موقع الصراط ... الموضوع : الاستقامة-1<br> تعريف الاستقامة وشروط المبدأ الصالح
 
الإثنين - 4 / شوال / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الاستقامة-1
تعريف الاستقامة وشروط المبدأ الصالح
 
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 20 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
تعريف الاستقامة:
هي لزوم المنهج المستقيم بمواصلة الحركة فيه. وحفظه من التحريف وأداء جميع متطلباته, ولو كلف ذلك التضحية بالغالي والنفيس ... وبتعبير آخر هي الثبات على العقيدة الإلهية، ومواصلة الحركة الجديّة الفاعلة؛ لنشر وتحكيم شرعة الله في الأرض؛ امتثالا لأمره في تحقيق إرادته تعالى, والصبر على تجاوز العقبات والعوائق المعترضة لخط السير نحو تحقيق الأهداف الكلية لرسالة السماء .
وبتعبير أدق: هي قوة إيمانية، وطاقة رسالية تنشأ في النفس، وتترسخ فيها من خلال المعرفة بالله تعالى، والعلم بأحكامه، والحب له فتمنحها الصمود الحركي في خط الإيمان، والمقاومة العنيفة للتيارات المعاكسة، والكدح المتواصل في طريق ذات الشوكة بلا وهن، ولا ضعف ولا استكانة، ولا تراجع رجاء رضاه فقط، والتقرب إليه بقلب مطمئن عامر بالإيمان والحيوية موقنة بالنصر على كل حال.
وبعد فهي كرامة إلهية يمنحها الله ِلخُلَّص عباده الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس كما جاء في دعاء صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه قوله (ع): (وأكرمنا بالهدى والاستقامة)

شروط المبدأ الصالح :
إن الثبات والاستقامة مرتبطة بمدى صلاحية المبدأ الفكرية، والعملية وشموليته لجميع جوانب حياة الإنسان، والإيمان به، والوعي الكلي له، والعمل وفق مقرراته الموضوعية والحركة نحو تحقيق أهدافه على المدى البعيد … فقد يكون المبدأ المُتَبَنى صالحاً، ولكن المدعي لحمله غير مؤمن به إيماناً راسخاً، أو يفهمه فهم تقليدياً، ويعتنقه اعتناقاً وراثياً وحينئذٍ سيكون عمله شكلياً أو متزلزلاً؛ لأنه لم يفهمه فهماً سليماً، وإذا كانت المقدمة خطأ فستكون النتيجة عكسية مخالفة لمسار ومتبنيات ذلك المبدأ …
وقد يكون المبدأ غير صالح أي مخالف لفطرة الإنسان، والعامل له متفانٍ في الدعوة إليه، والحركة لتحقيق أهدافه…. كِلا الشكلين من التبني المذكور لا يمكن أن يؤدي إلى الاستقامة والثبات في خط المبدأ المتبنى؛ لافتقاره إلى الشروط المؤدية إلى الثبات والاستقامة .
إذن مقومات الاستقامة هي: صلاحية المبدأ، وفهمه فهماً صحيحاً بل وعيه وعياً عميقاً، والتفاني من أجله، وتجسيده في الواقع العملي فكراً وعاطفة وسلوكاً.
أما صلاحية المبدأ فهو الشرط الأساس في استقامة الإنسان عليه. وهنا يجدر بنا أن نعرض بشكل إجمالي لشروط المبدأ الصالح الذي يمكن للإنسان الثبات عليه رغم كل الظروف والصعاب، ويمكن إجمال هذه الشروط بالنقاط التالية :
1 - أن يكون قابلاً للإثبات العقلي، والاستدلال المنطقي، وبعبارة أخرى أن لا يكون مخالفاً للعقل السليم، والمنطق الصحيح، ونقول: العقل السليم؛ لأن هناك ما يشبه العقل وليس بعقل فقد ورد عن الصادق (ع) أنه سئل: (ما العقل؟ قال: ما عبد به الرحمن، واكتسب به الجنان قال: قلت: فالذي كان في معاوية؟ فقال (ع): تلك النكراء تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل)
فالعقل السليم هو (قوة إدراك الخير والشر والتميّز بينهما، واختيار الخيرات والمنافع، واجتناب الشرور والمضار)
إن المبدأ الصالح لا يختلف عن مدركات العقل السليم أبداً؛ لأن العقل دليل الإنسان إلى الله تعالى، يقول أبو عبد الله الصادق (ع): (ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً، وأكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة) وبدون التعقل لحقائق الأمور والأشياء لا تحصل الاستقامة أبداً فقد ورد في حديث صادق أهل البيت (ع) قوله: (ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها، ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقاً، وسره لعلانيته موافقاً؛ لأن الله تبارك اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه)
إذن كل مبدأ مخالف للعقل لا يمكن أن يؤدي بحامله إلى الثبات والاستقامة.
2 - أن يعطي تفسيراً واضحاً، وكاملاً للحياة والوجود، يجيب فيه عن المسائل الأساسية الكلية المرتبطة بالوجود الكلي للإنسان، والكون، والحياة عموماً: مبدأً ومعاداً. ولا يكتفي بالتفسيرات الجزئية الناقصة على أن يكون هذا التفسير ثابتاً، وقابلاً للاعتماد والادامة إلى آخر مطاف حياة الإنسان .
3 - أن تكون له هدفية بناءه، وسليمة، وواقعية تخلق في الإنسان شوقاً للحركة في تحقيق تلك الأهداف .
4 - أن يكون له قدرة على إيجاد القدسية في نفوس معتنقيه .
5 - أن يكون قادراً على خلق الشعور بالمسؤولية في أعماق حامليه .
6 - أن لا يكون متعارضاً مع الغرائز والدوافع الطبيعية في الإنسان، كما هي في الرهبانية المسيحية، المتعارضة تعارضاً كلياً مع الغريزة الجنسية في الإنسان هذا مع العلم أن كبت هذه الغريزة أمر يكاد يكون مستحيلاً؛ لأنه مخالف للطبيعة الإنسانية، ونتيجة ردة الفعل على ذلك نجد إن الحضارة الغربية المعاصرة قد أطلقت الزمام لهذه الغريزة بدون ضابط أو قيد، بل أكثر من هذا ظهر ما يسمى عندهم (بالمشاعية الجنسية) وأشنع من ذلك كله أنهم أباحوا (الشذوذ الجنسي) بل اعتبروه أمراً شرعياً وقانونياً.
أما المبدأ الواقعي للحياة فقد وضع في نظامه الاجتماعي ضوابط لهذه الغريزة حفظ بها الإنسانية من السقوط في مستنقع الرذيلة، والضياع، والتمرد، وأشبع حاجة الإنسان منها بشكل مشروع حفظ به كرامة الإنسان وبذلك حفظ به استمرار الجنس البشري طاهراً من الدعارة، والانحراف الخلقي .
ومثال آخر على مخالفة المبادئ الوضعية لغريزة الإنسان. ما وقعت فيه الماركسية في محاولة القضاء على الملكية الفردية، وصهرها في ملكية المجتمع وعلى عكسها ما وقعت فيه الرأسمالية الغربية. ودلالة المخالفة هي:
إن أقوى الغرائز عند الإنسان هي غريزة حب الذات كما أثبتت ذلك البحوث النفسية بمختلف مدارسها المعروفة ... لهذا أخفقت الماركسية بعد أكثر من سبعين سنة من المقاومة برفضها للملكية الخاصة، وتبني الملكية العامة كقاعدة وأساس في البناء الاقتصادي للمجتمع والدولة حتى تمرد عليها أشد معتنقيها حماسة إليها؛ لأنها تعارضت مع الغرائز الأصلية في الإنسان، وفي الجانب الآخر نجد أن الرأسمالية قد جعلت الملكية الخاصة قطب الرحى في نظامها الاقتصادي بدون ضوابط وحدود. وأطلقت العنان لها في حرية الكسب والاستقلال، وشملت هذه الحرية الجوانب الأخلاقية والفكرية والسياسية، والاجتماعية من دون حدود؛ ولهذا جّرَتْ البشرية إلى ويلات ودمار واستعباد للشعوب، وتسلط عليها وقهر لها، حتى أصبح العالم اليوم على جرف هار.
أما الإسلام فقد أقر الملكية الخاصة ضمن شروط معينة، نظم فيها حياة الفرد والمجتمع، وفق مبادئ محدودة، في الوقت الذي جعل للفرد ملكية خاصة يمتلكها بجهده، ولكن ضمن حدود محدده. ومن خلال ربط العقيدة بالنظام والأصول بالفروع، خلق في نفوس معتنقيه دوافعاً رسالية جعلت الملكية الخاصة مسخرة للصالح الاجتماعي العام.
7 - أن يحتوي المبدأ على نظام كامل وشامل لجميع جوانب الحياة مترابطاً مع خطه العقائدي، مستنداً إليه، ومنطلقاً منه.
هذه مجمل الشروط التي يجب توفرها في المبدأ الصالح للتبني والعمل وفق مبادئه بثبات واستقامة .

المصدر: كتاب دراسات أخلاقية في ضوء الكتاب والسنة

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com