موقع الصراط ... الموضوع : التقوى في القرآن-2
 
الجمعة - 11 / محرم / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التقوى في القرآن-2  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 18 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  شمولية التقوى واقترانها بجميع المقامات:
نظرة تأمل سريعة في آيات الكتاب الكريم نجدها حين تذكر العقائد، أو العبادات أو الأحكام أو الأخلاق، أو القصص , والمواعظ تقرنها جميعاً بالأمر بالتقوى كنتيجة لها، أو عامل تحصيل للتقوى من خلالها تصريحاً أو تلميحاً وهذا تأكيد أن العقيدة، والعبادة، والأخلاق، وامتثال الأحكام وتطبيقها على المجتمع إذا تجردت جميعاً من التقوى فليس لها نفع ولا جدوى، وفي كثير من الأحيان يأتي الأمر بالعبادة رجاء لتحقيق التقوى، والتقوى سبباً؛ لتحصيل السعادة في الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (البقرة:21) (وهذا السياق يعطي كون قوله تعالى ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) متعلقاً بقوله تعالى ((اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)) دون قوله ((خَلَقَكُمْ)) وإن كان المعنى صحيحاً على كلا التقديرين)
إن كلمة لعل للترجي والإشفاق، والترجي والإشفاق لا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة … ومن هنا نعلم أن كلمة لعل راجعة إلى العباد لا إلى الله تعالى ((لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى)) وقيل لعل بمعنى ((كَيْ)) أي كي تتقون فالمراد من لفظ (( لَعَلَّ)) ما لو فعله غيره لكان موجباً للرجاء … فأصل لعل ((عَلّ)) لأنهم يقولون: علك أن تفعل كذا أي: لعلك، فإن كانت حقيقة التكرير والتأكيد كان قول القائل: (افعل كذا لعلك تظفر بحاجتك معنا) ومن هنا يعلم أن العبادة فعل يحصل به التقوى؛ لأن الاتقاء هو الاحتراز عن المضار، والعبادة فعل المأمور به ونفس هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز عن المضار، بل يوجب الاحتراز، فكأنه تعالى قال: اعبدوا ربكم؛ لتحترزوا عن عقابه، وإذا قيل في نفس الفعل أنه اتقاء فذلك مجاز؛ لأن الاتقاء غير ما يحصل به الاتقاء، لكن لاتصال أحد الأمرين بالآخر أجرى اسمه عليه)
ولما كانت العبادة عن إيمان بالواحد الأحد المطلق الذي يلزم على العباد اتقائه، والخوف منه وجدنا أن كلمة الإيمان في القرآن الكريم اقترنت في مواضع كثيرة منه وذلك؛ لأن الإيمان إذا تجرد من التقوى لم يعد شيئاً ذا قيمة ولا يكون له أي أثر في حياة الإنسان، فالأجر العظيم والفلاح والسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة لا يحصل من الإيمان فقط، وإنما من الإيمان والتقوى معاً يقول تعالى:
((وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُم)) (محمد: 36)
((أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون)) (يونس:62 -63)
((وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون)) (فصلت:18)
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إَِّلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون)) (آل عمران :102)
((قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُم)) (الزمر :10)
ففي جميع هذه الآيات نرى أن التقوى مقترنة بالإيمان بأوامـر قطعية، ولا تنفك عنه بحال .
وكما اقترنت التقوى بالإيمان اقترنت كذلك بالفرائض التي هي مظهر من مظاهر الإيمان ، أريد تحقيق التقوى من خلالها ففي باب الصوم مثلاً يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)) (البقرة:183)
هذا لـ (كون التقوى مرجو الحصول بالصيام مما لا ريب فيه فإن كل إنسان يشعر بفطرته أن من أراد الاتصال بعالم الطهارة والرفعة، والارتقاء إلى مدرجة الكمال والروحانية ،فأول ما يلزمه أن يتنزه عن الاسترسال في استيفاء لذائذ الجسم ، وينقبض عن الجماح في شهوات البدن , ويتقدس عن الإخلاد إلى الأرض ، وبالجملة أن يتقي ما يبعده الاشتغال به عن الرب تبارك وتعالى فهذه تقوى إنما تحصل بالصوم والكف عن الشهوات)
(وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم ... إنها التقوى ... فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب، وهي التي تؤدي هذه الفريضة، طاعة لله، وإيثاراً لرضاه والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس في البال، والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله، ووزنها في ميزانه. فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم. وهذا الصوم أداة من أدواتها، وطريق موصل إليها. ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفاً وضياءاً يتجهون إليه عن طريق الصيام … ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)) …)
وخلاصة القول: (إن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى، فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش ، ويهون لذات الدنيا ورياستها، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج … فيكون معنى الآية فرضت عليكم الصيام؛ لتكونوا به من المتقين الذين أثنيت عليهم في كتابي وأعلمت أن هذا الكتاب هدى لهم، ولما اختص الصوم بهذه الخاصة حسن منه تعالى أن يقول عند إيجابها " لعلكم تتقون " منها بذلك على وجه وجوبه؛ لأن ما يمنع النفس عن المعاصي لابد وأن يكون واجباً … ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رجاؤكم في التقوى وهذا معنى ((لَعَّلَ)) …)
والنتيجة المحصلة - والله أعلم - إن الله عز وجل إنما فرض الصوم ليكون عاملاً مهماً في تحقيق التقوى في نفس الإنسان المؤمن .
والصلاة التي هي عماد الدين , وأول أعمال ابن آدم التي تعرض على الله وهي معراج المؤمن، ولا يُقْبَلُ عمل بدونها قرنت بالتقوى أيضاً، يقول تعالى: ((وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُون)) (الأنعام:72)؛ لأن الصلاة إذا تجردت من التقوى لا تزيد فاعلها إلا بعداً من الله؛ ولذا ورد في الخبر: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً)
ونهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر تعبير مجازي , وإنما الذي ينهى هو ما تتركه الصلاة من أثر في نفس الإنسان، وهذا الأثر هو التقوى، وما أجمل قول الفخر الرازي في هذا الباب، يقول: (فالصلاة رئيسة الطاعات الجسمانية والتقوى التي هي رئيسة لباب التروك والاحتراز عن كل ما لا ينبغي) ويتضح هذا الأمر أكثر إذا تدبرنا قوله تعالى ((قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِ العَالَمِينَ  وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُون)) (الأنعام:72)
فهنا تسليم كلي لله الواحد الأحد. فكأنه تعالى قال: (أسلموا لرب العالمين وأقيموا الصلاة؛ لتحصلوا على التقوى فتكون المعادلة: تسليم + إقامة الصلاة = التقوى)
والقصاص إنما شُرِّع لأجل إيجاد التقوى الاجتماعية، يقول تعالى: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)) (البقرة:179) فالتقوى هنا تشمل عموم تقوى الفعل، وتقوى النار، بل تقوى الله عز وجل .
والوفاء بالعهد اقترن بالتقوى كذلك في كل مجالاته سواء كان الوفاء بالعهد لله الذي هو الواجب الرئيسي للإنسان، أو الوفاء للإنسان مؤمناً كان أو كافراً وغير ذلك يقول تعالى:
((بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين)) (آل عمران:76)
((إَِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُضُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين)) (التوبة:4)
(إنه يعلق الوفاء بالعهد بتقوى الله وحبه سبحانه للمتقين. فيجعل هذا الوفاء عبادة له، وتقوى يحبها من أهلها … وهذه هي قاعدة الأخلاق في الإسلام … إنها ليست قاعدة المنفعة والمصلحة، وليست قاعدة الاصطلاح والعرف المتغيرين أبداً … إنها قاعدة العبادة لله وتقواه. فالمسلم يتخلق بما يحبه الله منه ويرضاه له, وهو يخشى الله في هذا ، ويتطلب رضاه، ومن هنا سلطان الأخلاق في الإسلام كما أنه من هنا مبعثها الوجداني الأصيل)
والاستقامة على دين الله مشروطة بالتقوى، حيث أن الافتقار إليها هو افتقاد للاستقامة لا سيما في حالة مواجهة تيارات الشرك والانحراف، يقول تعالى: ((فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين)) (التوبة: 7)
فالاستقامة والثبات على الصراط المستقيم، واتباع أوامر الله بسلوك سبيله والمعاناة من أجله يورث التقوى، فالتقوى إذن هي المحصلة النهاية من اتباع خط الرسالة يقول تعالى: ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)) (الأنعام:153)
وفي عملية الإصلاح على المستوى الفردي والاجتماعي لابد من تقوى عالية ؛ لئلا يميل المصلح إلى هذا أو ذاك. يقول تعالى:
((فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) (الأنفال:1) .
((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) (الحجرات:10).
ففي هذه الآيات الكريمة وغيرها تأكيد واضح على وجوب ملازمة عملية الإصلاح للتقوى، وبهذا تتضح أهمية التقوى في هذا المجال .
والإحسان الذي يعتبر سمة من السمات البارزة في رسالة الله تعالى، وهو السلاح السلمي لدرء السيئات والدفع لها، وعامل تحصيل محبة الله والناس، وقد أمر الله تعالى به ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاْلإحْسَانِ)) (النحل:90) فاشترط الله فيه التقوى لئلا يكون الإحسان متكلّفاً ومَصْلَحياً وبارداً يفتقر إلى عنصر الحب والإخلاص ولئلا يصاب المحسن بالإعجاب بنفسه والمنة على من أحسن إليه من أجل ذلك أكد القرآن الكريم على ملازمة التقوى في كل فعل حسن جميل، يقول تعالى:
((وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)) (النساء: 128)
((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيم)) (آل عمران: 172)
((لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) (المائدة:93)
ففي هذه الآية تصوير دقيق لأهمية التقوى التي (تجامع جميع المقامات المعنوية) من خلال الترتيب في سياق الآية (تقوى، إيمان، عمل صالح) ثم (إيمان تقوى إحسان) فكأنه تعالى يريد أن يقول: الإيمان بلا تقوى هراء، وعمل بلا تقوى يصاب صاحبه بالرياء , وإحسان بلا تقوى هباء، يقول العلامة الطباطبائي: (وأما تكرار التقوى ثلاث مرات، وتقييد المراتب الثلاث جميعاً به فهو لتأكيد الإشارة إلى وجوب مقارنة المراتب جميعاً للتقوى الواقعي من غير غرض آخر غير ديني، وقد مر في بعض المباحث: أن التقوى ليس مقاماً خاصاً دينياً بل هو حالة روحية تجامع جميع المقامات المعنوية أي لكل مقام معنوي تقوى خاصاً يختص به)
والصبر الذي هو من الإيمان كالرأس من الجسد أيضاً، لا بد وأن يقترن بالتقوى اقتراناً إلزامياً حتمياً؛ لأن الصابر بدون تقوى قد يقع في العناد والإصرار على الخطأ، وقد يعجب بقوة إرادته؛ ولهذا جعلت التقوى من لوازم الصبر ليؤدي الصابر دوره في الكدح إلى الله بنجاح تام ويفوز برضاه تعالى.
وقد أكد القران الكريم على اقتران الصبر بالتقوى في مختلف المواطن الساخنة ففي ميدان الجهاد الصبر والتقوى شرط من شروط الإمداد الإلهي يقول تعالى: ((بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِين)) (آل عمران:125)
والصبر والتقوى من عناصر النصر على صعيدي الجهاد الأكبر والأصغر يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) (آل عمران:200)
إذن الصبر والمصابرة والمرابطة في سبيل الله لابد لها من التقوى؛ لتحقيق الفلاح في الدنيا والآخرة ، لأن الله لا يتقبل إلا من المتقين .
وهكذا نجد أن التقوى مازجت جميع المقامات المعنوية، وأصبحت بالنسبة إليها بمثابة الروح من الجسد فهي المُقَوم الأساسي لها جميعاً بلا استثناء؛ ولأن الخصال والملكات الحميدة في جميع مجالات الحياة الإيمانية الفردية والاجتماعية لا يمكن أن تعطى ثمارها يانعة بدون التقوى، فهي كما يقول أمير المؤمنين:
(فأن تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كل ملكة، ونجاة من كل هلكة، بها ينجح الطالب، وينجو الهارب، وتنال الرغائب)
فما من خطوة يخطوها المؤمن إلا والتقوى شرط في قبولها عند الله تعالى فهي سند أساسي لمسيرة الإنسان المؤمن من بدايتها إلى نهايتها فقد دخلت كشرط أساس - ولا أعني الشروط الفقهية - في جميع الواجبات والمستحبات والمباحات في العبادات والمعاملات. فكل عمل من أعمال المؤمن لابد وأن تلازمه التقوى وبأي درجة من درجاتها؛ ليكون ذلك العمل خطوة للرقي في معارج التقوى وبهذا تكون التقوى مقَوِّما للعلم والعمل ورافعة للإنسان إلى درجة من درجات الكمال.
والعجيب في الأمر أن الاسلام العظيم أمر بالتزام خط التقوى حتى مع المشانئين والمعادين للمؤمنين، وان يكون تعامل المؤمنين مع الذين يبغضونهم مما يقربهم إلى تقوى الله أيضاً، وأن يَتَحَّروا كل ما يقربهم إلى تقوى الله تعالى ولو في معاملة الأعداء؛ ولذا فإن الأمر بالعدل علة لتحقيق التقوى يقول تعالى: ((يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أََلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون)) (المائدة:8)
(فدعى سبحانه وتعالى إلى العدل وعده ذريعة إلى حصول التقوى)
وهكذا يتضح من كتاب الله أن من واجب المؤمنين أن يقوموا بالعدل مع كل أحد ولياً كان، أو عدواً؛ لان العدل يقربهم إلى التقوى؛ وبذلك يكون العدل والإحسان والصبر والجهاد … كلها وسائل ؛ لتحقيق التقوى فإن الله تعالى خلق الإنسان ؛ ليوحده ويتقيه .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com