موقع الصراط ... الموضوع : الاستقامة-3<br>الاستقامة في القرآن
 
الأحد - 30 / رمضان / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الاستقامة-3
الاستقامة في القرآن
 
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 20 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
الاستقامة في القرآن :
يمكن تقسيم العرض القرآني للاستقامة إلى ثلاثة أقسام هي:
أولاً: التأكيد على الاستقامة.
ثانياً: بيان عاقبة المستقيمين .
ثالثاً: وسائل الاستقامة.
أما التأكيد عليها فقد جاء بصيغة الأمر القطعي الذي لا يقبل التردد والتراجع لأن الأمر يفيد الوجوب كما يقول الأصوليون، يقول تعالى :
((فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) (هود:121)
((فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)) (الشورى:15)
((فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)) (التوبة:7)
إذا تأملنا جيداً في هذه الآيات المتقدمة نجد أن الأوامر قطعية ملزمة بوجوب الاستقامة والثبات على امتثال أوامر الله تعالى، والصمود في وجه العدوان على حرمات الله حتى يرتد منحسراً، كسيراً، مندحراً، مخذولاً، خاسئاً ذليلاً، وبغير الاستقامة لا يمكن أن يتحقق شيء من أهداف الإسلام العظيم؛ ولذا قال أمير المؤمنين (ع): (من استقام فإلى الجنة، ومن زلّ فإلى النار) وجاء تأكيده على الاستقامة بعبارة أوضح في قوله (ع): (العمل العمل، ثم النهاية النهاية والاستقامة الاستقامة)
وأما القسم الثاني من آيات الاستقامة فقد بينت عاقبة المستقيمين على دينهم الثابتين على عقيدتهم، وزفّت لهم البشرى بالإمداد الغيبي، ونصرة عباده المطهرين من الملائكة المقربين إلى الله تعالى في الدنيا والآخرة كما بشرهم تعالى بالجنة والنعيم الدائم. يقول تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أََّلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي اْلآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ)) (فصلت:30-31)
إن سعادة المجتمع البشري وازدهاره بالخير والبركات مشروط باستقامة الأمة على منهاج أمر الله تعالى، وعلى الطريقة الصالحة في عبادته، ونيل تقواه وهذا ما يُهطل السماء رحمة وبركة على أهل الأرض.
((وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً)) (الجن:16)
((وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ َلأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ)) (المائدة:66)
وأما القسم الثالث من آيات الاستقامة فقد بينت السبل والوسائل المؤدية إلى الاستقامة نذكر منها على سبيل الإجمال :
الإيمان بالإمداد الغيبي :
يستمد المؤمن العون من الله تعالى على تجاوز العقبات في طريقه لعلمه بأنه بعين الله تعالى لن ينساه، ولن يقليه، وأنه معه أين ما حل وأين ما ارتحل … إن الشعور بالمعية الإلهية يمنح الإنسان قوة جبارة تتناسب تناسباً طردياً مع درجة إيمانه ففي الساعات الحرجة والظروف الصعبة نجد الحبيب المصطفى (ص) ، حيث رأى الحزن والاضطراب بادياً على صاحبه، وهما في الغار، وكل العالم يطارده ليستأصل شوكة الإسلام، يقول له: ((لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) (التوبة:40) علام الحزن والاضطراب إذا كانت يد الله هي التي تسددك، وتعينك وتوجهك، وتكفيك كيد الأعداء ؟! وتأكيداً لهذه الحقيقة جاءت آيات الاستقامة صريحة تبشر المؤمنين بالإمداد الغيبي لهم معنوياً ومادياً متجسداً بإنزال الملائكة لنصرتهم في جهادهم ضد العدو الكافر، يقول تعالى في وصف هذه الحقيقة: ((إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إَِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) (الأنفال:9-10)
((إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)) (الأنفال:12)
((إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ (آل عمران:124-125)
إن هذا الإحساس بالإمداد الغيبي يجعل المؤمن قوياً مستقيماً لا يطلب العون من غير بارئه وهذا هو السلاح الجبار الذي تسلح به رسل الله على طول خط الرسالة، فقد كانوا يستمدون النصر والعون من هذا الإيمان، واليقين بالإمداد الغيبي، وخير مثال على ذلك إبراهيم خليل الرحمن (ع) حين يلقى في النار لم يطلب العون حتى من جبريل (ع) حين عرضه عليه كما في بعض الروايات، ولم يغير هذا الموقف من شعوره وإحساسه بنصر الله، وثقته الكاملة به، ولم يجره إلى الخوف، أو التراجع قيد أنمله قال أبو عبد الله (ع): (لما أجلس إبراهيم في المنجنيق وأرادوا أن يرموه به في النار أتاه جبرئيل فقال: السلام عليك يا إبراهيم ورحمة الله وبركاته ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. فلما طرحوه دعا الله فقال: يا الله، يا واحد، يا أحد، يا صمد، يا من لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فحسرت النار عنه وإنه لمحتبي، ومعه جبرئيل وهما يتحدثان في روضة خضراء)
وهذا كليم الله موسى (ع) حين قال له أصحابه: ((إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)) (الشعراء:61) يعني من جيش فرعون المطارِد لهم وهم هاربون من بطشه وظلمه حيث البحر أمامهم، والعدو خلفهم أجاب ((قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)) (الشعراء:62)
وهكذا رأينا خاتم الرسل (ص) في ساعة العسر والشدة حين أَقبلت زحوف قريش، وأمامها عَدد قليل من المؤمنين، وعُدد ضعيفة، يقول ابن مسعود: (ما سمعت مناشداً يَنْشدَّ أشد من مناشدة محمّد (ص) يوم بدر، جعل يقول: (اللهم إِني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تَهلك هذه العصابة لا تُعبد)
تلك هي المواجهة الحقيقة، بقوة الله لا بقوته، حيث تكالبت قوى الكفر والشرك والنفاق، وأجمعت على إطفاء شعلة التوحيد، وأقبلت من كل مكان صوب المدينة المنورة. وهكذا لازال هاتفاً متضرعاً بخشوع تتهاوى له الجبال الرواسي، وترتعد منه السماء حتى يسقط رداؤه يستمطر النصر، ويستمد العون من الله تعالى.

المصدر: كتاب دراسات أخلاقية في ضوء الكتاب والسنة

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com