موقع الصراط ... الموضوع : الاستقامة-2<br>معالم الشخصية الرسالية
 
الجمعة - 11 / محرم / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الاستقامة-2
معالم الشخصية الرسالية
 
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 20 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
معالم الشخصية الرسالية :
إن الشخصية المبدئية تبتني على الإيمان بالمبدأ، والوعي له، والعمل به والتحرك نحو تحقيق أهدافه، ولا شك أن هذه العوامل مترابطة ترابطاً جذرياً لا يمكن أن يفصل بعضها عن البعض الآخر. فلا يصح الإيمان إذا لم يعتمد على الوعي العميق، والفهم السليم القائم على الأدلة العقلية، والبراهين المنطقية وكل إيمان لا يدعمه العلم والمعرفة الصحيحة إيمان واهٍ يمكن أن يتزلزل وينهار بسرعة، وكل علم لا يؤدي إلى عمل لقلقة فارغة لا قيمة لها، يقول أمير المؤمنين (ع): (العلم مقرون بالعمل، فمن علم عمل، العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل عنه)
إذن الشخصية المبدئية هي شخصية: مؤمنة، عالمة، عاملة، متحركة نحو تحقيق مُثل ومبادئ مرسومة لها في النسيج العقائدي لذلك المبدأ. من أجل هذا نجد أن كل مبدأ من المبادئ المعروفة يحدد لمعتنقيه مميزات وشروطاً معينة ، ويعمل لتأصيلها فيهم؛ لأجل استمراريته ودوامه، وحيويته، ويُعين لهم محوراً يدورون عليه ويتحركون في مجاله؛ ليحفظهم من الخروج عن النهج المرسوم، ويكون ذلك بمثابة قطب الرحى الذي تدور عليه الحركة الكلية للمبدأ المتبنى. فمثلاً المسيحية اتخذت التثليث قطباً لها يدور عليه جميع المسيحيين واليهودية جعلت من تصورها العنصري لشعب الله المختار مدارا يدور عليه اليهود. وهكذا الماركسية جعلت من (الديالكتيك) أو التناقص والصراع بين الطبقات قاعدة لها.
وأما الإسلام فقد ربط الإنسان بخالقه مبدأً ومعاداً منه ينطلق، ولأجله يتحرك، وإليه يعود، وجعل حياة الإنسان كدحاً متواصلاً إليه عز وجل، يقول تعالى: ((ا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيه))(الانشقاق:6)
وعندما نستقرئ الواقع لجميع المبادئ في الدنيا نجدها جميعاً تؤكد على وجوب استقامة وثبات أتباعها في مواجهة العقبات. واتخذت لذلك شتى السبل والوسائل؛ لتحقيق ذلك: طقوس عبادية، وفرائض الزامية كما في الأديان السماوية والأرضية، مؤتمرات سنوية، وجلسات أسبوعية كما في الأحزاب أضف إلى ذلك إحياء الذكريات التاريخية في مسار المبدأ؛ لأجل الاستقامة والثبات ، ومواصلة الحركة، وتحقيق الأهداف المعينة.
وفي ضوء هذا نستطيع القول: أن الاستقامة المبدئية هدف قائم بذاته تتحقق من خلاله كل الأهداف الأخرى، وما لم تتحقق الاستقامة في داعية المبدأ لا يمكن أن يحقق بقية الأهداف ((فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) (هود:121) . ولأهمية وعظمة هذا الأمر قال ابن عباس: (ما نزل على رسول الله (ص) آية كانت أشد عليه، ولا أشق من هذه الآية؛ ولذلك قال لأصحابه حين قالوا: أسرع إليك الشيب يا رسول الله: شيبتني هود والواقعة)
إن الشخصية القرآنية لها مميزات، وخصائص، وأبعاد رسالية ابتنت منها وقامت عليها نذكرها بشكل استطرادي مختصر دون الدخول في التفاصيل؛ لأنها خارجة عن هذا البحث، وهذه المميزات مقتبسة مـن أحاديث أهل البيت (ع) خصوصاً زبور آل محمّد (الصحيفة السجادية) وأبرز تلك الخصائص هي:
إنها مؤمنة بوعد الله تعالى إيمان يقين لا ريب فيه؛ وبما أن هذه الميزة هي الأساس الذي يقوم عليه البناء الفوقي للشخصية نجد أئمة الهدى يتوسلون بالله تعالى أن يثبتها فيهم، رغم ثباتها فيهم قولاً، وفعلاً، فقد جاء في دعاء أبي حمزة الثمالي عن الإمام السجاد (ع): (اللهم إني أسألك إيماناً لا أجل له دون لقائك أحيني ما أحييتني عليه، وتوفني إذا توفيني عليه، وابعثي إذا بعثتني عليه ... اللهم إني أسألك إيماناً تباشر به قلبي، ويقيناً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي)
كما ورد في أدعية أخرى (اللهم صل على محمّد وآل محمّد، وهب لي ثبات اليقين، ومحض الإخلاص، وشرف التوحيد، ودوام الاستقامة، ومعدن الصبر)
راضية بقضاء الله، موقنة بأن هذا القضاء لخيرها، وصلاحها، وتكاملها قائلة في مواجهة كل الصعاب ((لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ)) (التوبة:51) . وهذه السمة من السمات الأساسية في شخصية المسلم؛ لأنها تملأ القلب طمأنينة، ورضاً بكل ما يلاقي في سبيل الله تعالى. فعن الإمام علي بن الحسين (ع)قال: (الصبر والرضا عن الله رأس طاعة الله، ومن صبر ورضى عن الله فيما قضى عليه فيما أحب، أو كره لم يقضِ الله عز وجلّ له فيما أحب، أو كره إلا ما هو خير له)
وعن أبي جعفر (ع) قال: (أحق خلق الله أن يسلم لما قضى الله عز وجلّ، من عرف الله عز وجل، ومن رضى بالقضاء أتى عليه القضاء، وعظم الله أجره، ومن سخط القضاء مضى عليه القضاء، وأحبط الله أجره)
مُسَلِّمَة لأمر الله تسليماً مطلقاً من دون لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ لا أمر لها مع أمره، وليس لها قدرة على الخروج من سلطانه؛ لأن (الإسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل)
فالتسليم إذن معنى إيجابي فعّال، وحركة جدية مغيرة للواقع الفاسد إلى واقع سليم، وليس معنى انعزالي انهزامي كما فهمه الذين عرّفوا الدين بأنه أفيون الشعوب.
متطلعة إلى بلوغ درجة إيمانية علياً، ونية رشيدة، وسلوك طريقة لا زيغ فيها وزيادة في العمل الصالح، وإحساس بالتقصير أمام الله؛ ولهذا تعمل العمل الصالح وتبقى وجلة خشية من عدم قبوله .
طامحة إلى تطهير نفسها من ذمائم الأخلاق ، ومن أدران المعاصي عاملة على تفريغ قلبها من غير حب الله تعالى. مائلة إلى طاعته، جارية في سبيله على كل حال.
زادها من الدنيا تقوى الله، ورغبتها فيما عنده من النعم والخيرات والرحمة في دار الخلود. وقبل ذلك ساعية لنيل رضاه تعالى. فرضا الله غاية في كل عمل تقوم به .
لا تنسى ذكر الله فيما أولاها من النعم، ولا تغفل عن إحسانه فيما ابتلاها من الفتن، فلا تيأس من إجابته، وإن أبطأ عنها في سراء، أو ضراء، أو شدة أو رخاء أو عافية، أو بلاء .
راجية أن يغنيها الله من فضله، وأن ينفرد بحاجاتها، وأن يتولى كفايتها وأن لا يوكلها إلى نفسها، ولا إلى أحد من خلقه قريب، أو بعيد .
طالبة العون منه تعالى على شهواتها وأهوائها، منحسرة عن الذنوب متورعة عن المحارم والشبهات .
هواها فيما عند الله، ورضاها فيما يرد عليها منه على كل حال.
مهتدية بنور الله في الظلمات الفكرية، والاجتماعية، والسياسية، مستضيئة بمبادئ الله تعالى وأحكامه من كل شك.
أشغل قلبها خوف غم الوعيد وشوق ثواب الموعود.
تعمل الحسنات شوقاً، وتهرب من السيئات فرقاً وخوفاً، متحفظة من الخطايا، محترسة من الزلل في حال الرضا والغضب .
مؤثرة رضا الله تعالى على رضا كل أحد على درجة واحدة في الأولياء والأعداء. لا يخرجها الغضب من العدل، ولا يدخلها الرضا في الجور .
تستقل الخير من أعمالها ولو علت الجبال، وتستكثر الشر منها ولو صغرت عن الذرة … صابرة في الشدائد، و قرة في الهزاهز، شاكرة في النعماء . دعائها في الرخاء كدعائها في الشدة والضراء . سالمة الصدر من الحسد فلا تحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله ولكنها ترجو أن ينعم الله عليها بأفضل ما أنعم به على الآخرين . ملتزمة بعهد الله الذي قطعته على نفسها أن لا تشرك به شيئاً ولا تخلف له عهداً ولو در عليها ملك الدنيا كلها؛ لعلمها أن مخالفة العهد خيانة، والله لا يحب الخائنين . صادقة في قولها وفعلها مع الله، ورسوله، وأوليائه وعامة الناس وخاصتهم، مؤثرة الصدق حتى لو أضر بها، متجنبة الكذب حتى لو خدم مصالحها.
لا يجد الوهن إلى نفسها طريقاً عند ملاقاة الشدائد والصعاب في طريق الله تمضي بقوة، وجدارة غير آبهة بكل ما أصابها في سبيل الله طمعا بعفوه ,ومغفرته ورضوانه، ورحمته.
إذا رأت طغيان الباطل، وتعاليه، واجتماعه، لحرب الحق وأهله لا ينقص ذلك من إيمانها شيء، وإنما تزداد إيماناً، وجهاداً ومواصلة في الكدح إلى الله تعالى . دائمة التفكير في عظمة الله تعالى المتجلية في مخلوقاته من أصغر مخلوق إلى أكبر جرم سماوي، وفي حركة التاريخ وجريانه ومتغيراته، وسننه وما قام به أئمة العدل، وأئمة الضلال، وعاقبة كل منهما . معرضة عن اللغو، وعن كل عمل لا يعود على الإنسانية بفائدة مادية أو معنوية .
مسارعة إلى الخيرات لا يسبقها سابق، ولا يدفعها طمع، ولا يمنعها بخل ولا جبن، ولا يشغلها طلب الدنيا عن الآخرة، بل طلب الدنيا عندها وسيلة للفوز بنعيم الآخرة الدائم .
مُبَلِّغَةً رسالة الله إلى الناس، ومجاهدة في سبيله، لا تأخذها في الله لومة لائم ولا تخشى في هذا المسلك غير الله تبارك وتعالى، تدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة .
تلك بعض مميزات الشخصية القرآنية، وكل تلك الخصائص ارتباط بالله تعالى، ولا نشك أن من ارتبط بالله تعالى ارتباطاً واعياً، وصادقاً ومخلصاً فلن يثنيه شيء، ولن تزلزله شدة مهما بلغت، فإن جوهر الإسلام وروحه هو الارتباط بالله تبارك وتعالى، وما عداه متفرع منه وراجع إليه. وما العبادات، والأذكار وجميع الفرائض من واجبات، ومستحبات، ومكروهات، ومحرمات، ومباحات بكل أحكامها إلا وسيلة لتَعبيد الإنسان لله، وتحقيق مَلكة التقوى والورع فيه، بل (إن مسيرة الناس في رأي الإسلام يجب أن تكون مرتبطة بالله في الدوافع والأهداف, فبدون ارتباط المحدود بالمطلق، والمخلوقين بالخالق تنحرف مسيرة المخلوقين، وتضيع، ويبقى الناس في اسر الفهم السطحي الجاهلي للأشياء والأسباب، والأهداف. وفي إطار الارتباط بالله فقط يمكن للناس أن يعيشوا الفهم الإسلامي ويعملوا فيها بمقاييسه)

المصدر: كتاب دراسات أخلاقية في ضوء الكتاب والسنة

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com