موقع الصراط ... الموضوع : التقوى في القرآن-3
 
الجمعة - 7 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التقوى في القرآن-3  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 18 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  فوائد التقوى:
لا يمكن أن تحدد فوائد التقوى بحدود ما دامت هي من نتائج الشعور بهيمنة الله تعالى، والإحساس بالمسؤولية أمامه، والشعور بالتقصير إزاء حقوقه ونذكر بعض فوائدها في حدود الله ما دلتنا عليها روايات أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم … هذه الفوائد يمكن أن نقسمها إلى قسمين: فوائد في الدنيا وأخرى في الآخرة، وهذا التقسيم (للتوضيح لا للتبعيض)؛ ما دام أمر الدنيا في الإسلام ملازم لأمر الآخرة . أما أهم الفوائد التي دلت عليها الأحاديث الشريفة فهي :
1 - دواء لكل الأمراض النفسية :
الأمراض التي يصاب بها القلب كثيرة منها: الجهل، والنفاق، والحقد والتكبر … والتقوى هي العلاج الوحيد الواقي من هذه الخبائث. فلا تجد متقياً حقيقياً يعرف الحقد، أو التكبر، أو النفاق، أو غيرها إلى قلبه سبيلاً، وأدق بيان لفوائد التقوى ما جاء عن أمير المؤمنين علي (ع) حيث يقول :(فإن تقوى الله دواء داء قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم، وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم، وجلاء عشا أبصاركم، وأمن فزع جأشكم وضياء سواد ظلمتكم)
2 - التقوى إحدى منابع المعرفة :
(اعتبر القرآن الكريم القلب مركزاً لسلسلة من الإلهامات والإلقاءات الإلهية حيث أن كل إنسان وفي أي مستوى محافظ على طهارته القلبية، وعامل ومنفذ لها فإن هذا المركز سيكون طريقاً للخلاص والعبودية، وقد صرح القرآن بذلك كقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم)) (الأنفال:29))
وهذه الحالة لا تتحقق إلا بتزكية النفس من الأدران، يقول تعالى: ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)) (الشمس:7-10)
فإذا طُهِّرت النفس من خبائث الإنْيَةِ والأنانية، ومذام الأخلاق، وأدران الذنوب أصبحت مؤهلة ، لتلقي الفيض الإلهي، ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: (العلم صبغ النفس، وليس يفوق صبغ الشيء حتى ينظف من كل دنس) وهذه بديهية فإن الورقة الملوثة لا تظهر عليها الكتابة واضحة؛ ولذا فإن نقاء صفحة القلب وبياضها شرط لانطباع العلم فيها فإذا لوث القلب بمرض الحقد والحسد، والعجب, والتكبر، والغرور... الخ. فلا يكون قابلاً لتلقي الفيوضات الإلهية، ولا يمكن أن يكون مصباحاً يشع النور على الآخرين، ويفيض الحب والحنان عليهم وعندما يمتلئ بتقوى الله يرزقه الله قوة التميز بين الحق والباطل، والخير والشر،وبين الهدى والضلال ((إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً)) (الأنفال:29) بمعنى إن تتقوا الله لم يختلط عندكم ما يرضي الله في جميع ما تقدم بما يسخطه ويكفر عنكم سيئاتكم ، ويغفر لكم ، والله ذو الفضل العظيم)
إن المعرفة لا تحجب عن القلوب الطاهرة، وإنما الذي يحجبها عنها هي الذنوب والمعاصي، وذمائم الأخلاق، فإنها تكدر القلب وتجعله مظلماً لا يقبل النور؛ لأن (القلوب كالأواني مادامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء، فكذلك القلوب المشغولة بغير الله لا تدخلها المعرفة بجلال الله، وإليه الإشارة بقوله (ص): لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم؛ لنظروا إلى ملكوت السماوات)
ومن هنا يتضح أن إشراق القلب، وجلاء البصيرة، لا يتحقق بدون تحصيل التقوى فالتقوى تساعد على صفاء القلب، وترسخ العلم فيه،وجريان الحكمةمنه وهذا يحتاج إلى تخلية من كل الأدران بالمجاهدة الشديدة للنفس فلا تحصل التحلية بدون حصول التخلية كما يقول علماء الأخلاق، قال تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين)) (العنكبوت:69)
والجهاد في الله هو مجاهدة النفس العدو الباطني للإنسان، وهو مفتاح أبواب الجهاد الأخرى؛ ولذا صار سبيلاً يفتح الله به على عباده سبل الهداية من أوسع أبوابها .
إن المرآة الملوثة لا تعكس الصورة كاملة، والمصباح الذي تراكم عليه الدخان لا يشع النور، كذلك القلب الملوث بالأدران وذمائم الأخلاق لا يمكن أن يتقبل النور الإلهي فضلاً عن أن يشعه.
3 - التقوى هي المخرج من الشدائد والأزمات والمحن:
عقبات وأشواك طريق السير والسلوك إلى الله أكثر من أن تحصى ؛ولذا جاء التعبير القرآني في هذا المجال دقيقاً , وصريحاً، حيث يقول تعالى: ((وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ)) (الأنفال:7) فهناك المشاكل : العائلية، والنفسية والاجتماعية، وعلى مختلف الأصعدة السياسية، والاقتصادية، والفكرية والعسكرية وغيرها من التحديات القوية التي تواجه المؤمن في سيره الرسالي وإذا أراد أن يواجهها بنفسه وقوته فإنه سوف يعجز لا محال؛ ولذا جعل الله تعالى التقوى السبيل الواضح الذي يُنزل به شآبيب رحمته فيمنح الإنسان بها الإرادة الصلبة , والعزيمة الماضية من خلال إحساسه وإيمانه بالمدد الإلهي، وهكذا جاءت الآيات والأحاديث مؤكدة لهذه الحقيقة، يقول تعالى: ((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجا ... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً)) (الطلاق: 4-5) أي ومن يتق الله، ويتورع عن محارمه ولم يتعد حدوده، والتزم بشرائعه فعمل بها يجعل له مخرجاً من مضائق مشكلات الحياة.
وفي هذا الباب وردت أحاديث كثيرة نذكر منها: قول أمير المؤمنين الإمام علي (ع): (ولو أن السماوات والأرضين كانتا على عبد رتقاً ثم اتقى الله لجعل له منهما مخرجاً)
(واعلموا أنه من يتقي الله يجعل له مخرجاً من الفتن ونوراً من الظلم)
وقال رسول الله (ص): (من انقطع إلى الله كفاه كل مؤونة ، ومن انقطع إلى الدنيا وكَّلَهُ الله إليها)
4 - التقوى مفتاح بركات السماوات والأرض:
قال تعالى: ((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون)) (الأعراف:96) والمقصود بالتقوى هنا هي التقوى الاجتماعية، أي لو وجد المجتمع المتقي لله لفتح الله عليهم بركات السماء والأرض، يقول العلامة الطباطبائي: (إن افتتاح أبواب البركات مسبب لإيمان أهل القرى جميعاً وتقواهم , أي إن ذلك من آثار إيمان النوع الإنساني وتقواه لا إيمان البعض وتقواه، فإن إيمان البعض وتقواه لا ينفك عن كفر البعض الآخر وفسقه، ومع ذلك لا يرتفع سبب الفساد وهو ظاهر)
ومع هذا فعلى المستوى الفردي أيضـاً التقوى مفتاح بركات الله تعالى: ((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً)) (الطلاق:2-3)
وقد روي أن هذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، حيث (أسر العدو ابناً له فأتى النبي (ص), وذكر ذلك, وشكا إليه الفاقة، فقال له: اتق الله واصبر, وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، ففعل الرجل ذلك , وبينما هو في بيته إذا أتاه ابنه، وقد غفل عنه العدو فأصاب إبلاً وجاء بها إلى أبيه).
قال صاحب الكشاف: (فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها)
وأروع تعبير وبيان لهذه الحقيقة ما قاله أمير المؤمنين علي (ع):
(أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها الزمام والقوام فتمسكوا بوثائقها واعتصموا بحقائقها تؤول بكم إلى أكنان الدعة ،وأوطان السعة ، ومعاقل الحرز ومنازل العز)
5 - المدحة والثناء: قوله تعالى: ((وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)) (آل عمران: 186)
6 - الحفظ والحراسة من الأعداء: قوله تعالى: ((وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط)) (آل عمران:120)
7 - التأييد والنصرة: قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُون)) (النحل:128)
8 - إصلاح العمل: قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يصلح لكم أعمالكم)) (الأحزاب:70)
10 - المحبة: قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)) (التوبة: 4)
11 - القبول: ((إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)) (المائدة: 27)

 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com