موقع الصراط ... الموضوع : الاستقامة-9<br>نماذج رسالية امتحنت فاستقامت
 
الأحد - 16 / شعبان / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الاستقامة-9
نماذج رسالية امتحنت فاستقامت
 
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 20 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
نماذج رسالية امتحنت فاستقامت :
عندما نستعرض التاريخ الرسالي ونتأمل فيه جيداً نجد فيه من المؤمنين من تعرض لامتحانات رهيبة: ضغوط اجتماعية، وسياسية، وفكرية، نفسية وبدنية فصبرت وتحدت تلك الضغوط، ولم تستسلم لها اعتماداً على الله وأملا بنيل رضاه فأصبحت أمثلة حية يُقتدى بها على طول مسار خط الإيمان و مشاعل تنير الدرب للسائرين إلى يوم القيامة. إنها نماذج استعلت على زخارف الدنيا واستهانت بالطغاة فلم تخضع لكل المؤثرات والمغريات الدنيوية. وهذه النماذج الحية حَرِيَة بالدراسة، والتحليل، والتأمل في مواقفها فإنها رسالة سماوية تجسدت فيهم على الأرض، وعرفتنا قوة الإيمان، وصلابة المؤمن، ومدى ما يمكن أن يبذله المؤمن في سبيل الله، وقد ضرب القرآن الكريم أمثلة مهمة من أولئك العظماء كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون، وأصحاب الأخدود، وموقف التحدي الذي برز على سحرة فرعون بعد إيمانهم بالله حين عرفوا (فرعون) وردوا على تهديده حين قال لهم: ((لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِين)) (الشعراء:49) فأجابوه بكل جرأة وتحد وهم يعلمون أنه الطاغية الذي يفعل ما يقول ((قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ  إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِين)) (الشعراء:50-51) ولأهمية هذا الموقف وعظمته في تاريخ رسالات السماء، جاء في القرآن الكريم عدة مرات بصيغ مختلفة منها قوله تعالى: ((قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)) (طه:72-73)
وفي آية أخرى: ((إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ)) (الشعراء:50-51)
هذا مضافاً إلى قصص الأنبياء والمرسلين وما تعرضوا له من تحديات وضغوط وما حدثنا التاريخ به من صلابة أصحاب الرسول الأعظم (ص) وأصحاب علي (ع) وأولاده المعصومين في مواجهة القوى المعاكسة لتيار الحق والعدل وصبرهم في طريق ذات الشوكة وها نحن نذكر بعض تلك النماذج على سبيل المثال:
1 - آسية بنت مزاحم :
هذه المرأة مثال عظيم من أمثلة الإيمان حيث إنها واجهت نوعين من الامتحانات والفتن في سبيل الله فقد تجاوزت إغراء المال، والملك، والنعيم الدنيوي في قصور فرعون، وما فيه من لذات كثيرة، وظهور اجتماعي يخطف الأبصار، وتسيل لأجله لعاب الرجال، وسلطة كبيرة تزهق الأرواح بالكلام والإشارة، وليس من الهين أن يتجاوز الإنسان كل ذلك لولا علو الإيمان وقوته وهذا لا شك أشد من التعذيب البدني الشديد الذي تحمتله من فرعون بعد أن اكتشف إيمانها. قال الشيخ المجلسي ناقلاً عن ابن عباس: (وأما امرأة فرعون آسية فكانت من بني إسرائيل، وكانت مؤمنة، مخلصة وكانت تعبد الله سراً وكانت على ذلك إلى أن قتل فرعون امرأة (حزبيل) فعاينت حينئذٍ الملائكة يعرجون بروحها لما أراد الله تعالى بها من الخير فزادت يقيناً، وإخلاصاً وتصديقاً، فبينا هي كذلك إذ دخل عليها فرعون يخبرها بما صنع بها، فقالت: الويل لك يا فرعون، ما أجرأك على الله جل وعلا؟ فقال لها: لعلكِ قد اعتراكِ الجنون الذي اعترى صاحبتكِ، فقالت: ما اعتراني جنون لكن آمنت بالله تعالى ربي وربك ورب العالمين، فدعا فرعون أمها، فقال لها: إن ابنتك أخذها الجنون، فأقسم لتذوقن الموت، أو لتكفرن بإله موسى، فخلت بها أمها فسألتها موافقة [ فرعون فيما أراد] فأبت، وقالت: أما أن أكفر بالله فلا والله لا أفعل ذلك أبداً، فأمر بها فرعون حتى مدت بين أربعة أوتاد ثم لا زالت تعذب حتى ماتت، كما قال الله سبحانه: ((وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ)) (الفجر:10) )
وبهذا التحمل والصبر والاستقامة استحقت الخلود والذكر الجميل عبر الأجيال المتعاقبة وإلى يوم القيامة؛ لتكون أُسوة لبنات جنسها وغيرهن، يقول تعالى: ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) (التحريم:11)
وهكذا يستعلي الإيمان على الكفر، وتبذل النفوس رخيصة في سبيله وترتفع الأرواح إلى بارئها ضاحكة مستبشرة، لاستقامتها على دين الله وفوزها برضوانه الذي تهون من أجله كل شدة وعذاب فلقاء المحبوب، ونيل المطلوب يُحَوِّل أشواك العناء إلى زهور، والآلام إلى أفراح فعن ابن عباس قال :(أخذ فرعون إمرأته آسية حين تبين له إسلامها يعذّبها؛ لتدخل في دينه، فمرّ بها موسى وهو يعذّبها فشكت إليه بإصبعها، فدعا الله موسى أن يخفف عنها، فلم تجد للعذاب مسّاً، وإنها ماتت من عذاب فرعون لها، فقالت وهي في العذاب: ربِ ابن لي عندك بيتاً في الجنة، وأوحى الله إليها: أن ارفعي رأسك، ففعلت فأُريت البيت في الجنة بني لها من درّ فضحكت، فقال فرعون: إنظروا إلى الجنون الذي بها تضحك وهي في العذاب)
2 – سمية أم عمار بن ياسر :
من أوائل الذين تعرضوا لفتنة الجاهلية، وتحملوا التعذيب الشديد عائلة آل ياسر: عمار وأبوه وأمه. وكانت هذه المرأة المؤمنة ممن عذب في الله تعالى أرادت قريش منها أن ترجع عن الإسلام إلى الكفر فأبت فضربها أبو جهل بحربة في قلبها فماتت، وقيل حين وقعت تحت سباط الجلادين أغمى عليها من شدة الضرب ولما أفاقت فتحت عينها، وطلبت أن تكلم الجلاد بصوتها الضعيف، ولما اقترب منها سألته: (هل محمّد بخير) ولم يتحمل أبو جهل هذا التحدي والإصرار فاستشاط غضباً وطعنها فكانت أول شهيدة في الإسلام .
3 – خباب بن الأرت :
من المؤمنين الأوائل الذين عذبوا في الله فثبتوا، أخذه الكفار، وعذبوه عذابا شديداً كانوا يعرونة ويلصقون ظهره بالرضف (وهي الحجارة المحماة بالنار) ولووا رأسه فلم يجبهم إلى شيء مما أرادوا منه. وروي السيد الأمين عن العلامة بحر العلوم في رجاله: (خباب بن الأرت التميمي أبو عبد الله أحد السابقين الأولين الذين عذبوا في الدين فصبروا على أذى المشركين. روي أن قريش أوقدت له ناراً وسحبوه عليها فما أطفأها إلا ودك ظهره وكان أثر النار ظاهراً عليه في جسده، وحينما سئل عما لقي من المشركين فقال: انظر إلى ظهري أُوقدت لي ناراً وسُحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري، وفي رواية أًلبسوه الدروع وصهروه في الشمس فبلغ منه الجهد ما شاء أن يبلغ من حر الحديد والشمس قال الشعبي: إن خباباً صبر ولم يعط الكفار ما سألوه فجعلوا يلصقون ظهره بالرضف حتى ذهب لحم متنه . ولهذا الصبر والتحمل في سبيل الله نرى أن الإمام علي يترحم عليه، ويذكر صبره واستقامته على دين الله، وهي شهادة عظيمة لا يعدلها شيء: (رحم الله خباباً قد أسلم راغباً، وهاجر طائعاً وعاش مجاهداً وابتلى في جسده أحوالاً، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً)
4 - حجر بن عدي الكندي :
من خُلص الموالين لأمير المؤمنين (ع) قال عنه المؤرخون له صحبة، ووفادة، وجهاده، وعباده، ومن أفاضل الصحابة، ثقة معروف شهد فتح مرج العذراء وكان عابداً، زاهداً، ما أحدث إلا توضأ، وما توضأ إلا صلّى، وهو أول من قتل صبراً في الإسلام، وكان قائداً شجاعاً أبيَّ النفس، عارفا بالله تعالى مقاوما للظلم لا يبالي بالموت في سبيل عقيدته، بذل كل ما يملك حتى جاد بنفسه في ولاية أمير المؤمنين (ع) وكان قدوة لأصحابه الذين صبروا معه، ومن أمثلة تفانيه في سبيل الله جوابه لأمير المؤمنين (ع) حين استنفر القوم لحرب أهل الجمل فلم يجيبوه فقام حجر وقال: (لا يسوؤك يا أمير المؤمنين مُرنا بأمرك نتبعه فوالله ما نعظم جزعاً على أموالنا إن نفذت، ولا على عشائرنا إن قتلت في طاعتك) ولما أخذ مغفوراً إلى الشام بأمر ابن زياد، قال معاوية أخرجوهم فاقتلوهم، هناك فحملوا إليها، فقال حجر: ما هذه القرية؟ قالوا عذراء قال: الحمد لله، أما والله إني لأول مسلم نبح كلابها في سبيل الله، ثم أُتي بيَّ اليوم إليها مصفوداً. وفي أسد الغابة لما أشرف حجرعلى مرج عذراء قال: إني لأول المسلمين كبَّر في نواحيها) وفي رواية أخرى: (الحمد لله إني لأول مسلم ذكر الله فيها وسبحه وأول مسلم نبح عليه كلابها في سبيل الله ثم أنا اليوم أحمل إليها مصفداً في الحديد)
لقد وقف حجر وأصحابه موقفاً صلباً هز الضمير الإسلامي ، وكشف زيف الحكم الأموي الذي يضمر الكفر ويتقنع بالإسلام فقد قال رسول معاوية له ولأصحابه : (إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي، واللعن له فإن فعلتم هذا تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم وأمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت بشهادة أهل مصركم عليكم غير أنه قد عفا عن ذلك فابرأوا من هذا الرجل يخل سبيلكم قالوا لسنا فاعلين)
وتتجلى عظمة صبر واستقامة حجر عندما قدم للإعدام فقد ضرب المثل الأعلى في الفداء والتضحية والثبات على عقيدته قال المرزباني: (ثم مشى إليه هدبة بن الفياض الأعور بالسيف فارتعدت فصائله، فقالوا زعمت أنك لا تجزع من الموت فإنا ندعك فابرأ من صاحبك فقال: مالي لا أجزع وأنا أرىً قبراً محفورا وكفناً منشورا، وسيفاً مشهوراً؟ وإني والله لا أقول ما يسخط الرب . فقال له: فابرأ من علي وقد أعد لك معاوية جميع ما تريد إن فعلت فقال: ألم أقل لك إني لا أقول ما يسخط الرب، ثم قال: إن كنت أُمرت بقتل ولدي فقدمْه فَقَدمه فضُربت عنقه، فقيل له تعجلت الثكل؟ فقال خفت أن يرى ولدي هول السيف على عنقي فيرجع عن ولاية أمير المؤمنين علي (ع) فقيل لحجر: مد عنقك فقال: إن ذلك لدم ما كنت لأعين عليه، فقدم فضربت عنقه)
وهكذا يمضي الأباة في خط الولاية الحقة مستهنين بكل الصعاب مهما بلغت التضحية بكل غال ونفيس، وهذا هو منتهى الثبات والاستقامة، وهذا هو الخلود الأبدي، وهكذا فليكن رجال العقيدة وإلا فلا .
5 - محمّد بن أبي عمير الأزدي :
من أصحاب الأئمة الأطهار، وتلامذتهم نبغ في الفقه وصار علماً يرجع إليه حتى قيل: فيه: ابن أبي عمير أفقه من يونس بن عبدالرحمن، وأصلح، وأفضل عذب في سبيل الله تعذيباً رهيباً، وأصابه من الجهد والضيق أمر عظيم، وسلب الطغاة كل شيء منه إلا كتبه التي ضمنها أحاديث أهل البيت (ع) فقد دفنها وأصابتها رطوبة، أو أُرضة وتلفت وبقي مايحفظه منها أربعين جلداً سماها بعد ذلك نوادر. ومن نوادر صموده ما نقل عن الفضل بن شاذان أنه سُعي بمحمد ابن أبي عمير إنه يعرف أسامي عامة الشيعة بالعراق، فأمره السلطان أن يسميهم فامتنع، فجرد وعلق بين العقارين وضرب مائة سوط .
قال الفضل فسمعت من أبي عمير يقول: لما ضربت فبلغ الضرب مائة سوط أبلغ الضرب الألم إليَّ، فكدت أن أسمي، فسمعت نداء محمد بن يونس بن عبدالرحمن يقول: يا محمّد ابن أبي عمير: اذكر موقفك بين يدي الله تعالى فتقويت بقوله فصبرت ولم أخبر والحمد لله، قال الفضل: فأضرّ به هذا الشأن أكثر من مائة ألف درهم)
هذا غيض من فيض من تلك النماذج التي استقامت على دين الله تعالى وتركت لنا أسمى الدروس والعبر، وبقيت للأجيال مناراً خالداً إلى يوم القيامة إنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وما زالت تلك المدرسة الخالدة تقدم النماذج تلو النماذج، ولن تتوقف إلى يوم الدين .
وختاماً لهذا البحث أرى من الوفاء لتاريخ الصمود الرسالي أَن أذكر من هذه نماذجاً عاصرناها، ورأيناها بأم أعيننا كيف أعادوا حركة الرسالة من جديد وأيقضوا الأمة من سباتها العميق، وتحملوا من العذاب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر في سجون حزب البعث الصليبي، حيث سخرت كل أساليب الوحشية البشرية لإزهاق أرواح المؤمنين في زمن صار التعذيب فناً من فنون العصر الحديث فقد استورد فرعون العراق خبراء متخصصين في التعذيب النفسي والبدني؛ ولذا يمكن القول وبلا تردد أن ما تحمَّله مؤمنو العصر من الإرهاب يفوق كل ما أقدم عليه الطغاة في القرون السالفة، فقد جمعوا إلى خبرتهم خبرات الوحوش البشرية الأخرى، وأضافوا عليها، وبالرغم من ذلك فقد صمد الدعاة إلى الله صموداً أذهل الجلادين أنفسهم، فإن هذه الطاقات التي أودعها الله في خلص عباده أقوى من سياط الجلادين مهما بلغت (فما ضعف بدن عما قويت عليه النية).
وما عرفناه من جرائم هذه المسوخ البشرية قطرة من بحر جرائمهم في أقبية أبي غريب ومديرية الأمن (الرعب) العامة في بغداد، والفضيلية وغيرها، وها أنا أذكر نبذة من صمود هؤلاء الأبطال الرساليين الذين تأسوا بالماضين من أسلافهم وتركوا لنا سجلاً حافلاً بالمواقف الرسالية، فهذا الشهيد الرابع آية الله العظمى المفكر الإسلامي العظيم السيد محمّد باقر الصدر (قده) يرفض ما عرضه عليه فرعون العصر بقوة وجرأة لا نظير لها، فقد قال له رسول صدام إليه: نحن نعرض عليك أمورا ثلاثة وهي :
1 - أن تصدر فتوى بجواز الانتماء إلى حزب البعث، وأن ترفع فتواك السابقة بحرمة الانتماء إليه .
2 - وأن تتنازل عن تأييدك للإمام الخميني .
3 - وأن تُصدر فتوى بحرمة الانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامية .
فما كان من السيد الشهيد إلا أن يجيبه بصريح العبارة بلا خوف ولا تردد: (اذهب وقل لسيدك إنني قد صممت على الشهادة)
ويؤخذ من بيته بعد أن يحاصر فيه تسعة أشهر، ويودع في السجن هو وأخته العلوية الطاهرة بنت الهدى، ويعذب تعذيباً رهيباً فأبى إلا أن يبقى صامداً على رسالته، ويمضي إلى الله مضرجاً بدمه صابراً محتسباً .
وهذا الشهيد عبد الصاحب دخيل يعرض عليه المجرم ناظم كزار لعنه الله بين أن يذكر أسماء العاملين الإسلاميين، وبين أن يُرمى في حوض التيزاب، فقال متحديا له: كل الأسرار في صدري وأتحداك أن تخرج حرفاً واحداً منها، وُيلقى في حوض التيزاب، ولم ينفث ببنت شفة.
وهذا الشيخ عبد الجبار البصري يؤخذ من بيته، ويعذب تعذيباً شديداً ولم ينتزعوا منه كلمة واحدة، ثم يطلق سراحه في يوم جمعة، ويصادف رجوعه من السجن صلاة الظهر من ذلك اليوم، فيدخل المسجد ويعتلي المنبر ويؤدي واجبه الشرعي، ولم توقفه كل أساليب التهديد والإغراء، ولما فشلت كل أساليب الإغراء أخذ مرة أخرى وأودع السجن فكان مثالاً في الصبر والاستقامة وكان سلاحه الذي يقاوم به الجلادين وهو معلق والسياط تلهب ظهره (الله أكبر) ولما ساقوه إلى ما يسمى بمحكمة الثورة وأدخلوه في قفص الاتهام ، قال له المجرم مسلم الجبوري: لِمَ لم تُعدم إلى اليوم؟ فقال الشيخ: سوء تقدير منكم، فإني جعلت من المنبر (دكة) ومن السماعة (غرشة) ولم أسكت يوماً، فقال المجرم السفاح: هل تعرف ما هو حكمك؟ فقال الشيخ بكل جرأة وتحدٍ: أحكم كل ما شئت أن تحكم فكلما تحكم فهو لي، إعدامنا شهادة، وسجننا عبادة، وإطلاق سراحنا قيادة، وليس فيه شماتة، وإنما الشماتة عندما تسحب أنت ومن أمَّرَك إلى النار، وأنا أذهب إلى الجنة، وهكذا استمر داعياً إلى الله، ومتحدياً للظالمين حتى مضى شهيداً مضرجاً بدمه.
((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) (يوسف:111)

المصدر: كتاب دراسات أخلاقية في ضوء الكتاب والسنة
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com