موقع الصراط ... الموضوع : لِمَ نبكي الحسين (ع) ؟-1
 
الأربعاء - 17 / جمادي الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  لِمَ نبكي الحسين (ع) ؟-1  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 18 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
قال الإمام الرضا (ع): (من تذكر مصابنا, وبكى لما ارتكب منا, كان معنا في درجتنا يوم القيامة, ومن ذُكِّرَ بمصابنا فبكى...
وأبكى لم تبكِ عينه يوم تبكي العيون ومن جلس مجلساً يُحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)
لقد تواترت الأحاديث والأخبار بالحث على تذكر مصاب أهل البيت (ع) يوم الطف, والبكاء عليهم, ومشاركتهم في أحزانهم, فقد كان جميع أئمة الهدى (ع) إذا حل شهر المحرم تغيرت أحوالهم, وغمر الحزن نفوسهم, وغلب البكاء عليهم, فيأمرون الشعراء أن يندبوا الحسين (ع) ويبكوه بشده فقد روى الريان بن شبيب قال: (دخلت على الرضا (ع) في أول يوم من المحرم، فقال لي: يا بن شبيب ... إنَّ المحرَّم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرِّمون فيه الظلم والقتال ؛ لحرمته, فما عرفت هذه الأمّة حرمة شهرها, ولا حرمة نبيها, لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته, وسبوا نساءه وانهبوا ثقله ، فلا غفر الله لهم ذلك أبداً . يا ابن شبيب إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (ع) فإنه ذُبح كما يذبح الكبش ، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً, ما لهم في الأرض شبيهون)
وعلى هذا النهج سار شيعة أهل البيت في كل زمان ومكان, وأقاموا مجالسهم في أحرج الظروف وأشدها, والسر في تأكيد أئمة الهدى (ع) على إقامة هذه المجالس لأنها مجالس تشد الأمة إلى خط الأئمة الهداة, وتبعث فيها روح التحدي والرفض لكل أشكال الضلال والباطل, وتثبت دعائم الهدى والحق ؛ ولإصرار شيعة أهل البيت (ع) على إقامتها راح الجاهلون والمتجاهلون يعيبونهم على ذلك, فقالوا : (إن واقعة الطف وقعت قبل ألف وأربعمائة سنة فما معنى إعادة ذكرها في كل عام بهذا الشكل المحزن ؟ بل قال بعضهم : إن يزيد قتل الحسين مرة, وأنتم تقتلونه في كل عام, وقال آخرون : إن أمراً فظيعاً وقع في أعماق التاريخ فلماذا تعيدونه في كل عام ...).
وكل هذه الإشكالات لا شك إنها جاءت نتيجة الجهل أو التجاهل لموقع الحسين (ع) في حركة التاريخ, ودورة في تحريك عجلته, أو لتجاهل موقعه من رسول الله (ص) وتناسي عنايته, ورعايته, ووصاياه المتواصلة به, وبكائه, وتفجعه (ص) بمجرد ذكر ما سوف يواجهه أهل بيته (ع) وانه ما كان يفعل ذلك عن عاطفة أبوية مجردة, وإنما لعلمه بأهمية هذا الحدث في مستقبل الرسالة الإلهية, أو أن ذلك ناتج عن حالة عدم التدبر فيما ورد عن الرسول الأكرم (ص) من مواقف سلوكية مع الحسين (ع) وتصريحات واضحة فيه صلوات الله عليه والأخبار الوارد عن شهادته عن طريق السنة والشيعة, وإلا بماذا نفسر بكاء النبي (ص) على الحسين (ع), وهو طفل ولد لتوه .
لو تأملنا بموقف النبي (ص) هذا, وبكاؤه وأخباره والحسين لتوه نزل إلى الدنيا لعرفنا أن الحسين (ع) ذخيرة الله في أرضه, وإلا ما هذا البكاء ؟وما هذا الحزن ؟ولماذا يخبر عن قتله قبل ستين عاماً من شهادته, وما الداعي إلى ذلك ؟ ورسول الله سيد حكماء الخلق كافة ,ولا ينطق عن الهوى ((إن هو إلا وحي يوحى)) (النجم:4)
فمما لاشك فيه أنه لو لم يكن لهذا الحدث أثر عظيم في مستقبل الرسالة لما فعل رسول الله (ص) كل هذا .ولما أخبر عنه في مواقع مختلفة .
شرعية البكاء على الحسين (ع):
(إن الحزن والبكاء ليسا أمرين اختياريين يستطيعهما الإنسان ساعة يشاء ويمتنع منهما ساعة يشاء, بل هما أمران خارجان عن الإرادة المباشرة للإنسان ,فإذا أرادهما كان عليه أن يهيئ نفسه لهما باستذكار ما يُوَلِدُ في قلب مشاعر الحزن وفي قلب دواعي البكاء )
والبكاء ظاهرة إنسانية ينفس بها الإنسان عما يختزنه من هموم ,وأحزان, ومشاعر كئيبة, وما يساوره من انفعالات تملك عليه إحساسه ومشاعره فيعبر عنه بالدموع . وهذه الدموع قد تكون لحزن, وقد تكون لفرح, أو خوف, أو خشية.. وأنواع البكاء وأسبابه كثير .
( ومن المعروف في الشريعة الإسلامية وأخلاقيات الإسلام إنها لا تشجع على إظهار الجزع للموت والتفجع والجزع على الميت, بل ترى أن ذلك مكروه, وبعض مظاهره محرم, ولكن ذلك لا يسري على ما يحصل من البكاء والجزع والتفجع على الإمام الحسين (ع) )
( روى أبو حمزة الثمالي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع ما خلى البكاء والجزع على الحسين بن علي (ع) فإنه فيه مأجور ).
بعد هذه المقدمة نتسأل : هل أن البكاء على الحسين (ع) بدعة ابتدعها الشيعة - والعياذ بالله - أم إنها حالة شرعية لها مثيل في حياة الأنبياء والمرسلين, ولا سيما حياة سيد المرسلين (ص)؟
ويمكن أن نستدل على شرعية البكاء بالأدلة الذاتية :
1 - ما نص القرآن عليه من بكاء يعقوب (ع) لفراق ولده يوسف (ع) وهو حي في دار الدنيا حتى ذهب بصره . يقول تعالى في وصف حاله : ((وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم)) (يوسف:84) ، ولشدة حزنه ((قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين)) (يوسف:85)
وروى الزمخشري عن رسول الله (ص) أنه سئل جبرائيل (ع): (ما بلغ من وَجْدِ يعقوب على يوسف؟ قال: وجد سبعين ثكلى , قال : فما كان له من الأجر؟ قال : أجر مائة شهيد, وما ساء ظنه بالله ساعة قط ... - وعلق الزمخشري على الحديث قائلاً – فإن قلت كيف جاز لنبي الله (ع) أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟ قلت : الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن ، ولذلك حُمِدَ صبره, وأن يضبط نفسه حتى لا يخرج إلى ما لا يُحْسَن ، ولقد بكى رسول الله (ص) على ولده إبراهيم, وقال : القلب يجزع ، والعين تدمع ، ولا نقول ما يسخط الرب ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون )
وفي تفسير الرازي ، روى أن يوسف (ع) سئل جبرائيل هل لك علم بيعقوب؟ قال: (نعم، قال : وكيف حزنه ؟ قال : حزن سبعين ثكلى - وهي التي لها ولد واحد ثم يموت - قال : فهل له فيه أجر ؟ قال : نعم أجر مائة شهيد . إلى أن قال ... وروى أن ملك الموت دخل على يعقوب (ع) فقال جئت لتقبضي قبل أن أرى حبيبي؟ فقال لا ولكن جئت لأحزن لحزنك, وأشجو لشجواك)
وهنا نتساءل :هل فعل يعقوب وهو النبي المعصوم (ص) في بكائه وحزنه على ولده يوسف حرام – والعياذ بالله - ؟ و معلوم أن بكاءه لم يكن عادياً بل استوعب حياته كلها, وهو يعلم علماً يقينياً أنه حيٌ يرزق؟ ونكتفي بجواب الفخر الرازي في تعقيبه على الحديث المتقدم حيث قال : (وأما البكاء فليس من المعاصي . وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام : بكى على ولده إبراهيم (ع) وقال : (إن القلب ليحزن والعين تدمع , ولا نقول ما يسخط الرب ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون) وأيضاً فاستيلاء الحزن على الإنسان ليس باختياره ، فلا يكون ذلك داخلاً تحت التكليف وأما التأوه , وإرسال البكاء فقد يصير بحيث لا يقدر على دفعه)
2- بكاء النبي (ص) على الحسين (ع) في مواضع كثيرة كيوم ولدته أمه, ويوم كان طفلاً يدرج, وفي كثير من الأحيان مذكرا أمته بأهمية الحادث الذي سيقع في المستقبل كما تقدم ...
وفي رواية أخرى عن أم سلمة رضي الله عنها, قالت : ( كان رسول الله (ص) جالساً ذات يوم في بيتي قال : لا يدخل عليَّ أحدٌ فانتظرت فدخل الحسين (ع) فسمعت نشيج رسول الله (ص) يبكي فاطلعت فإذا حسين في حجره, والنبي يمسح جبينه, وهو يبكي, فقلت : والله ما علمت حين دخل فقال : إن جبرائيل (ع) كان معنا في البيت , قال : أَفتحبه قلت : أما في الدنيا فنعم . قال إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء ... الخ )
(وعن نجي الحضرمي أنه سار مع علي رضي الله عنه, وكان صاحب مطهرته فلما حاذى نينوى, وهو منطلق إلى صفين فنادى عليٌّ :اصبر أبا عبد الله بشط الفرات قلت : وما ذاك ؟ قال دخلت على النبي (ص) ذات يوم, وإذا عيناه تذرفان, قلتُ يا نبي الله أغضبك أحدٌ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال : بل قام من عندي جبرائيل (ع) فحدثني إن الحسين يُقتل بشط الفرات قال : فقال : هل لك أن أُشمك من تربته ؟ قلت نعم ,قال فمد يديه فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا )
3 – بكاؤه (ص) على عمه حمزة رضي الله عنه سيد الشهداء يوم أحد . يقول ابن مسعود: (ما رأينا رسول الله (ص) باكياً أشد من بكائه على حمزة, وضعه في القبلة, ثم وقف على جنازته ,وانتحب أي شهق حتى بلغ الغشي , يقول : يا عم رسول يا حمزة يا فاعل الخيرات, يا حمزة يا كاشف الكربات ,يا ذاباً عن وجه رسول الله...)
وروي أن صفية جاءت يوم أحد فجلست عند رسول الله (ص) ( فجعلت إذا بكت يبكي رسول الله (ص) وإذا نشجت ينشج رسول الله (ص) وجعلت فاطمة (ع) تبكي فلما بكت بكى رسول الله (ص) ثم قال : لم أصاب بمثل حمزة أبداً, ثم قال (ص) لصفية وفاطمة : ابشرا, أتاني جبرائيل (ع) فأخبرني أن حمزة مكتوبٌ في أهل السماوات السبع : حمزة بن عبد المطلب أسد الله , وأسد رسوله )
وفي تاريخ الطبري إن رسول الله (ص) مر بدار من دورا الأنصار من بني عبد الأشهل وبني ظفر فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عينا رسول الله (ص) فبكى ثم قال : لكن حمزة لا بواكي له فلما رجع سعد بن معاذ, واسعد بن حضيّر على دار بني عبد الأشهل أمر نساءهم أن يبكين على عم رسول الله (ص) .
4 - بكاؤه على ابن عمه جعفر بن أبي طالب رحمه الله فلما أتاه نعي جعفر وزيد بن حارثة بكى, وقال : ( أخواي ومؤنساي ومحدثاي ).
5 - بكاؤه على ولده إبراهيم حين موته وبعده .فقد اخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك, وذكر دخول النبي, وإبراهيم يجود بنفسه , قال : فجعلت عينا رسول الله تذرفان, قال : فقال : عبد الرحمن بن عوف : وأنت يا رسول الله فقال : يا ابن عوف إنها رحمة، ثم اتبعها بأخرى, فقال (ص): ( إن العين تدمع, والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا, وأنا على فراقك يا إبراهيم لمحزون )
ولما قبض إبراهيم ابن النبي (ص) قال لهم : ( لا تدرجوه في أكفانه حتى انظر إليه فأتاه وانكب عليه وبكى) فماذا يكون حاله (ص) لو رأى ريحانته وسبطه يذبح عطشاناً , وتستحق أضلاعه سنابك الخيل أما كان ينكب عليه ويبكي, وهل يلام من يشاركه (ص) العزاء والبكاء؟
6 - بكاؤه على فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (ع) ففي كنز العمال عن علي (ع) لما ماتت فاطمة بنت أسد كفنها رسول الله (ص) ونزل في قبرها ، فجعل يومئ في نواحي القبر كأنه يوسعه ويسوي عليها ، وخرج من قبرها وعيناه تذرفان وحثا في قبراها التراب ، فلما ذهب قال له عمر بن خطاب:
يا رسول الله رأيتك فعلت على هذه المرأة شيئاً لم تفعله على أحد . فقال: يا عمر هذه المرأة كانت أمي بعد أمي التي ولدتني . إن أبا طالب كان يضع طعامه فتكون له المأدبة, وكان يجمعنا على طعامه, فكانت هذه المرأة تفضل منه كله نصيباً فأعود فيه وان جبرائيل أخبرني عن ربي إنها من أهل الجنة ، واخبرني جبرائيل أن الله تعالى أمر سبعين آلفا من الملائكة يصلون عليها .
وهناك مواضع كثيرة بكى النبي (ص) فيها نذكر : منها بكاؤه عند قبر أمه ، وبكاؤه على مرضعته حليمة السعدية ، وبكاؤه على عثمان بن مضعون ... فهل بعد هذا يمكن لمؤمن بالله ورسوله أن يقول إن البكاء حرام .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com