موقع الصراط ... الموضوع : عوامل نجاح المبلغ والخطيب الرسالي-2
 
السبت - 10 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  عوامل نجاح المبلغ والخطيب الرسالي-2  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 18 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
بقي أن نشير إلى ملاحظات هامة لها دور أساسي في نجاح الخطيب وهي:
1- أن يعرف الخطيبُ بدقة ماذا يريد أن يقول، وأي موضوع يريد طرحه على المستمعين، وبعبارة أخرى: أن يكون مستوعباً لموضوعه عارفاً فيه بدقة... ومن هنا يجب أن يفكر جيداً فيه، وينظم فقراته، ويعلم بدقة من أين يبدأ، وكيف يبدأ، ومتى ينتهي، وأين يرفع صوته، وأين يخفضه، وما هي الفكرة التي يريد أن يؤكد عليها، ليغرسها في ذهن السامعين... فإذا لم تتوفر في حديثه هذه الشروط فسيكون كالأعمى يقود أعمى، يقول أمير البلاغة والبيان الإمام علي (ع):
(إياك والكلام فيما لا تعرف طريقته، ولا تعلم حقيقته، فإنَّ قَوْلَكَ يدل على عقلك، وعبارتك تنبئ عن معرفتك، فَتَوَقَّ عن طول لسانك ما أمنته، واختصر من كلامك ما استحسنته، فإنه بك أجمل، وعلى فضلك أدل).
وعنه (ع): (دَعِ الْقَوْلَ فيما لا تَعْرِفُ).
وعنه (ع): (لا تقل ما لا تعلم فتتهم بإخبارك بما تعلم)
وتأسيساً على ذلك لا ينبغي للعاقل أن يتكلم بموضوع قبل أن يعرف ما هو بالضبط فإذا عرفه ووعاه جيداً يستطيع أن يطرحه بقوة وجدارة وثقة, وبذلك يكون تأثيره في النفوس أبلغ وأعمق, وقدرته على الإقناع أكثر.
2- الطرح الرسالي: بمعنى أن يكون الخطيب صاحب رسالة مقدسة يريد أن يرسخها في نفوس سامعيه, وهذا يتطلب من الخطيب أن يتسم بالصدق الرسالي أي أن يكون متقرباً بما يقوله إلى الله تعالى لا يرجو من الناس جزاءً ولا شكوراً، فلا يطلب إلا رضوان الله تعالى متجرداً عن المنافع المادية، وحب المدح، والشهرة الواسعة، وهذا هو ديدن الأنبياء والمرسلين وأولياء الله من حملة الرسالة، فلن نجد رسولاً ولا نبياً ولا وصياً من أوصيائهم بلغ رسالة الله ورجا من وراء تبليغه أجراً، والقرآن صريح في ذلك على لسان رسل الله وأنبيائه جميعاً ((وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ))
وفي آية أخرى: ((قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً))
وفي آية ثالثة: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ))
إنَّ الخطيبَ الذي يضعُ قلبَه في لسانِه، ويتكلم من أعماقه بصدق، وحرارة إيمانية وهدفية واعية، متجنباً التكلف في الكلام, والتصنع في اللفظ, ويتحدث على سجيته كأنه يتحاور مع صديق عزيز يريد أن ينفعه, ويغير نفسه, ويزكي قلبه لا بد أن تنفتح له العقول، وتتفاعل معه القلوب، وتتجاوب معه النفوس.
3- الجلسة الطبيعية على المنبر أو المنصة مع دقة الملاحظة للجالسين؛ ولذا يقول خبراء الإعلام والخطابة: اِنْصِبْ قامتَك، تَفَرَّسْ في أعين سامعيك مباشرة، تَكَلَّمْ بثقة عالية، وتَصَوَّرْ بيقين أنهم اجتمعوا؛ ليحصلوا منك على شيء يعالج مشاكلهم النفسية والاجتماعية، وإياك أن تحصر نظرك على شخص معين أو مجموعة دون أخرى بل أشْمِلْ الجميعَ، ووَزِّعْ نظراتك وإشاراتك على الجميع، وتأسَ بذلك بسيد الرسل (ص) حيث كان (ص) (يقسم لحظاته بين أصحابه فينظر إلى ذا، وينظر إلى ذا بالسوية) حتى يظن كل منهم أنه هو المقصود.
4- اختيار الموضوع: لابد للمحاضر أو الخطيب أن يعرف ما يكتنف المجتمع من مشاكل وحاجات، وأن يعرف ما يحتاجه المجتمع من أفكار ومفاهيم وأحكام، كما لا بد أن يحيط بعادات وأعراف وتقاليد المجتمع؛ ليعرف كيف يركز الصالح منها، وكيف يغير الطالح منها، فلا قيمة لخطاب أو حديث لا يعيش مشاكل الجماهير وقضاياها، ولا أثر لخطاب لا يلامس شغاف القلوب ويغور في أعماق الناس الوجدانية والفكرية والاجتماعية ((وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً))
ومن هنا يجب على المبلغ الرسالي أن يطرح في محاضراته ما يعالج مشاكل الناس ويعطي الحلول الناجحة. ولهذا يجب على الخطيب أن يفكر طويلاً في اختيار الموضوع الذي يلامس قضايا المجتمع، ويغور في أعماق القلوب؛ ليغير العقول، وينقل المجتمع من الواقع الفاسد إلى الواقع السليم.
وبعبارة أخرى: يجب اختيار مادة البحث بما يتلاءم وشأن المجلس, ومستوى الحاضرين، فإن لم يراعِ الخطيب هذه النقطة فإما يظلم مادة البحث أو المستمعين، عن الإمام الصادق (ع) قال: (إنَّ عيسى بن مريم قام في بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل، لا تحدثوا بالحكمة الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم)
كما يجب أن يزن قبل أن يبدأ بحديثه المستوى العقلي للمستمعين, وقوة الإدراك والمرتبة الثقافية, والاستعداد الفكري, وقدرة التعلم, وأسلوب التفكير, ودرجة الصلاحية والكفاءة، فلا يجعل مستواه العلمي هو المعيار بل المعيار مستوى المستمعين .
كما إنَّ من الحكمة والمصلحة أن يقلِّب الخطيب أو المحاضر موضوعه، ويأخذ بعين الاعتبار ردود الفعل التي سيثيرها من جوانب مختلفة, ثم يلقيها على مسامع الحاضرين بعد دراسة كافية وإحاطة تامة بآثارها الفكرية والاجتماعية، يقول الإمام السجاد (ع): (وإياك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب إنكارُه، وإن كان عندك اعتذارُه، فليس كل من تسمعه نكراً يمكنك لأن توسعه عذراً)
5- من الأسس المهمة للتأثير في السامع احترام شخصيته من قبل الخطيب قولاً وفعلاً وعدم إشعاره بشيء من الاستهانة , أو التهاون بشأنه، ومن وسائل الاحترام إشعاره بأهمية الموضوع الذي يطرحه، وأن يجعل السامع يشعر بأن الخطيب قد أتعب نفسه في تحضير الموضوع وإعداده. كما لابد من الليونة في الكلام, وتجنب النقد الجارح للواقع بدون طرح البديل المناسب. ومن الحكمة تجنب المصطلحات العلمية البعيدة عن ذهنية الجمهور، وتجنب ذكر الأرقام الخيالية التي لا تقبلها العقول السليمة... كما ينبغي أن لا يخاطب شخصاً بذاته، ويذكر اسماً معيناً يريد له التصحيح, أو النقد فيجرح شخصاً بعينه، وإنما ينبغي أن ينتقد الظواهر الاجتماعية بدون تعيين مصاديقها.
6- يجب مراعاة الاعتدال في سرعة الكلام، فلا يسرع في الإلقاء ولا يدع فرصة المتابعة، ولا يبطئ كي لا يتعب السامع، ويرهقه، ويسلبه الرغبة في المواصلة.
7- أن يتمتع الخطيب بمزاج معتدل من الناحية الجسمية والنفسية فلا يعاني إحساسات الألم والجوع والسهر، كذلك يجب أن لا تنتابه حالة الغضب أو الرهبة أو إحساس بمصيبة حلت به.
8- يجب أن يتجنب الخطيب إثارة الأمور الخلافية على المنبر سواء كانت سياسية أو اجتماعية, أو فكرية, أو فقهية؛ لأن ذلك يشتت كلمة الجمهور؛ ولأن المنبر الحسيني بالخصوص هو وسيلة لهداية الناس, وتذكيرهم بالله, وجمع كلمتهم, وتوحيد صفوفهم، وتوعيتهم بالإسلام, وتحريكهم للدعوة إليه, والالتزام بمبادئه وأحكامه...
9- مراعاة كيفية المقدمة: قد تكون المقدمة واجبة, لتوضيح المبحث الذي يريد أن يطرحه, وقد تكون لا ضرورة لها, ولكنها لا تخلو من فائدة, وقد تكون حشواً منافياً للبلاغة وقد يجب تجاوزها, ولذلك يقتضي مراعاة الحال, وهذا ما يقدره الخطيب نفسه, ولا بد أن نعلم أن المقدمة بمثابة جسر يربط أفكار المستمعين بقبول الموضوع, ويقربهم إليه؛ ولهذا يجب أن تتلاءم المقدمة مع صلب الموضوع, ومن ناحية أخرى ينبغي للخطيب أن لا يطيل المقدمة, ويشغل الجانب الأكبر من الوقت المحدد فيها مما يوحي إلى المستمع أن الخطيب قد أهمل البحث.
10- يلزم الخطباء والمتحدثين أن يأخذوا بعين الاعتبار مراعاة عنصر الزمن في خطبهم لئلا يخرجوا عن حد البلاغة, ولا يواجهوا احتجاج هذا وذاك، وقد قسم بعض العلماء الزمنَ إلى ثلاثة أقسام:
أ- الزمان الطبيعي: وهي المدة التي تقع فيها الأحداث والكوارث الطبيعية سواء كانت قصيرة أو طويلة يقول الإمام الصادق (ع): (ثلاثة أشياء لا ينبغي للعاقل أن ينساهن على كل حال: فناء الدنيا، وتصرف الأحوال، والآفات التي لا أمان لها)
وعن الإمام علي (ع): (من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد).
وعنه (ع): (أعرف الناس بالزمان من لم يتعجب من أحداثه).
وقال (ع): (ينبغي لمن عرف الزمان أن لا يأمن الصروف والغير)
وقال (ع): (لا يأمن أحد صروف الزمان ولا يسلم من نوائب الأيام)
ب- الزمان التاريخي : هو معرفة الفاصل بين زمنين أو حادثتين, وتحدد بمقياس اليوم والشهر والسنة.
ج-الزمان الاجتماعي: وله معنى واسع وعريض يمكنه أن يشمل جميع الشؤون الثقافية والعلمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والتربوية وغيرها.
وخلاصة الكلام: يجب على الخطيب أن يراعي عنصر الزمن من حيث كمية الكلام ونوعيته, ومناسبته للفترة التي يعيش فيها بما لا يرجع السامع إلى أحداث لا تنفع, وإلى تواريخ لا جدوى منها.
11- وأهم عنصر في نجاح الخطيب أن يكون مراقباً نفسه، جاداً في تهذيب أخلاقه، متزوداً التقوى ليوم جزائه، طالباً رضا ربه، متجرداً عما سواه, وبذلك يكون مصداقاً لما يتحدث به، ولما يدعو له فلا يخالف فعلُه قولَه, ولا يناقضُ بدعوتِه سلوكَه, بل يقول ما يفعل، ومن هنا لا بد (أن يؤدب نفسَه قبل أن يؤدب لسانَه، ويهذب أخلاقَه قبل أن يهذب ألفاظَه، ويصون مروءَته عن دناءةِ الغيبة، وصناعتَه عن شين الكذب، ويجانب - قبل مجانبته اللحن وخطل القول - شنيع الكلام ورفث المزح)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com