موقع الصراط ... الموضوع : عوامل نجاح المبلغ والخطيب الرسالي-1
 
الأحد - 28 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  عوامل نجاح المبلغ والخطيب الرسالي-1  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 18 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً))
تعريف الخطابة: (قوة تهدف الإقناع الممكن في كل واحد من الأمور المفردة)

وعرفها الفارابي:
(إنَّ الخطابةَ صناعةٌ قياسيةٌ غرضها الإقناع في جميع الأجناس)، ومعنى ذلك أنَّ الخطيبَ يحمل فكرةً أو رأياً يريد إيصاله إلى أذهان السامعين؛ ليقنعهم بما يريد أن يتحدث به.
وبعبارة أخرى: إنَّ الخطابة فن أدبي يعتمد على القول الشفهي في الاتصال بالناس؛ لإبلاغهم رأياً من الآراء حول مشكلة ذات طابع جماعي، وبمعنى أشمل: هي فن المخاطبة بطريقة إلقائية تشمل الإقناع والاستمالة، وبالتالي: الخطابة علم، وفن...
أما كونها علماً فلما تشمل من أفكار ومفاهيم ومعلومات، ومن هنا لابد للخطيب الإسلامي الرسالي أن يكون واسع الاطلاع في العقيدة أو المبدأ الذي يدعو له، ويريد أن يوضحه لمستمعيه، ويرسخه في نفوسهم، ولا بد وأن يمتلك البراهين العقلية والمنطقية؛ لإثبات صحتها كما يجب أن يحيط معرفةً بالعقائد والأفكار الأخرى المناقضة لها؛ ليثبت صحة معتقده وبطلان نقيضه...
ثم لا بد أن يلم ولو إجمالاً بتأريخ الرسول (ص) وأهل بيته (ع) ، وبتاريخ الرسالة وما واجهته من عقبات ومشاكل، وما طرح في وجهها من شبهات وافتراءات... كما لا بد أن يتمتع بعمق فقهي في الإطلاع على الأحكام الفقهية، والعلوم الإنسانية كعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الأخلاق، ولو بمقدار ما يحتاجه في طرحه، وخلاصة الكلام يجب على المبلغ الرسالي:
1- التعمق في فهم الإسلام، بل وعيه في جوانب الرسالة، والشريعة، والتربية الشخصية، والتاريخ، والسيرة.
2- دراسة التيارات الفكرية والمذاهب الاجتماعية المعاكسة للفكر الإسلامي الأصيل سواء كانت تلك التيارات دينية منحرفة أو علمانية، سياسية أو اجتماعية.
3- استيعاب قضايا الأمة الفكرية والعملية في مجالات الحياة الرئيسية, وما تحتاج إليه في نجاح مسيرتها.
4- لا بد أن يتمتع الخطيب بالأصالة الفكرية، والاستقلال المنهجي، وأن يتجنب التقليد - لأي أحد مهما بلغ - بأخذ المواضيع الجاهزة، ومحاولة نقلها كما تحدث بها أصحابها، ولا أعني أن لا يستفيد من الخطباء الماهرين ذوي الشهرة الواسعة والمنهج القويم، فلا مانع من ذلك، وإنما المانع أن يكون ببغاء تردد ما يقوله الآخرون.
5- يجب على الخطيب أن يكون خبيراً بأنماط الناس الذين يرتادون مجلسه, ويستمعون له من حيث مستواهم الثقافي، وحاجاتهم الفكرية، ومشاكلهم الاجتماعية، وتوجهاتهم المذهبية، وعاداتهم، وأعرافهم، وتقاليدهم... إذا عرف ذلك استطاع أن يطرح موضوعه بما يناسبهم، ويحاول أن يفيد الجميع، وإن اختلفت مستوياتهم، وتباينت ثقافتهم، يقول سيد البلغاء الإمام أمير المؤمنين (ع): (أَحْسَنُ الْكَلامِ مَا زَانَهُ حُسْنُ النِّظَامِ، وَفَهِمَهُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ)
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هو المستوى العلمي والثقافي الذي ينبغي أن يصل إليه المبلغ والخطيب؛ ليكون مؤهلاً لطرح الإسلام بصورته السليمة؟ ولا أقصد بالمستوى العلمي ما تعارف في الأوساط الأكاديمية اليوم في أوساطنا بالشهادة العلمية التي تمنح لطالب العلم، وإنما أقصد مدى استيعابه للأفكار, والآراء, والنظريات العلمية، ومدى تفاعله معها, وتذوقه لها فليس المستوى العلمي هو دراسة العلوم والامتحان بها, والنجاح بتفوق فيه، ونيل الشهادة العلمية، فهذا غالباً ما تزول المعلومة في نهاية الامتحان. إن الأمر المهم في سلوك المبلغ الرسالي استيعاب الجوانب العلمية والعملية، والتفاعل معها, ومحاولة تمثيلها سلوكياً، وعدم التوقف عندها، والسعي المتواصل؛ لتحصيل المزيد منها ((وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)) ((وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)) فطالب العلم كلما اطلع على حقيقة علمية كلما ازداد تعطشاً لما وراءها فهو منهوم في طلب العلم كما يؤكد ذلك أمير المؤمنين (ع): (منهومان لا يشبعان طالب علمٍ، وطالب دنيا) فطالب العلم الحقيقي يبقى يلازم العلماء الصالحين؛ ليتزود منهم، ويتابع ما يطرح في الساحة من أفكار وآراء, ويقرأ كل ذلك قراءة نقدية واعية، ويحاكم الأفكار والآراء والمفاهيم، ويقارن بينها، ويتلقى الفكرة السليمة، ويفند ما يطرح من أفكار تناقض الإسلام، وتلك هي القراءة النقدية الناضجة, وهي من العوامل الأساسية في نجاح طالب العلم, وتفوقه وتقدمه، فإنْ شعر أنَّه وصل إلى المستويات الرفيعة فاعلم أنه بدأ يعود القهقرى إلى الوراء.
أما كون الخطابة فناً: يعني أن يعرف الخطيبُ أساليبَ الخطابةِ, وخصائصَها، وفنونَها كحسنِ الصوتِ، وطريقةِ الإقناعِ، والتعبيرِ بالحواسِ والكلماتِ، ومخاطبةِ العقلِ والقلبِ، وترابط الأفكار، ووحدة الموضوع، واستخدام الجمل القصيرة المفهومة، واقتباس الشواهد المؤثرة كالآيات والأحاديث، والأشعار والقصص، والأمثال، والإثارات الفنية التي تجلب انتباه المستمع وتشده إلى المتحدث أو الخطيب... وبعبارة أخرى إننا نقصد بكون الخطابة فناً هو طريقة الطرح الفني الجيد للأفكار, والرؤى بطريقةٍ جذابةٍ تستهوي النفوسَ، وتتفاعل معها، وتؤثر فيها تأثيراً إيجابياً.
والفرق بين العلم والفن: العلم عبارة عن معرفة الحقائق المجهولة للأشياء ووعي عميق لموضوعات وقضايا ذلك العلم في المجالات المعنوية والمادية.
والفن عبارة عن تجسيد الحقائق, وتوصيلها إلى السامع بطريقة جذابة مؤثرة, ولأجل الإقناع الناجح لا بد من توفر ثلاثة أمور:
1- شخصية المتكلم، فكلما كان المتكلم معروفاً بالإخلاص, والوعي, وسعة المعرفة، وحسن الأخلاق كان تأثيره في النفوس أكثر.
2- موضوع البحث الذي يطرح على السامعين، فكلما كان للبحث مساس بواقعهم، ويعالج مشاكلهم كان له تأثير أكبر.
3- مهارة الإلقاء فكلما كان الإلقاء دقيقاً مناسباً بعيداً عن التكلف والتصنع كان تأثيره في نفوس السامعين أكثر.
وخلاصة الكلام: إنَّ الخطابةَ إحدى فنون الإعلام, بل أساسه, ومنطلقه, وللإعلام فنون وأساليب كثيرة، حتى أصبح اليوم له مدارس، ونظريات، وأفكار تتحكم بالنفوس, وتتلاعب بالعقول حتى أطلق عليه السلطة الرابعة.
وأهمية هذا الجانب كبيرة جداً فقد رأينا علماء ذوي علم غزير, ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً في التأثير على الناس بسبب افتقارهم إلى الفن الخطابي, والبيان البليغ.
وبعبارة أخرى: الفن الخطابي هو مراعاة جوانب التناسق بين كيفية الصوت، والشكل الظاهري، وحالة العين، وحركة اليد، وقسمات الوجه، وكمية الكلام، والمكان المناسب، والوقت الملائم وقد أوجز بعض الشعراء هذه الضرورات بخمس قائلاً:
أوصيك في نظم الكلام بخمسة * إن كنت للموصي الشفيع مطيعا
لا تغفلن سبب الكلام ووقته * والكيف والكم والمكان جميعا
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com