موقع الصراط ... الموضوع : العدل
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العدل  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 19 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
قال أمير المؤمنين (ع) : التوحيد أن لا تتوهمه والعدل أن لا تتهمه .
العدل هو الأصل الثاني من أصول الدين الإسلامي وهو فرع التوحيد.
ومعناه العقائدي أن الله عادل في مخلوقاته تكوينا وتشريعا فلا يفعل قبيحاً, ولا يخل بواجب ولا يجور في حكم أو ابتلاء , يثيب المطيعين على طاعتهم, ويعاقب المسيئين على اسائتهم لأنه جعلهم مخيرين في أعمالهم فلم يجبرهم على فعل أو ترك , وبهذه الميزة فضل الإنسان على باقي مخلوقاته وسخرها له , وأمره بطاعته واجتناب معاصيه رغم أنه غير محتاج لطاعته كما لا تضره معصيته. يقول أمير المؤمنين (ع) :
( إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم ... لأنه لا تضره معصية من عصاه, ولا تنفعه طاعة من أطاعه )
ويقول (ع) : ( اللهم ولا ينقص من سلطانك من عصاك ... ولا تضره معصية من عصاه) ومع هذا فان ( الله وضع الثواب على طاعته والعقاب على معصيته ) لأن في الطاعة نفع الإنسان وسعادته وفي المعصية ضرره وهلاكه .
ولنتتبع معنى العدل بصورة عامة لكي نتوصل إلى المقصود من بحثنا .
يقع العدل على أربع معان :
الأولى : التناسب والتوازن :
عند استقراء الحقائق الكونية نجد أن الكون قائم على التوازن والتناسب بين الأشياء من أصغر ذرة إلى أكبر جرم سماوي, وهذا التوازن هو التوازن التكويني , ومعناه (كون العالم روعي في بنائه التعادل فاستفيد من كل مادة بقدر ما يلزم ) فنرى الفواصل بين الشمس والأرض متناسبة لبقائها واستمرارها وديمومتها ... إي أن كل جزيئي في الكون وضع في المكان المناسب الذي لا يحدث خللاً في تكوينه , مثلاً : السيارة لما صنعت بهدف حركتها للنقل لا بد أن يُرَكب كل جزء بالمكان المناسب؛ ليتحقق الهدف منها .
والتعادل الكيمياوي لابد أن يكون كل عنصر من العناصر المكونه للمركب يحل في محله الذي خلق لأجله ليتسنى للطبيعة أن توازن وتستقيم وهكذا نجد التوازن في كل جزء من جزئيات الكون بارزة للعيان, ولعل هذا المعنى المقصود من الحديث النبوي : ( بالعدل قامت السماوات والأرض) وفي قوله تعالى ( والسماء رفعها ووضع الميزان )
وإما التناسب والتوازن الاجتماعي فيعني (أن يكون كل شيء فيه بالقدر اللازم وليس بالقدر المتساوي) لأن المجتمع يحتاج إلى مختلف الطاقات والفعاليات الاقتصادية والسياسية والقضائية والزراعية والتربوية . ومن بديهيات الأمور أن الناس مختلفون في طاقاتهم الفكرية والجسدية والابتكار والإبداع كما يختلفون في واجباتهم وحقوقهم واحتياجاتهم, ومن هنا لأجل موازنة المجتمع لابد وأن ننظر بعين (القدر اللازم لا بالقدر المتوازن) وتقدم مثال السيارة أننا لو ساوينا في الوضع المكاني لاستحالة الاستفادة منها واستحالة حركتها .
وخلاصة الكلام إن (العدل بمعنى التناسب والتوازن من لوازم كون الله حكيما وعليما فهو سبحانه بمقتضى علمه الشامل, وحكمته البالغة يعلم أن لبناء أي شيء مقادير معينة من العناصر فهو يركب تلك العناصر لإشادة ذلك البناء )
الثاني : العدل بمعنى التساوي, ونفي أي لون من ألوان الترجيح, ونعني بالتساوي أن ننظر إلى الأشياء بنظرة واحدة من دون تمييز مع غض النظر عن الاستحقاق والعدل بهذا الشكل يكون ظلما لأنه بخس لقيمة الأشياء النادرة وإلا كيف يمكن أن ننظر إلى الذهب والفحم على أنه بدرجة واحدة , ولكن قد يشكل على هذا أن هذا قياس أفراد البشر بالماهيات الجامدة ..والجواب أن أبناء البشر متفاوتون في القدرات الفعلية والجسدية والملكات النفسية .
وعندما نريد أن نعطي الكل بالسواسية من دون مراعاة تلك القدرات والملكات , فإن ذلك يؤدي إلى إيقاف حركة المجتمع , لأننا لا يمكن أن نضع الطيار مكان الحداد والنجار , ولا يمكن أن نضع المقنن القانوني مكان بائع الخضراوات , والمجتمع يحتاج إلى أنواع المهم ولا يصلح الكل للكل ..
ويصح التساوي إذا صح تساوي القدرات والملكات .. وهذا غير ممكن بتكوين البشر وسبحان القائل في كتابه الكريم : ( ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) الزخرف / 32
يقول الفخر الرازي في تفسير الآية : ( إن أوقعنا هذا التفاوت بين العباد في القوة والضعف والعلم والجهل والحذاقة والبلاهة والشهرة والخمول, وإنما فعلنا ذلك لأنا لو سوينا بينهم في كل هذه الأحوال لم يخدم أحد أحدا, ولم يصر أحد منهم مسخرا لغيره وحينئذ يفضي إلى خراب العالم وفساد نظام الدنيا )
إذن التساوي المطلق في عالم الاجتماع مستحيل؛ لأن متطلبات الحياة مختلفة والقدرات متباينة, والكل محتاج إلى الكل, ولا يمكن لإنسان أن يكتفي بذاته لذاته , وينقطع عن الآخرين , وإنما التساوي في الخلق فعلى كل البشر أن يحترم كل البشر فهم من لحمة واحدة , ولا يجوز لأحد أن يحتقر أحدا للونه أو لغته أو مهنته أو مكانته الاجتماعية فهو نظير له في الخلق.
3- المعنى الثالث: رعاية الحقوق بين الأفراد أي إعطاء كل فرد ما يستحقه ويقوم على دعامتين:
أ-الحقوق والأولويات، فصاحب الابتكار والإبداع في عمل ما هو أولى به من غيره، ولا يمكن أن يتساوى مع غيره في ذلك الابتكار.
ب- الخاصية الذاتية للإنسان: وهي أيضاً تقوم على مراعاة الخصوصيات التي يتصف بها كل فرد من أبناء المجتمع ومراعاة الأولويات فيها، ومن الظلم أن يتجاوز على أولوية الآخرين والتصرف في حقوقهم وهذا ممنوع محرم في شرعة الله تعالى، يقول أمير المؤمنين (ع): (قيمة كل امرئ ما يحسنه),ولئلا يزهد الناس بالإحسان لا ينبغي أن نساوي بين المحسن والمسيء، يقول أمير المؤمنين (ع) في وصيته لمالك الأشتر: ((ولا يكن المحسن والمسيء بمنزلة سواء فإن ذلك تزهيد لأهل الإحسان في الإحسان, وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة))
4- المعنى الرابع: هو رعاية الاستحقاق في إفاضة الوجود، وعدم الامتناع عن الإفاضة والرحمة حيث يتوفر الإمكان والوجود،( فالعدل الإلهي حسب هذه النظرية يعني أنَّ أي موجود يأخذ من الوجود، ومن كمال الوجود المقدار الذي يستحقه، وبإمكان أن يستوفيه)
(إذن العدل الإلهي هو الفيض العام، والعطاء العريض لكل الموجودات التي لها إمكانية الوجود وأحكامه نوع من الكمال من دون إمساك أو ترجح)
ملحق:
1- إن الفاعلية الإلهية والتدبير الإلهي قائم على أساس العدل، يقول تعالى: ((شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط))
2- إن العدل هو المعيار لله سبحانه وتعالى في موضوع الخلقة، يقول تعالى: ((والسماء رفعها ووضع الميزان))، ويقول رسول الله (ص): ((بالعدل قامت السماوات والأرض))
3- اهتم القرآن الكريم بالعدل التشريعي أي مراعاة أهل العدل دائماً في النظام الاعتيادي والتشريع القانوني، وإن الهدف من إرسال الأنبياء وبعثة الرسل إنما هو قيام النظام البشري وإرساء الحياة الإنسانية على أساس العدل.
((لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط))
4- يعد القرآن الكريم الإمامة والقيادة عهداً إلهياً ينبعث عنه النضال ضد الظلم، ((وإذا ابتلى إبراهيم))
5- العدل هو الأساس في المرافعة والمحاكمة، ((يحكم به ذوا عدل منكم))، ويقول تعالى: ((واشهدوا ذوي عدل منكم))
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com