موقع الصراط ... الموضوع : التقوى في القرآن-4
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التقوى في القرآن-4  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 18 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  كيف يكتسب الإنسان التقوى ؟
لما عرفنا أن التقوى ملكة تترسخ في النفس بالتحرز واليقظة والمحافظة على استقامة المسير من زيغ الهوى؛ لتدفع المؤمن إلى فعل الواجبات والمستحبات وتمنعه عن فعل المحرمات أو حتى المباحات .فهي إذن حالة واقية للمرء من الوقوع في محذورات الشرع المقدس، وتتحقق هذه الملكة بحصول حالات ثلاثة في النفس هي: الخوف، والرجاء، والحب … الخوف من الله والرجاء منه، والحب له .

الفرق بين الخوف والخشية:
(الخوف) و(الخشية) مصطلحان قرآنيان وردا في آيات من القرآن الكريـم والفرق بينهما عموم وخصوص من وجه فقد نقل صاحب مجمع البحرين رحمه الله عن شيخ الطائفة الطوسي عليه الرحمة (إن الخشية والخوف - وإن كانا في اللغة بمعنى واحد - إلا أن بين خوف الله وخشيته في عرف أرباب القلوب فرقاً وهو: أن الخوف تألم النفس من العقاب المتوقع بسبب ارتكاب المنهيات والتقصير في الطاعات، وهو يحصل لأكثر الخلق - وإن كانت مراتبه متفاوتة جداً - والمرتبة العليا منه لا تحصل إلا للقليل .
والخشية حالة تحصل عند الشعور بعظمة الحق وهيبته وخوف الحَجب عنه وهذه حالة لا تحصل إلا لمن اطلع على حال الكبرياء، وذاق لذة القرب؛ ولذا قال ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء)) (فاطر: 28) فالخشية خوف خاص، وقد يطلقون عليها الخوف أيضاً)
ويقول الراغب الأصفهاني في مفرداته :(الخوف توقع مكروه عن إمارة مظنونة أو معلومة … والخوف من الله لا يراد به ما يخطر بالبال من الرعب كاستشعار الخوف من الأسد بل إنما يراد به الكف عن المعاصي واختيار الطاعات ولذلك قيل لا يعد خائفاً من لم يكن للذنوب تاركاً، والتخويف من الله تعالى هو الحث على التحرز وعلى ذلك قوله تعالى: ((ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُون)) (الزمر: 16).
(والخشية خوف يشوبه تعظيم ، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه ولذلك خص العلماء بها في قوله ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء)) (فاطر:28)

أنواع الخوف:
ورد في كتاب الخصال للشيخ الصدوق أن (أنواع الخوف خمسة: خوف وخشية, ووجل، ورهبة، وهيبة. فالخوف للعاصين، والخشية للعالمين، والوجل للمخبتين، والرهبة للعابدين، والهيبة للعارفين .
أما الخوف فلأجل الذنوب،قال الله تعالى: ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)) (الرحمن:46)
والخشية لأجل رؤية التقصير، قال الله عز وجل: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) (فاطر:28)
وأما الوجل فلأجل ترك الخدمة، قال الله عز وجل: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)) (الأنفال :2)
والرهبة لرؤية التقصير، قال الله عز وجل: ((وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً)) (الانبياء:90)
والهيبة لأجل شهادة الحق عند كشف الأسرار - أسرار العارفين - قال الله عز وجل: ((وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِير)) (آل عمران: 28) يشير إلى هذا المعنى)

حقيقة الرجاء:
إن ما يواجه الإنسان من مكروهات، أو محبوبات إليه، ينقسم حسب الزمان إلى ثلاثة أقسام: إما موجود ماضٍ، وهذا يسمى ذكراً وتذكراً، أو موجود الآن وهذا يسمى وجداً وذوقاً وإدراكاً، وإنما سمي وجداً؛ لأنها حالة يجدها الإنسان في نفسه، أو شيء ينتظر وقوعه في المستقبل فإذا كان مكروهاً حصل منه ألم في القلب، ويسمى خوفاً وإشفاقاً، وإن كان محبوباً حصل من انتظاره، وتعلق القلب به وإخطار وجوده بالبال لذة في القلب، وارتياح يسمى ذلك الارتياح رجاءً.
فالرجاء إذن هو ارتياح القلب لانتظار المحبوب عنده، ولكن ذلك المحبوب المتوقع لابد وأن يكون له سبب، فإن كان انتظاره لأجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء عليه صادق، وإن كان انتظاره مع انخرام أسبابه واضطرابها فاسم الغرور والحمق عليه أصدق من الرجاء، وإن لم تكن الأسباب معلومة الوجود ولا معلومة الانتفاء فاسم التمني أصدق على انتظاره .

التلازم بين الخوف والرجاء :
من أجل استقامة شخصية المؤمن وتوازنها لابد أن يتوازن فيها الخوف والرجاء، وأن يتلازما، وأن لا يشغل القلب أحدهما دون الآخر نعم قد ينشغل القلب بأحدهما دون الآخر في حال غفلة وارتباك .
ومن شروط الرجاء والخوف تعلقهما بما هو مشكوك فيه، لأن المعلوم من الأشياء لا يرجى ولا يخاف، والمحبوب الذي يجوز وجوده يجوز عدمه - وهذا في غير واجب الوجود المطلق عز وجل - فإنه مرجو ومخاف منه، وهو معلوم الوجود، بل متيقن، ولكن لا يجوز انتفاؤه.
وقد أكد القران على التلازم بين الخوف والرجاء في عدة آيات، يقول تعالى في وصف عباده المخلصين: ((وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)) (الانبياء:90)
((وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ)) (الأعراف:205)
((تتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً)) (السجدة: 16)
ففي جميع هذه الآيات نرى عباد الرحمن يعيشون حالة الرجاء في الوقت الذي يعيشون حالة الخوف، وقد أمر الله نبيه بصيغة الأمر أن يكون ديدنه مع الله كذلك، يقول تعالى: ((وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً)) (الأعراف:205)
كما أكدت الروايات الكثيرة على هذا التلازم بينهما :
عن الحارث بن المغيرة أو أبيه عن أبي عبد الله (ع) قال: (قلت له ما كان في وصية لقمان؟ قال: كان فيها الأعاجيب، وكان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه: خف الله عز وجل خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك، وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك.
ثم قال أبو عبد الله (ع) كان أبي يقول: إنه ليس من عبد مؤمن إلا في قلبه نوران: نور خيفة، ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا. ولو وزن هذا لم يزد على هذا)
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ص): (الخوف رقيب القلب، والرجاء شفيع النفس، ومن كان بالله عارفاً , وكان من الله خائفاً، وإليه راجياً، وهما جناحا الإيمان، يطير بهما العبد المحقق إلى رضوان الله، وعينا عقله، يبصر بهما إلى وعد الله، ووعيده والخوف طالع عدل الله، باتقاء وعيده، والرجاء داعي فضل الله، وهو يُحيي القلب والخوف يميت النفس)
قال رسول الله (ص): (المؤمن بين خوفين: خوف ما مضى ، وخوف ما بقى وبموت النفس يكون حياة القلب، وبحياة القلب البلوغ إلى الاستقامة، ومن عبد الله تعالى على ميزان الخوف والرجاء لا يضل ويصل إلى مأموله …)
في كل هذه الروايات نرى أن الاقتران بين الخوف والرجاء لازم من لوازم مسيرة الإنسان إلى الله، وأعداده لتحمل أعباء هذه المسيرة. ومن دون هذا التلازم تختل شخصيته .

لماذا التلازم بين الخوف والرجاء؟
(إن كلاً من الرجاء، والخوف لو أخذا منفصلين أحدهما عن الآخر لأثر هذا على سلوك الإنسان المسلم تأثيراً سلبيا ً - كما يبدوا ذلك من النص- : (ارج الله رجاءاً...) وغيره؛ لأن الرجاء بلا خوف يجرئ على المعصية، والخوف بلا رجاء ييئس من رحمة الله تعالى، وسلوك اليائسين سلوك منحرف، والإنسان يعمل لآماله العريضة، ورجاؤه بالله تعالى أن يثيبه وينجيه من عذاب أليم) إن الشخصية الإسلامية ترتكز على دعائم ثلاث هي: الفكر، والعواطف ، والسلوك وليس بين هذه الركائز الثلاثة انفصال، وإنما هي أجزاء يكمل بعضها البعض الآخرة؛ لِتُكَوّن كياناً واحداً، وإذا ما فقدت إحداهما أختل الكيان كله.
فالأفكار تخلق ألواناً من الاحساسات, والانفعالات بعظمة الخالق, وجلاله وجماله. والعواطف تفجر الحركة، والفعالية في نفس الإنسان، وتعطي قوة دفع وحركة فكرية عمودية تترفع بالإنسان إلى الذوبان في حب الله تعالى والفناء فيه. ومن ثم هذه الحركة العمودية التي تشد الإنسان إلى الله، تحركه لتغير الواقع نحو رسالة الله بحركة أفقية يمتد بها إلى المجتمع، فتؤثر فيه وتغيره. وحينئذ تتحول الأفكار والعواطف إلى سلوك متوازن تتجسد من خلاله الشخصية الإلهية… إذن الإسلام ليس فكرة عقلية مجردة معزولة عن واقع الحياة الاجتماعية، كما أنه ليس عواطف منخفضة ساذجة، فارغة عن الأفكار والمفاهيم حول الكون والحياة ؛ لذلك نجد أن الإسلام في تربيته العظيمة يفجر العواطف الإنسانية النبيلة على أساس فكري؛ ليوجد فيها تياراً مغيراً في الحياة من الواقع الفاسد إلى الواقع السليم.
فالعواطف في كثير من الأحيان تكون انعكاساً للمفاهيم ,ومن هنا ربط الإسلام بين المعرفة والإيمان؛ لينتج خشوعاً وضراعة (من عرف الله خاف الله ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا) لذا جاء في مناجاة سيد الساجدين (ع): (سبحانك أخشى خلقك لك أعلمهم بك)
وإنما أمر الإسلام بالتلازم والموازنة بين الخوف والرجاء؛ لئلا يسيطر عليه الخوف فيوقعه في القنوط واليأس؛ ولئلا يسيطر عليه الرجاء فيوقعه بالإعجاب والغفلة والغرور، إذن التلازم بين الخوف والرجاء يحمي الإنسان من مرضين خطيرين وهما: الإعجاب بنفسه وبأعماله وعقيدته , ويحميه كذلك من اليأس والقنوط حين يرتكس بالذنوب , فحالة الخوف المتوازن تجعل الإنسان حذراً يقظاً من الوقوع في مخالفات الشرع الأقدس من خلال إحساسه بالرقابة الإلهية عليه وحالة الرجاء تخلق في نفسه أملاً كبيراً من خلال رجائه لرحمة الله التي وسعت كل شيء , فالخوف إذن ناتج عن إدراك هيمنة الذات المقدسة والإحساس برقابتها وتوقع لبطشها وعذابها، وحالة الرجاء جاءت عن إدراك لرأفة الله وحلمه ورحمته وغفرانه … وبذلك يعيش الإنسان متوازن السلوك من خلال المزج بين الأفكار والعواطف .
إن الشخصية الإسلامية كما ارتكزت على أرضية فكرية كذلك اعتمدت على العواطف السامية، ومن هنا كانت الأفكار هي الينبوع الأساسي لأعمق العواطف الإنسانية التي تستمد جذورها من مفاهيم الإسلام، وأما العواطف الساذجة المنخفضة، والقائمة على أساس الإحساس والمشاعر السطحية فلا قيمة لها.
ويمكن أن نرسم معادلة لتأثير الخوف في تحقيق التقوى على الشكل الآتي:
خوف متوازن من الله  قمع للشهوات  ترك للذنوب واللذات  قلع حب الدنيا من القلب  المواظبة على الذكر والفكر  المعرفة  المحبة لله والأنس به  الورع والتقوى.
إن الذي أراده الإسلام للإنسان هو الخوف المعتدل، وهو تلك الحالة النفسية الملازمة للعلم والقدرة، العلم بالله واسمائه وصفاته وشرعته، والمعرفة بعيوب النفس وأهوائها، وأخطار الاستجابة لها، والقدرة على التحكم برغائب النفس، ودفع المحذور الذي يخشى الوقوع فيه ، وهذا الخوف هو الذي يثمر الورع والحذر والتقوى بالمجاهدة، والعبادة، والفكر...
وأما الحب الذي يورث الإخلاص فهو عبارة عن تفريغ القلب من غير الله لأن القلب لا يسع أكثر من حب واحد أبداً، يقول تعالى: ((مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه)) (الأحزاب:4) فلا يمكن أن يجتمع حبان حب الله وحب الدنيا في قلب واحد؛ ولذا كان الولاء والحب محورا التوحيد في التصور الإسلامي وأساساً من أسس العلاقات الاجتماعية الأصيلة التي تبتني عليها تلك العلاقات يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) (التوبة:23)
إن حب الله هو مقياس الإيمان، ولا يجد الإنسان لذة الإيمان بدونه عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: (لا يمحض رجل الإيمان بالله حتى يكون الله أحب إليه مـن نفسه، وأبيه، وأمه، وولده، وأهله، وماله، ومن الناس كلهم) من هنا فإن حب الله ينقي القلب ويُخليه من غير الله، وإذا أحب الإنسان شيئاً آخر لله فهذا الحب امتداد لحب الله، أو في الله حتى حب رسول الله (ص) وأهل بيته، قال (ص): (أحبوني لحب الله عز وجلّ وأحبوا أهل بيتي لحبي)
إذن حب الله هو تطهير للقلب عن كل العلائق الأخرى من قريب، أو بعيد هذا الحب يجعل القلب صافياً خالياً لله فقط؛ ولذا ورد عن أمير المؤمنين (ع): (حب الله نار لا يمر على شيء إلا احترق) وحرّق الشيء إفناءه ونفيه من الوجود، وهكذا يطرد حب الله من القلب كل شيء، وهذه هي غاية آمال العارفين ومنتهى أمنياتهم. وردت في الصحيفة السجادية من دعاء الإمام السجاد (ع): (اللهم صل على محمّد وآل محمد, وفرغ قلبي لمحبتك، واشغله بذكرك... وامنن علي بشوق إليك) كما ورد في دعاء آخر: (اللهم ... ارزقني حبك وحب كل من أحبك، وحب كل عمل يقربني إلى حبك)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com