موقع الصراط ... الموضوع : التقوى في القرآن-5
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التقوى في القرآن-5  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 18 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  كيف نرسخ حب الله في قلوبنا ؟
كل مؤمن بالله تتوق نفسه إلى أن يزداد لله تعالى حباً، ويتمنى أن يصل إلى حد الشوق والوله، ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ وهناك عقبات كثيرة تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق أمله ... من هذه العقبات حب الدنيا، والتعلق بزخارفها وطغيان الهوى في النفس، وتأثير الذنوب على صفحات القلب، ولذلك لابد لمن يسعى لنيل حب الله من معاناة, ورياضة نفسية, ومجاهدات مختلفة. هذا على النحو الخاص، وأما على النحو العام فقد أشارت الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة (ع) أن حب الله يتحقق في نفس المؤمن إذا تحققت له عدة أمور منها :
أولاً: المعرفة، ولمعرفة الإنسان لله فرعان:فرع أصلي ذاتي منحه الله له، وهو المعرفة الفطرية التي زود الله بها البشر منذ أخذ ميثاقه عليهم، وأشهدهم على أنفسهم، ولكن هذه المعرفة قد تنطمس تحت ركام الذنوب والمعاصي التي تتلبد على صفحات القلب فتجعلها مظلمة سوداء لا تقبل النور ((كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون)) (المطففين:14)
وأما الفرع الآخر فهو الاكتساب الذي يحصل للإنسان بالجد والجهد والمواصلة في تطهير النفس من أدران الذنوب، وذمائم الأخلاق .
إن المعرفة شرط أساسي من شروط الحب، ولا يمكن أن يحصل بدونها فإن من لا يعرف الشيء لا يمكن أن يحبه ... ورد عن الإمام الصادق (ع): (نجوى العارفين تدور على ثلاثة أصول: الخوف، والرجاء، والحب. فالخوف فرع العلم ، والرجاء فرع اليقين، والحب فرع المعرفة ... إلى أن قال: وإذا تجلى ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة، وإذا هاج ريح المحبة استأنس ظلال المحبوب، وآثر المحبوب على ما سواه، وباشر أوامره واجتنب نواهيه واختارهما على كل شيء غيرهما ...)
ومن هنا تبين لنا أن الحب يتناسب تناسباً طردياً مع المعرفة، فكلما ازدادت المعرفة ازداد الحب واشتد، يقول الإمام علي بن الحسين (ع): (فوعزتك يا سيدي لو انتهرتني ما برحت من بابك، ولا كففت عن تملقك لما انتهى إليَّ من المعرفة بجودك وكرمك)
ثانياً: ومما يرسخ الحب في القلب ذكر نعم الله التي أسبغها علينا ظاهرة وباطنة، فإن الإنسان بفطرته جبل على حب من أحسن إليه، وأنعم عليه. فإذا ذكر نعم الله عليه، وتذكرها دائماً فإن هذا يزده انشداداً إليه وحباً له.
ولهذا نجد الروايات الشريفة تؤكد على ذلك. قال رسول الله (ص): (أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه)
وعن الإمام الرضا (ع) عن آبائه (ع) قال: (قال رسول الله (ص): أوحى الله عز وجلّ إلى نجيه موسى: أحببني وحببني إلى خلقي! قال: يا رب، هذا أُحبك فكيف أُحببك إلى خلقك؟ قال: اذكر لهم نعماي عليهم وبلاي عندهم، فإنّهم لا يذكرون، أو لا يعرفون مني إلا كل الخير)
وفي روية أخرى عن النبي (ص) أنه قال: (قال الله عز وجلّ لداود أحببني وحببني إلى خلقي! قال: يا رب نعم أنا أُحبك فكيف أُحببك إلى خلقك؟ قال: اذكر أياديَّ عندهم، فإنك إذا ذكرت ذلك لهم أحبوني)

ما هي النعم التي يذكرها الإنسان؟
يختلف تذكر النعم حسب معرفة الإنسان، ومستوى إدراكه، وعمق فكره فمنهم من يحسب النعمة في حدود اللذائذ المادية من المطاعم، والمشارب والمراكب، والمناكح، ومنهم من يعد النعمة نعومة الرياش، ويسر المعاش، وسعة الدار، وما إلى ذلك ... وهذا النوع هو ممن قصر علمه، وضعف فكره، فلم يعد يفكر إلا بلذائذ الجسد. ورد عن رسول الله (ص) أنه قال: (من لم يعلم فضل نعم الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قصر علمه ودنى عذابه)
وأما من أفاض الله عليه من نور المعرفة، وسعة العلم فإنه ينظر إلى ما وراء ذلك كنعمة الوجود، والفكر، والشعور، والهداية، والإيمان , والولاية لأولياء الله , والبراءة من أعدائه، وهذا ما كان رسول الله (ص) يحاول أن يركِّزَه في نفوس أصحابه، فقد ورد أنه (ص) ، قال لأصحابه: (إني لأتخولكم بالموعظة تخولاً مخافة السأمة عليكم، وقد أوحى إليَّ ربي جل وتعالى أن أذكركم بأنعمه وأنذركم بما أفيض عليكم من كتابه، وتلا: ((وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَه)) (لقمان:20) الآية ثم قال لهم: قولوا الآن قولكم ما أول نعمة رغبكم الله فيها وبلاكم بها؟ فخاض القوم جميعاً فذكروا نعم الله التي أنعم عليهم، وأحسن إليهم بها من المعاش والرياش، والذرية، والأزواج إلى ساير ما بلاهم الله عز وجلّ به من أنعمه الظاهرة، فلما أمسك القوم أقبل رسول الله (ص) على علي (ع) فقال: يا أبا الحسن، قل! فقد قال أصحابك فقال: وكيف لي بالقول فداك أبي وأمي؟ وإنما هدانا الله بك؟ قال: ومع ذلك فهات قل! ما أول نعمة بلاك الله عز وجلّ وأنعم عليك بها؟
قال (ع): أن خلقني جلَّ ثناؤه، ولم أك شيئاً مذكوراً، قال: صدقت فما الثانية؟
قال: أن أحسن بي إذ خلقني فجعلني حياً لا مواتاً، قال: صدقت، فما الثالثة؟
قال: أن أنشأني فله الحمد في أحسن صورة، وأعدل تركيب، قال: صدقت فما الرابعة؟
قال: أن جعلني متفكراً واعياً لا بلهاً ساهياً، قال: صدقت فما الخامسة؟
قال: أن جعل لي شواعر أدرك ما ابتغيت بها، وجعل لي سراجاً منيراً، قال صدقت فما السادسة؟
قال: أن هداني لدينه ,ولم يضلني عن سبيله، قال: صدقت فما السابعة؟
قال: أن جعل لي مردّاً في حياة لا انقطاع لها، قال: صدقت فما الثامنة؟
قال: أن جعلني ملكاً مالكاً لا مملوكاً، قال: صدقت فما التاسعة؟
قال: أن سخر لي سماءه، وأرضه، وما فيها، وما بينهما من خلقه قال: صدقت فما العاشرة؟
قال: أن جعلنا سبحانه ذكراناً قوّاماً على حلائلنا لا إناثا، قال: صدقت: فما بعد هذا؟
قال:كثرت نعم الله يا نبي الله فطابت، ((وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا)) (النحل:18)
فتبسّم رسول الله (ص) وقال: لتهنك الحكمة، ليهنك العلم يا أبا الحسن فأنت وارث علمي, والمبين لأمتي ما اختلفت فيه من بعدي)

تعميق الرغبة فيما عند الله:
الرغبة في الشيء الحرص عليه، والطمع فيه، وإرادته بشدة، والسعي في تحصيله , وطلب الكثير منه، ولا يوجد شيء في الدنيا يستحق أن يرغب فيه الإنسان عن الله تعالى؛ لأن كل شيء هو من الله، وإلى الله فليرغب المؤمن فيما عند الله، وليعمق ذلك في نفسه فإن هذا مما يرسخ الحب في قلب الإنسان.
وعلى هذا دلت رواية إبراهيم بن داود اليعقوبي قال: (قال رجل للنبي (ص): يا رسول الله علمني شيئاً إذا أنا فعلته أحبني الله من السماء وأحبني الناس من الأرض، فقال له: ارغب فيما عند الله عز وجلّ يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)
إن خلق الرغبة في النفس لما عند الله تعالى مطلب العارفين بالله تعالى؛ ولذا نجد الإمام زين العابدين (ع) يتوسل إلى الله تعالى أن يزده رغبة إليه تعالى يناجي ربه فيقول: (فقصدتك يا إلهي بالرغبة، وأوفدت عليك رجائي بالثقة ... يا من يرغب إليه ولا يرغب عنه ... واجعل رغبتي إليك فوق رغبة الراغبين ... واجعل رغبتي فيما عندك)
إن مما لا شك فيه أن الرغبة في أي شيء تجعل الإنسان يلتذ بالسعي لتحقيقه ويتَحَمُل الصعاب لنيله، وما عند الله لا ينال إلا بالصبر، والتحمل الشديد والمصابرة؛ ولذا عندما تُخلق الرغبة في النفس يستسهل السائر في طريق الله تعالى أعنف الصعاب وأشدها، بل يجد فيها لذة لا يجدها أشد الناس طلباً للدنيا فيما ينال ويحقق من متاعها، إن الرغبة فيما عند الله مما تقوي القلب بالسكينة والطمأنينة بذكره، وفي نفس الوقت تذلل توقان شهوات النفس؛ ولذا ورد في دعاء الإمام السجاد (ع): (اللهم صل على محمّد وآل محمّد وفرغ قلبي لمحبتك ... إلى أن يقول ... وقوه بالرغبة إليك ... وذللْهُ بالرغبة فيما عندك أيام حياتي كلها ...)
إذن الرغبة فيما عند الله مما تشد الإنسان إلى الله تعالى، وتزيد حبه شيئاً فشيئاً حتى يترسخ في النفس , ويصبح ملكة فيها، وعند ذلك لا يميل الإنسان إلى غير الله تعالى، وبذلك تتحقق التقوى ويكون المؤمن مصداقاً لقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه)) (البقرة:165)
لا يُشْكَل فيقال إن الرغبة وليدة الحب، لا شك في ذلك، ولكن المقصود هو محاولة تعميق الرغبة فيما يحبه الله ويريده؛ ليكسب الإنسان حب الله تعالى فإذا أحب الله عبداً قذف حبه في قلبه؛ لأن علاقة الحب بين العبد وربه علاقة متبادلة، وفق معادلة دقيقة وردت في نصوص أهل بيت العصمة والطهارة فعن أمير المؤمنين (ع): (من أراد منكم أن يعلم كيف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله منه عند الذنوب كذلك منزلته عند الله تبارك وتعالى) وعن أبى عبد الله (ع) أنه قال: (من أحب أن يعلم ما له عند الله فليعلم ما لله عنده)
هذه بعض العوامل التي ترسخ الحب في قلب المؤمن، وهناك عوامل أخرى ذكرتها الروايات، وأحاديث أهل بيت العصمة والطهارة منها: التحبب إلى الله بأداء النوافل ففي حديث سدير عن أبي عبد الله (ع)، قال: (قال رسول الله (ص): قال الله: ما تحبب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وإنه ليتحبب إليَّ بالنافلة حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، إذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته)
ومنها سماع المواعظ فإنها تحيي القلوب، وتنفض عنها غبار الذنوب، يقول أمير المؤمنين (ع): (أحيي قلبك بالموعظة)
ويقول (ع): (أيها الناس استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متعظ، وامتاحوا من صفو عين قد رُوِّقَتْ من الكدر)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com