موقع الصراط ... الموضوع : الاستقامة-4<br>مواصلة ذكر الله تعالى
 
الخميس - 6 / جمادي الثاني / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الاستقامة-4
مواصلة ذكر الله تعالى
 
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 20 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
مواصلة ذكر الله تعالى :
إن لكل مبدأ قاعدة ينطلق أتباعه منها، ويرجعون إليها، ويستمدون العون منها . ولما كان الإيمان بالله هو قطب الرحى في التصور الإسلامي مبدأ وحركة ومعاداً، بل كل شيء يتعلق بحياة الإنسان، وتقرير مصيره في الدنيا والآخرة، وهذا هو مدلول الشعار الإسلامي: ((إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)) (البقرة:156) فقد سمع أمير المؤمنين (ع) رجلاً يتلفظ بهذا الشعار، فقال (ع): (إن قولنا: [إنا لله] إقرار على أنفسنا بالملك، وقولنا: [ وإنا إليه راجعون ] إقرار على أنفسنا بالهلك)
ومادام الإنسان معرضاً للغفلة والنسيان، وهما من أهم أسباب الزلل والانحراف عن جادة الحق؛ لذا يجب على المؤمن أن يواصل ذكر الله بطاعته يقول رسول الله (ص): (من أطاع الله فقد ذكر الله، وإن قلت صلاته، وصيامه، وتلاوة القرآن، ومن عصى الله فقد نسى الله، وأن كثرت صلاته، وصيامه، وتلاوته للقرآن)
يقول العلامة الطباطبائي معلقاً على الحديث: (في الحديث إشارة إلى أن المعصية لا تتحقق من العبد إلا بالغفلة، والنسيان، فإن الإنسان لو ذكر ما حقيقة معصيته، وما لها من الأثر لم يقدم على معصيته) ومن هنا كانت مواصلة الذكر حصانة ومناعة تجعل المؤمن في يقظة وحذر وانتباه يمنعه من الوقوع في المخالفات الشرعية. إذن الذكر الدائم عامل مهم، بل من أهم العوامل التي تؤدي إلى الاستقامة المبدئية، وحينئذ يكون الإنسان في شعور دائم بأنه بعين الله، وأن الله معه، هو دليله، ومعينه، وكافيه؛ ولهذا جاء البرنامج العبادي في الإسلام رابطاً للإنسان المؤمن بالله عز وجلّ في كل حالة من حالاته ؛ لئلا يتعرض للانحراف ولأجل هذا نجد في سيرة الرسول (ص) وسيرة أهل بيته المعصومين (ع) لكل حالة ذكراً خاص، وما من وضع خاص من أوضاع الإنسان سواء كان حركةً، أو سكوناً إلا ولها ذكر خاص من نوم، أو أكل، أو لقاء، أو مجلس عام، أو خاص، أو حرب أو سلم، أو شدة، أو رخاء، ولعل هذا هو مدلول قوله تعالى: ((فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ)) (النساء:103) وهو كناية عن الذكر المستوعِب لجميع الأحوال كما وصف تعالى عباده الذاكرين ((الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ)) (آل عمران:191) وقد روي عن رسول الله (ص) إنه كان يذكر الله في كل أحواله، ولا يقوم ولا يقعد إلا على ذكر الله، وعن أم سلمة، قالت: (كان رسول الله (ص) بآخره [بآخر أمره] لا يقوم، ولا يقعد، ولا يجيء، ولا يذهب إلا قال: سبحان الله وبحمده، استغفر الله ، وأتوب إليه، فسألناه عن ذلك فقال: إني أُمرت بها، ثم قرأ: ((إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)) )
إن استمرارية الذكر تحفظ الإنسان من الزيغ، والانحراف، والزلل لأن الذكر استحضار لرقابة الله ومعيته، ولا يمكن لمن يعيش الرقابة الإلهية أن ينحرف عن جادة الصواب، وبهذا تتحقق الاستقامة على خط الإيمان ... فالصلاة اليومية، وصلاة الجمعة، والعيدين وغيرها من الصلوات الواجبة والمستحية محطات أمان من الغفلة والنسيان، ولذا كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، بل اعتُبِرت مواصلة الذكر صلاة، وهو أبلغ تعبير عن أهمية الذكر في استقامة حياة الإنسان الإيمانية فعن الإمام الباقر (ع): (لا يزال المؤمن في صلاة ما كان في ذكر الله قائماً كان، أو جالساً، أو مضطجعاً،إن الله تعالى يقول: ((الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ)) )
وليست الصلاة وحدها ذكراً، بل إن الصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلها فرائض تشد الإنسان إلى خالقه إذا لاحظنا الشرط الأساسي فيها وهو: (نية التقرب إلى الله تعالى) حيث لا يُقبل أي عمل بدونها، بل يجب أن تؤدى خالصة لله وبلا ضميمة أخرى إليها. وبإجماع الفقهاء أن الإنسان إذا أدخل معها أي ضميمة أخرى أو قصد آخر، فقد فَقَدَ العمل قيمته العبادية مهما كان كبيراً، ولو بمستوى بذل النفس؛ لأن الأصل في الإسلام: أن قيمة العمل تنشأ من الدوافع التي ينطلق منها العامل لا من المنافع التي ينتجها العمل روي عن النبي (ص) أنه قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)
ولم يقتصر الإسلام في مسألة الذكر على الفرائض اليومية المعروفة بل شمل جميع شؤون الإنسان الأخرى؛ ليكون ذكر الله تعالى عنصراً فعالاً في تربيته، وبناء شخصيته؛ ولهذا نرى أن الذكر يواكبه من مبدأ تكوينه حين يوضع نطفة في رحم أمه، حيث يسمي الواضع حين الوضع باسم الله، ومروراً بيوم ولادته، حيث يُؤَذن بإذنه اليمنى، ويُقام في اليسرى، وانتهاء برحيله عن هذه الدنيا، حيث يخاطَب (يلقن) - من باب مخاطبة الروح للروح - بأسس الإسلام العظيم: الله ، الرسول، القرآن، الإمام، القبلة، القيامة في آخر محطة يفارق فيها الدنيا، ويحل في الآخرة. ولا يقتصر الذكر على اللسان والقلب، بل يشمل جميع جوارح الإنسان، وجوانحه كما ورد عن بعض الصالحين: أن (الذكر مقسوم على سبعة أعضاء: اللسان، والروح، والنفس، والعقل، والمعرفة والسر، والقلب. وكل واحد منها يحتاج إلى الاستقامة، فأما استقامة اللسان فصدق الإقرار ، واستقامة الروح صدق الاستغفار، واستقامة القلب صدق الاعتذار، واستقامة العقل صدق الاعتبار، واستقامة المعرفة صدق الافتخار، واستقامة السر السرور بعالم الأسرار واستقامة القلب صدق اليقين ، ومعرفة الجبار، فذكر اللسان الحمد والثناء، وذكر النفس الجهد والعناء، وذكر الروح الخوف والرجاء ، وذكر القلب الصدق والصفاء، وذكر العقل التعظيم والحياء، وذكر المعرفة التسليم والرضاء وذكر السر على رؤية اللقاء)
وتتجلى حقيقة شمول الذكر لجميع جوارح الإنسان، وجوانحه بشكل أدق وأوضح في رسالة الحقوق للإمام السجاد (ع) الذي جعل على كل جارحة وجانحة حقاً، وما هذا الحق إلا ذكر الله تعالى؛ لان في إخضاعها لأحكام الله وتسخيرها لخدمته أعظم الذكر، وهو الذكر العملي.
والذكر عملية متبادلة بين الذاكر وربه، وهذا عامل دفع قوي؛ لمواصلة الذكر، يقول تعالى: ((فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ)) (البقرة:152)
وذكر الله للإنسان يعني شموله بلطفه له تعالى، وعنايته به، وقربه منه ورضوانه عنه، وإدخاله في فيض رحمته، وإنزال السّكينة عليه، وإفاضة البركات عليه، وإلزامه كلمة التقوى التي تعتبر العمود الفقري للاستقامة المبدئية في خط الإسلام العزيز أرواحنا فداه ... وقد أكدت الروايات المستفيضة على عملية التبادل هذه في الذكر بين العبد وربه، فعن أبي عبد الله (ع) قال: (قال الله تعالى: ابن آدم اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي، ابن آدم اذكرني في الخلاء أذكرك في خلاء، ابن آدم اذكرني في ملأ أذكرك في ملأ خير من ملئك، وقال: ما من عبد يذكر الله في ملأ من الناس إلا ذكره الله في ملأ من الملائكة)
والذكر بعد ذلك عملية انفتاح عقلي، وروحي، ونفسي لبصيرة الإنسان على الله تبارك وتعالى حتى يصبح الذاكر لا يرى شيئاً إلا ويرى الله قبله، وفيه وبعده، ثم هو استمطار للألطاف الإلهية ببذل الطاقة النفسية، وعملية الذكر هذه تحتاج إلى الجهد، والعناء والخوف، والرجاء، والصدق، والصفاء؛ ولهذا فليس الذكر مجرد حركة اللسان، بل هو فيض يطفح فيه القلب فيجري على اللسان ، وإدراك في العقل يحكم الجوارح، ويضعها على الصراط السوي. وهذا ما أكدته وصية رسول الله (ص) لعلي (ع): (يا علي ثلاث لا تطيقها هذه الأمة: المواساة للأخ في ماله، وإنصاف الناس من نفسه، وذكر الله على كل حال، وليس هو سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولكن إذا ورد على ما يحرم الله عليه خاف الله عنده وتركه)
وعن أبي عبد الله (ع): (ما ابتلي المؤمن بشيء أشد عليه من خصال ثلاث يحرمها. قيل: وما هي؟ قال: المواساة في ذات الله ، والإنصاف من نفسه في ذات يده، وذكر الله كثيراً، أما إني لا أقول لكم: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولكن ذكر الله عندما أحل، وذكر الله عندما حرم عليه)
ومن هنا نفهم أن الذكر أشمل وأعم من الألفاظ، بل هو استذكار واستحضار لأوامر الله تعالى لعبده، وإحساس العبد بحضوره، وهيمنته عز وجل وشعوره بالمسؤولية أمامه، وكلما تنامى هذا الإحساس والشعور دفع العبد إلى امتثال أوامر الله؛ لتحكيم إرادته تعالى في الفكر ، والعاطفة، والسلوك … وحينئذ يتحول ذكر الله إلى قوة نفسية دافعة نحو الطاعة، ومانعة عن المعصية، فهو قول يتحول إلى عمل، وإحساس يتحول إلى حركة في طريق الكدح إلى الله؛ لنيل رضاه تعالى .
وخلاصة القول: إن الذكر الذي يحقق الاستقامة عند الإنسان ليس الذكر اللساني، وترديد بعض الأذكار والأوراد المعروفة من قبيل التسبيح والتحميد والتكبير، والتهليل فقط، وإنما إذا كان جريانها على اللسان نتيجة عمق الشعور بالهيمنة الإلهية على حياة الإنسان؛ فالذاكر يتحرك ضمن كل أمر أًمرَ الله به ويتوقف عند كل نقطة منع الله تعالى الولوج فيها، وبذلك يمتزج الإحساس الروحي بالقول اللساني؛ ليصبح قوة جبارة تمنح الإنسان الطاقة، والحركة والثبات، والاستمرار في مقاومة التيارات المعاكسة لخط الإيمان بدون وهن، ولا ضعف، ولا استكانة، وهذا هو سلاح الربانيين كما وصفهم الله تعالى: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إَِّلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)) (آل عمران: 146-147)


المصدر: كتاب دراسات أخلاقية في ضوء الكتاب والسنة

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com