... والأنكى من ذلك أنه يعتبر هذه الأساليب ذكاء ودهاء ، ويتصور أنها قدرة فائقة يتغلب بها على خصومه.
إذن السبب الرئيس للنفاق هو الجبن، وهبوط الهمة، وخَور العزيمة عن مواجهة الآخرين بصراحة.
والسبب الآخر: هو الأمراض النفسية الناتجة عن سوء التربية، أو أدران الذنوب، وسوء الأخلاق، أو فساد المحيط الاجتماعي... فإن النفس تمرض كما يمرض الجسد, ولكن أمراض النفس أصعب وأعسر ؛ لأنها مخفية قد لا يشعر بها الإنسان, وأهم هذه الأمراض الحسد، والتكبر، والطمع والاستحواذ على الآخرين، والخضوع لمطالب النفس الأمارة بالسوء... فأنت لا تجد إنساناً يتمتع بصحة نفسية جيدة يمكن أن يسلك مسالك النفاق أبداً، لأن النفس السليمة من تلك الأمراض تأبى أن تنحدر إلى بؤر النفاق.
ومن أسباب النفاق اعتناق المبادئ الفاسدة التي تبرر الوسائل للوصول إلى الأهداف لاسيما الأهداف السياسية التسلطية فالكثير من العقائد والمبادئ والمذاهب الفاسدة التي ابتدعها البشر تبرر لمعتنقيها سلوك أحط الطرق للوصول إلى المطلوب ، وخير شاهد على ذلك نظرية ميكافيلي التي تبرر أخس الوسائل؛ لتحقيق المراد، يقول ميكافيلي:
(إنه من الخير لك أن تظهر بالتقوى، والأمانة، وحب الإنسانية، والدين، والإخلاص ، وأن تكون في الواقع كذلك، ولا ينبغي أن تكون منتبهاً بحيث إذا اضطررت للتحول إلى الصفات الأخرى كان ذلك بدون مشقة).
وما نراه في عالمنا اليوم من أساليب سياسية تتسم بالكذب والخداع والغدر والتبرير واللف والدوران ؛ لأجل السيطرة ، وامتصاص خيرات الشعوب مع إبراز الوجه الناصع والادعاءات الجوفاء التي تخفي ورائها أهدافاً دنيئة إلا صورة واضحة من صور النفاق السياسي... فترى كل طغاة العصور عندما يحتلون بلداً معيناً يبرزون الوجه النير, ويطرحون الوعود الخلابة والمصطلحات البراقة كالحرية، والديمقراطية، والتقدم، والازدهار، وتحرير الشعوب من نير الظالمينٍ فإذا ما تسلطوا وأحكموا قبضتهم على ذلك البلد قلبوا له ظهر المجن. وما إعلان نابليون حين احتلال مصر بأنه جاء محرراً ، ومنقذاً للإسلام من أيدي الممالك،إلا صورة من صور النفاق السياسي، بل ولم يكتف بذلك حتى ادعى بأنه اعتنق الإسلام ، وأنه يعتبر الإسلام مبدأً سماوياً عظيماً.
وأخبث أساليب النفاق اليوم طرح المصطلحات المزخرفة الخادعة, وأقرب مثل لذلك مصطلح (الاستعمار) الذي يعطي معنى الإعمار كما استعملها القرآن الكريم بقوله تعالى: ((هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأٍَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)) (هود:61) فما من دولة استعمارية دخلت بلداً إلا وكالت له الوعود المعسولة، وواصلت الوعد ببناء جنة الله على الأرض.
وهكذا طُرحت مصطلحات ثقافية في عصر الاستكبار حتى أصبحت متداولة تتناقلها وسائل الإعلام على مختلف الأصعدة حتى ألفتها الأسماع، واعتادتها النفوس، ولم تعد تقرأ ما وراءها من خطط تحاك في دهاليز السياسية حتى أصبحنا نرى ونسمع في كل يوم عشرات من ذلك فهذه إرادة التحديث والعصرنة والتقدم، وتلك الحرية والازدهار، وتحرير الشعوب، والمطالبة بحقوق المرأة والعمل على إنقاذها. وهناك المحافظة على حقوق الإنسان, وتوازن القوى، ونشر الديمقراطية والعدالة، ومحاربة الرجعية والتخلف الفكري والاقتصادي والسياسي، ومحاربة الإرهاب... وهلم جرا من مصطلحات لا أول ولها ولا آخر.
كل ذلك يطرح بعد أن يطبخ على نار هادئة، ويمهد له الأجواء المناسبة، والمناخ الملائم بحيث لا يثير حفيظة الشعوب المحتلة التي يراد السيطرة عليها سواء على المستوى الإعلامي أو المستوى العسكري... والأعجب من ذلك أن يخرج بإخراج فني من دهاليز السياسة التي تحكمها المصالح المجردة عن القيم الإنسانية والأخلاقية.... والسياسي المحنك عندهم من يحسن المراوغة والخداع والكر والفر (فالقائد الدبلوماسي: قائد يمتاز بالمرونة، سعادته أن يتلاعب بالأفراد والمواقف، مظهره لا يعكس باطنه، ولغته لا تعبر عن أفكاره، بعيد النظر واقعي وعملي لا يتردد في أن يتعامل مع عدو الأمس، وأن يضحي بصديق اليوم)
وهنا يكمن الخطر عندما يصبح النفاق منهج فكري سياسي يحاول الاستحواذ على مقدرات الأمة, وتفتيت وحدتها بأساليب مختلفة كإثارة الفتن هنا وهناك، ونشر الإشاعات وبلبلة الأفكار، وخلخلت الوضع الاجتماعي من خلال عمليات التخريب، ودس العملاء والجواسيس؛ لنشر الأفكار الهدامة، وطرح مصطلحات جديدة جذابة توحي بالخير والصلاح وهكذا... وربما توصلوا إلى أهدافهم باستعمال الشعارات الدينية من خلال التبشير الديني الذي كان المقدمة الأولى لاستعمار البلاد فإن ما يسمى (بالمبشرين المسيحيين كانوا في الحقيقة طلائع الاستعمار. أي إنهم كانوا يمهدون الطريق لدخول الاستعمار إلى البلاد لاستعمارها. فكانوا يدخلون باسم التبشير بالدين المسيحي، فيشغلون الناس بأوصاف عيسى المسيح وأمه مريم العذراء، وبعد مدة صار الناس يحسون أنهم أخذوا يفقدون ثرواتهم المادية تحت ستار الثروة الروحية.
يقول أحد الأفارقة: يوم أن وطئت أقدام الأوربيين بلادنا، كنا نملك الأرض، وكانوا يملكون الإنجيل. ولكن بعد مضي 40 - 50 سنة رأينا إنجيلهم في أيدينا، وأرضنا في أيديهم ذلكم هو النفاق)
ويشير الشهيد مطهري (قده) إلى نكتة جميلة، وهي أن النفاق من خصائص الإنسان دون غيره من الحيوانات باستثناء القليل منها كالثعلب والقط.
يقول (قده): (ولكن ما من حيوان بقادر على التصنع مثل الإنسان، الذي يسبغ على تصنعه ألواناً من التعابير الأدبية، كالمخاتلة، والمخادعة، والمداهنة، وكلها ضروب من النفاق، أو يقال: إن فلاناً يشارك الذئب طعامه، ويشارك الراعي بكاءه...!
[إننا نرى] كلما تقدم الإنسان في مضمار التمدن، ازدادت قدرته على النفاق، لم يكن الإنسان قبل ألف سنة يعرف من النفاق عشر معشار ما يعرفه اليوم)

دعائم النفاق:
في نفس الإنسان أطماع وأهواء وغرائز تحركه, وربما تسيطر عليه بل تستحوذ عليه. فلا تدعه يبصر غير ما يروم تحقيقه، والنفاق حالة من هذه الحالات، وتتشعب منها شعب كثيرة حتى يمكن القول: إن جميع الرذائل النفسية، والقبائح العملية تجتمع في المنافق... وما من رذيلة إلا وتجد لها جذراً نفاقياً.
لأن (النفاق عنصر أساسي في تركيب الكثير من الجرائم الخلقية التي تتحرك كالسوس في المجتمع كالغيبة والنميمة والوشاية وشهادة الزور).
وأدق بيان لحقيقة النفاق وتشعباته ودعائمه ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) في حديث مفصل، ونظرة تأمل سريعة لهذا النص تتجلى لنا جذور النفاق وتفريعاته التي بلغت عشرون رذيلة نفسية كل واحدة منها كافية لمسخ حقيقة الإنسان وارتكاسه في أحط دركات الضلال والإضلال...
يقول (ع): (....والنفاق على أربع دعائم: على الهوى، والهوينا، والحفيظة، والطمع.
فالهوى على أربع شعب : على البغي، والعدوان، والشهوة، والطغيان، فمن بغى كثرت غوائله، وتخلى منه، وقصر عليه، ومن اعتدى لم يؤمن بوائقه، ولم يسلم قلبه، ولم يملك نفسه عن الشهوات، ومن لم يعدل نفسه في الشهوات خاض في الخبيثات، ومن طغى ضل على عمد بلا حجة.
والهوينا على أربع شعب: على الغرة، والأمل، والهيبة، والمماطلة، وذلك بأن الهيبة ترد عن الحق، والمماطلة تفرط في العمل حتى يقدم عليه الأجل، ولولا الأمل علم الإنسان حسب ما هو فيه, ولو علم حسب ما هو فيه مات خفاتاً من الهول، والوجل، والغرة تقصر بالمرء عن العمل.
والحفيظة على أربع شعب: على الكبر، والفخر، والحمية، والعصبية، فمن استكبر أدبر عن الحق، ومن فخر فجر، ومن حمى أصر على الذنوب، ومن أخذته العصبية جار، فبئس الأمر أمر بين إدبار وفجور وإصرار وجور على الصراط.
والطمع على أربع شعب: الفرح، والمرح، واللجاجة، والتكاثر، فالفرح مكروهٌ عند الله والمرح خبلاء، واللجاجة بلاء لمن اضطرته إلى حمل الآثام، والتكاثر لهو ولعب وشغل واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.
فذلك النفاق ودعائمه وشعبه. والله قاهر فوق عباده تعالى ذكره وجلَّ وجهه)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com