موقع الصراط ... الموضوع : التقوى في القرآن-1
 
الأحد - 14 / ذي القعدة / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التقوى في القرآن-1  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 18 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
حقيقة التقوى :
سئل الإمام الصادق (ع) عن تفسير التقوى، فقال: (أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك)
من هذا الحديث نفهم أن التقوى امتناع شديد عن نواهي الله، واندفاع بوعي إلى حيث أمر الله، والتزام جدي بالواجبات الشرعية بنحو يكون باعث الالتزام هو الامتثال لأمر الله، والسعي لنيل رضاه، والشعور والإحساس بهيمنته ورقابته تعالى.
إن الإنسان في كدحه إلى الله يحتاج إلى قوتين: قوة تدفعه لمواصلة السير إلى نهاية الشوط وهي الإيمان، وقوة تحميه من السقوط والانحراف عن جادة الصواب وهي التقوى .
فلا يكفي الإنسان أن يكون قوياً قادراً على السير مادام في الطريق عقبات كبيرة، وأشواك مدمية؛ لذلك لابد له من وجود تينك القوتين، بحيث لا تنفك إحداهما عن الأخرى في بناء شخصيته، ومواصلة كدحه …. الأولى تُقَويه وتدفعه ، والثانية تحميه وتمنعه من السقوط، وما دامت العقبات الكبرى داخلية في ذات الإنسان، وهي التي عبر عنها القرآن بالفجور تارة، وبالهوى تارة ثانية وبالشهوات ثالثة ... إذن لابد أن تكون الحماية، والوقاية داخلية أيضاً؛ لتحميه من نوازع الهوى، وطغيان الشهوات … وتحصيل هذه الملكة يتوقف على:
1 - المعرفة بالله تعالى: وهو ما يعبر عنه بـ(علم المعرفة) وهو (العلم بالله وصفاته واسمائه وما عداهما من العلوم إما آلات لهذه العلوم و إما أن يراد بها عمل من الأعمال في الجملة، كما لا يخفى على من تتبعها)
2 - معرفة تفصيلية أو مجملة على الأقل على ملاك المصالح والمفاسد والعوامل المؤثرة الدافعة إليها … وهذا ما يعبر عنه بـ(علم المعاملة) وهو (معرفة الحلال والحرام ونظائرهما من الأحكام، ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة , وكيفية علاجها والفرار منها)
3 - من أجل ضبط النفس وإحكام أزمتها لابد من العمل التدريجي لتقوية الإرادة، وامتلاك عزيمةٍ قوية هادفة، فإن التدرج والمداراة للنفس ضرورة تربوية لأن النفس تمل كما تمل الأبدان فلا ينبغي تَحميلها فوق طاقاتها دفعة واحدة وقد أكدت هذه الحقيقة أحاديث أهل البيت (ع) ، فعن أبي عبد الله (ع) قال: (قال رسول الله (ص): يا علي إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تُبَغِّض إلى نفسك عبادة ربك فإن المنبت - المفرط - لا ظهراً أبقى، ولا أرضاً قطع، فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرماً، وإحذر حذر من يتخوف أن يموت غداً)
وعن أبي جعفر (ع) قال: (قال رسول الله (ص): إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تُكَرِهوا عبادة الله إلى عباد الله، فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى …)
إذن التقوى حالة نفسية تترسخ وتنمو بالتغذية الفكرية والروحية بشكل متدرج فهي على حد تعبير العلامة الطباطبائي: (ليس مقاماً خاصاً دينياً بل هو حالة روحية تجامع جميع المقامات المعنوية، أي لكل مقام معنوي تقوى خاصاً يختص به) وعلى حد تعبير الشهيد مطهري: (قوة روحية تتولد من التمرين العملي الذي يحصل من الحذر المعقول من الذنوب)

التقوى مقاومة إيجابية :
ولابد أن نشير إلى أن هناك من أساء فهم التقوى وفهمها فهماً سلبياً فراح يعتزل الميدان الاجتماعي؛ لأجل تحقيق التقوى في نفسه بالعزلة، وتوهم أن الانهزام عن المجتمع يكسبه ملكة التقوى … والحقيقة أن هذا فهم منحرف عن خط الرسالة الإلهية، وسيرة الرسول (ص) وخلفائه الأطهار خير دليل على خطأ هذا التصور، فلم يحدثنا التاريخ أنهم اعتزلوا المجتمع يوماً ما - إلا في حالات خاصة نادرة لغرض العبادة فقط - وإنما كانوا في الوقت الذي يمارسون التوعية الاجتماعية يمارسون عملية الإعداد والبناء الروحي الذاتي هذا من جانب ومن جانب آخر نقول: إذا اعتزل الإنسان المجتمع، وانزوى في كهف من الكهوف فأي شيء يتقي؟ فهو لوحده يعيش مع نفسه، أو لنفسه فقط ، والذي ينبغي أن يتقِِ هو الذي يمر في وسط الأخطار، ويريد أن يحمي نفسه منها فهو كالطبيب الذي يحتمي من الجراثيم في الوقت الذي يمارس إعطاء العلاج، ومن هنا صح القول أن التقوى - كما قال أحد المفكرين - (مقاومة إيجابية إزاء المخالفات الشرعية).
وموجز القول: أن التقوى ملكة نفسية ،وروحية ،وفكرية عالية تمنح الإنسان قوة مقاومة لنوازعه الذاتية، وتدفعه لمقاومة الانحرافات الاجتماعية عن خط الرسالة، وتحميه عن السقوط في طريق الكدح إلى الله .
فالمتقي إذن هو المؤمن المتحرز عن الذنوب، المتحكم في نوازعه الذاتية والمقاوم للتيارات الاجتماعية المنحرفة، والعامل لتغير الواقع الفاسد إلى واقع سليم، والمرتبط بالله في كل حركة وسكون، فهو شخصية لها ملامح خاصة في أفكارها، وعواطفها، وسلوكها فتراه قوي الإحساس بالهيمنة الإلهية، شاعراً بالمسؤولية أمام الله تعالى، متحرزاً من أسر عبودية الهوى، ومتذمراً من الذنوب والأرجاس المادية والمعنوية، ومترفعاً عن ذمائم الأخلاق كالحقد والحسد والجشع متميزاً ببصيرة نيرة ورؤية واضحة لأهداف رسالة الله تعالى في الحياة وثابتاً في مواجهة المشاكل والأزمات العنيفة محافظا على التزاماته الشرعية .

التقوى دعوة جميع الأنبياء والمرسلين :
لا نبالغ إذا قلنا إن جميع رسالات السماء على طول خط التاريخ تهدف تحقيق التقوى في نفوس الناس على المستويين الفردي والاجتماعي , فهي وصية الله لعباده منذ خلقهم، مرتبطة بالتوحيد العملي ارتباطاً لا يقبل الانفصال والتجزئة فما خلق الله الناس إلا ليوحدوه ويتقوه، يقول تعالى: ((وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّه)) (النساء:131)
وهذا تأكيد لنا، ولمن كان قبلنا، ولمن يأتي بعدنا بوجوب العمل والجد فيه لتحصيل التقوى ، وواضح أن (المراد في الآية أن الأمر بالتقوى شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ ولا تبديل، بل هو وصية الله في الأولين والآخرين)
وإذا ما استقرأنا الآيات الكريمة بدقة نجد أن الأنبياء جميعاً دعوا أقوامهم إلى تقوى الله ونكتفي بذكر بعضها:
فهذا نوح (ع) يقول لقومه: ((إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إَِّلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُون))
وهذا أبو الأنبياء إبراهيم (ع) يدعو قومه إلى تقوى الله، يقول تعالى :
((وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) (العنكبوت:16).
وكذلك موسى (ع) قال لقومه: ((اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ اْلأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين)) (الأعراف: 128) .
ونجد في سورة الشعراء أن كلاً من أنبياء الله تعالى: هود، وصالح، ولوط وشعيب (ع) يدعون قومهم إلى تقوى الله وبلفظ واحد ((فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُون)) (الشعراء:110) .
وهكذا نجد أن الأمر بالتقوى خط عام في رسالات الله تعالى على لسان أنبيائه ودعاته في الأرض؛ لأن التقوى هي السبيل الوحيد لنجاة البشرية من الفساد والدمار في الدنيا، ومن الشقاء الدائم في الآخرة .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com