موقع الصراط ... الموضوع : لِمَ نبكي الحسين (ع) ؟-2
 
السبت - 4 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  لِمَ نبكي الحسين (ع) ؟-2  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 18 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
فلسفة البكاء على الحسين (ع) :
إن التأكيد من قبل أئمة الهدى (ع) على البكاء أو التباكي على الحسين (ع) لم يكن عبثاً وبلا فائدة.
بل لا بد لهذا البكاء من فوائد ودلالات لها مردودات نفسية وتربوية واجتماعية... ولفهم حقيقة البكاء لابد وان نثبت بعض الحقائق .
1 - إن البكاء والضحك من الحالات الانفعالية التي يختص بها الإنسان دون غيره , ومن أعراضه وعلائمه الذاتية, وهي (من أشد حالات الإنسان حساسية ) كما يقول الشهيد مطهري.
2 - إن من يمتلك القدرة على إبكاء الناس أو إضحاكهم يكون قادراً على امتلاك قلوبهم وجذبهم, بل التحكم, والسيطرة على عواطفهم, وتوجيهها بالاتجاه الذي يريد
3 - إن البكاء أنواع يتنوع بتنوع دواعيه وأسبابه, وله آثار إيجابية كما له آثار سلبية, وقد يرتفع الإنسان ببكائه, وقد ينخفض به حسب دواعيه فمن يبكي على الدنيا وزخارفها يختلف عمن يبكي خشية من الله, أو أسفا على ضياع عمره, أو رحمة لمسكين, أو يتيم, أو مظلوم ... . وعلى كل حال إن البكاء ينفس عن الإنسان بعض آلامه حتى قال الشاعر :
لعل انحدار الدمع يعقب راحة من * الوجد أو يشفي البلابل

أنواع البكاء :
يتنوع البكاء بتنوع الانفعالات الإنسانية فمن الناس من يبكي فرحاً لشيء ناله أو معرفة اكتسبها كما وصف تعالى في كتبه الكريم مادحاً أهل المعرفة : ((وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)) (المائدة:83) أي ( إنهم إذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول من هذا القرآن اهتزت مشاعرهم, ولأنت قلوبهم, وفاضت أعينهم بالدمع تعبيراً عن التأثر العميق العنيف بالحق الذي سمعوه . والذي لا يجدون له في أول الأمر كفاء من التعبير إلا الدمع الغزير – وهي حالة معروفة في النفس البشرية حين يبلغ بها التأثر درجة أعلى من أن يفي بها القول, فيفيض الدمع ؛ ليؤدي ما لا يؤديه القول, وليطلق الشحنة الحبيسة من التأثر العميق العنيف .
ثم هم لا يكتفون بهذا الفيض من الدمع ؛ ولا يقفون موقفاً سلبياً من الحق الذي تأثروا به هذا التأثر عند سماع القرآن ؛ والشعور بالحق الذي يحمله والإحساس بما له من سلطان ... إنهم لا يقفون موقف المتأثر الذي تفيض عيناه بالدمع , ثم ينتهي أمره مع هذا الحق ! إنما هم يتقدمون ؛ ليتخذوا من هذا الحق موقفاً إيجابياً صريحاً ... موقف القبول لهذا الحق ، والإيمان به ، والإذعان لسلطانه ، وإعلان هذا الإيمان, وهذا الإذعان في لهجة قوية عميقة ، صريحة : ((يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ)) )
تلك حالة وحالة أخرى هي حالة الحزن لشيء فقده الإنسان, أو فارقه, أو أراده ولم تصل إليه يده كأولئك الذي عشقوا الجهاد مع رسول الله (ص) ولكن الرسول لا يملك لهم العدة والعتاد فاعتذر لهم فرجعوا آسفين محزونين رغم أن الرسول اعذرهم من الجهاد , وقال لهم: ((لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعَِ)) (التوبة: 92) وهذا الدمع لا لشيء إلا لأنهم حزنوا لعدم مشاركتهم الرسول (ص) في جهاده ((حَزَناً أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ)) (التوبة: 92) فعن ابن عباس قال : ( إن الرسول (ص) أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن معقل مقوى المازني فقالوا يا رسول الله احملنا فقال لهم: والله لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم يبكون, وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد, ولا يجدون نفقة, ولا محملاً فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم)
وقال ابن إسحاق في سياق تبوك : (ثم إن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله (ص) وهم الباكون, وهم سبعة نفر من الأنصار, وغيرهم من بني عمرو بن عوف)
وأعلى وأسمى أنواع البكاء هو البكاء من خشية الله تعالى, يقول أمير المؤمنين (ع): (ليس من رجل أعظم منزلة عند الله من رجل بكى من خشية الله).
( البكاء من خيفة الله للبعد عن الله عبادة العارفين ).
( البكاء من خشية الله ينبر القلب, ويعصم من معاودة الذنب ).
( البكاء من خشية الله مفتاح الرحمة ).
( بالبكاء من خشية الله تمحص الذنوب )
وهناك من يبكي شفقة لمظلوم وهو عاجز عن دفع الظلم عنه ...
فمن أي أنواع البكاء البكاء على الحسين (ع)؟ يختلف البكاء على الحسين باختلاف المعرفة بشخصيته, فمن الناس من يبكيه لما حل به, وبأهل بيته من ظلم ومنهم من يبكه لأجل الأجر والثواب, ومنهم من يبكيه للمواساة والمولاة ، فالبكاء هنا ( ليس أمراً شخصياً ، يتعلق بعاطفة بشرية تتفجر بالأسف على ما فات ، وإنما هو حزن على قضية دينية عامة ، تتمثل بالإمام الحسين (ع) وثورته ، فالحزن ليس موقفاً عاطفياً وإنما هو موقف مبدئي يعبر المؤمن عن التحامه به واعتناقه له بهذا التعبير العاطفي )
إذن البكاء على الحسين يختلف باختلاف المعرفة, وهو على ثلاثة أنواع :
1 - بكاء أسى وحزن ؛ لأنه قتل مظلوماً .
2 - بكاء لطلب الثواب والأجر .
3 - بكاء المواساة والموالاة والثورة .
ولا شك أن كل هذه الأنواع حسنة ، ولا عيب فيها ، ولكن لِكُلٍ مَرْتَبَةٌ درجة تختلف عن الأخرى .
فمن يبكي الحسين حزناً فقد شارك رسول الله وأهل بيته حزنهم, وهي مشاركة وجدانية تربط الإنسان بخط الرسالة .
ومن يبكي الحسين طلباً للثواب فقد طلب ما عند الله .
وأعلى المراتب في ذلك من يبكيه للمواساة . وهذا الأخير هو الذي أراده أهل البيت (ع) لأن البكاء هذا تعبير عن تفاعل فكري وروحي ووجداني يشد الباكي إلى المبادئ التي ضحى من أجلها الحسين (ع).
وبعبارة أخرى : إن البكاء على الحسين (ع) هو تفاعل بين الفكر والعاطفة فالحسين (ع) شهيد أفكار التوحيد وعقيدته, وعندما يمتزج بعواطف الإنسان تتفجر دموعاً تغسل رين النفس من أدران الذنوب, ويزيل عنها ركام الغفلة ؛ لأنه يهزها ويحركها وينفض عنها غبار كل التراكمات الناتجة من الغفلة والسهو والنسيان والعصيان .
لذلك فلعل الذي أراده رسول الله (ص) من البكاء على الحسين هي دمعة الثورة على الخنوع, والانهزام, والذنوب والآثام فهو ليس جزعاً ولا فرحاً إنما هو تفاعل وجداني وفكري يختلف باختلاف المعرفة والمشاركة .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com