موقع الصراط ... الموضوع : الاستقامة-5<br>أوقات الذكر في القرآن الكريم
 
الجمعة - 11 / محرم / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الاستقامة-5
أوقات الذكر في القرآن الكريم
 
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 20 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
أوقات الذكر في القرآن الكريم :
ولأهمية هذه الشعيرة العظيمة جاءت الآيات صريحة بتعيين أوقات لها لتضع المؤمن أمام برنامج روحي منظم يشده إلى الله تعالى، ولا ينساه لحظة واحدة من لحظات زحمات الحياة، وإلى هذه الأوقات نشير إشارة موجزة بدون تفصيل :
أولاً: قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، يقول تعالى: ((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى)) (طه:130)
((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)) (ق:39)
ثانياً: العشي والإبكار، يقول تعالى: ((فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ)) (غافر:55)
((وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ)) (آل عمران:41)
((فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّا)) (مريم: 11)
والبكرة هي الغداة أول النهار، والعشي من حين زوال الشمس إلى غروبها.
ثالثاً: البكرة والأصيل. يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً  وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)) (الأحزاب41 -42)
ومعنى (الأصيل: العشي، وجمعه أصائل، ويقال أصل وأصائل هو أصل الليل أي أوله ومبدأه)
رابعاً: أوقات السحر: وفي خصوص هذا الوقت جاءت آيات متعددة وفي صيغ مختلفة بين أوامر بالذكر، وبين مدح للذاكرين، يقول تعالى :
((يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل قُمِ اللَّيْلَ إَِّلا قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً)) (المزمل:1 -6)
((وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)) (الإسراء:79)
((وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً)) (الإنسان:26)
((وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ  وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَاِدْبَارَ النُّجُومِ)) (الطور:48- 49)
في هذه الآيات صيغ آمِرَة بالذكر والدعاء: قم، رتل، اسجد، سبح، اصبر وفيها دلالات عظيمة على أهمية الذكر، وقيام الليل بذكر الله تعالى حيث يختلي الحبيب بحبيبه ؛ ليبث إليه همومه، ويرفع إليه مطالبه بتجرد، وضراعة، وخشوع وبكاء، وحب، وتوسل أن يقبله في حضرته، ويدخله في واسع رحمته. إنها حالات تستمطر الرحمة من الله على عباده الخاشعين المتوسلين الذين هجروا لذة الرقاد، وتلذذوا بمناجاة الحبيب ((تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون)) (السجدة:16-17)
ولا يستوي هؤلاء الذاكرين مع غيرهم من الراقدين ((أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَاب)) (الزمر:9)
((إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون وَبِاْلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون)) (الذريات:15- 18)
هذه بعض الأوقات التي عرضها القرآن الكريم للذكر والدعاء ذكرناها للذكرى بدون تفصيل خشية التطويل والخروج عن موضوع البحث، وفي تذكرها والالتزام بها دور عظيم في استقامة المؤمن في خط التوحيد .
وأما ما ورد في الأخبار والأحاديث الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة (ع) فلا تخرج عن هذا الإطار؛ لأنهم هم خزّان علم الكتاب وعِدله الأصغر فعندما نستقرأ النصوص الواردة عنهم نجد أنهم (ع) أشاروا إلى الحالات التي يستجاب فيها الدعاء وهي علي أنحاء أهمها:
الأول: أوقات معينة أهمها: الفجر، وبعد الزوال، وبعد المغرب، وأوقات السحر وخصوصاً إذا مضى نصف الليل، وفي السدس الأول من أول النصف الأخير .
الثاني: في حالات نفسية تعتري الإنسان أهمها: حالة رقة القلب، وسكونه واطمئنانه، وقشعريرة الجلد، ودمع العين .
الثالث: في حالات حدوث بعض الأحداث الكونية: كهبوب الرياح وزوال الأفياء، ونزول المطر .
الرابع: في حالة القيام ببعض الأعمال العبادية: كقراءة القرآن، وعند الأذان، وعند التقاء الصفين في الجهاد، وخصوصاً حالة حضور استشهاد مؤمن وسقوط أول قطرة من دمه، وإذا رجعنا إلى زبور آل محمد (ص) (الصحيفة السجادية) التي تعتبر بحق مدرسة الذكر الإسلامي بعد كتاب الله، وسنة رسوله، نجد أن مُنشأها (ع) يذكر الله في أوقات مختلفة منها يوميه ومنها إسبوعية، ومنها سنوية، وله أذكار خاصة في الظواهر الكوينة كالرعد، والبرق، وظهور الهلال في يومي الأضحى، والفطر المباركين، ويوم الجمعة، وحين يرى انغمار أهل الدنيا بدنياهم، وحين ينعى إليه أحداً . وكل ذلك دروس عملية في استمداد العون والمدد من الله تعالى؛ ولترسيخ أشجار الشوق والحب في نفوس المؤمنين ليستقيموا على النهج القويم، وهذا المنهج يضعنا أمام برنامج عبادي، تربوي تعبوي متكامل طافح بذكر الله في مختلف حالات الإنسان .
وعند ما نجمع بين كل ما تقدم من أوقات الدعاء في القرآن الكريم، والسنة المطهرة، نعرف أنه ليس من وقت من الأوقات إلا وله ذكر. والنتيجة النهائية إن الإنسان المؤمن يكون ذاكراً لله على كل حال، وفي كل وقت. وهذا هو سبيل الاستقامة الأساسي؛ لأن مواصلة ذكر الله تجعل العبد في رحاب الله تعالى بشكل دائم، وتزيده قرباً منه جل جلاله ، وكلما اقترب كلما زاد اطمئنانه ((الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)) (الرعد:28) فإذا اطمئن القلب ثبت فيه الإيمان، واستقرت دعائمه، وتحققت الاستقامة المبدئية فيه حتى يصبح لا يرى مؤثراً في الوجود إلا الله تعالى. وهذه هي نهاية العلم، وزبدة الإيمان.

المصدر: كتاب دراسات أخلاقية في ضوء الكتاب والسنة

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com