موقع الصراط ... الموضوع : القيادة الحركية في الإسلام
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  القيادة الحركية في الإسلام  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 20 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
القيادة في الإسلام: هي تحمل مسؤولية توجيه الأمة، وإرشادها، وهدايتها في جميع الميادين الاجتماعية، والسياسية، والفكرية، والأخلاقية, وقيادتها لما فيه صلاحها وسعادتها في التحرر، والاستقلال، والتقدم، والازدهار، وبسط العدل، والقسط، والمساواة في الحقوق والواجبات بتعبيدها لله الواحد الأحد، فـ (إنَّ الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه) كما قال الإمام الحسين (ع)، إذن تتقوم شخصية الداعية بثلاثة أركان معرفية وسلوكية، هي: معرفة الله وأحكامِه وشرائعِه، والتعبدُّ بها لنيل رضاه؛ والتحرر عن عبودية من سواه, وهذا ما يتجلى بوضوح في (العبادات الرشيدة بوصفها تعبيراً عملياً عن الارتباط بالمطلق يندمج فيها عملياً الإثبات والرفض معا فهي تأكيد مستمر من الإنسان على الارتباط بالله تعالى, وعلى رفض أي مطلق من المطلقات المصطنعة) وهذا هو جوهر التوحيد المتمثل بالشعار الخالد (لا إله إلا الله)
ولما كان الداعية قائداً في الأمة وجندياً في الدعوة فهي قيادة فكرية وأخلاقية قبل كل شيء.
أما كونها قيادةً فكريةً: فإنَّ (فكر الدعوة هو القائد)، يعني (أنَّ الفكر المكتوب هو الموجه، وهو الذي يدير العمل، ولا يمكن لشخص أو لمجموعة أشخاص أنْ يديروا دفة العمل دون قيادة الفكر)
وبعبارة أخرى: إنَّ الفكر المكتوب للدعاة هو الموجه والمرشد، وعلى ضوئه يدار العمل، وعلى الداعية أن يستوعب هذا الفكر، بل يجب أنْ يعيه منهجاً سلوكياً يتجسد في فعله قبل قوله, فلا يقول إلا ما يفعل, ولا يفعل إلا ما يتطابق مع الخط الفكري الملتزم, وهكذا يستمر في التلقي والعطاء إلى أن يتأصل الفكر في وجدانه, ويصبح كياناً روحياً متلبساً به، وذائباً فيه فهو زاده الذي يقويه, وقائداً يوجهه ويهديه, وروحاً متوثبةً تدفعه وتُحَركه بوعي، وتعهد، والتزام.
وأما أنَّها قيادة أخلاقية: فإنَّ مكارمَ الأخلاق هي العنصر الأساس لنجاح الداعية في سلوكه مع نفسه, ومع مجتمعه, وبها يُحيي القيم الأخلاقية, ويربي الصالحين، ويرتفع بهم إلى المقام الرفيع لمعالي الأخلاق, وهذا ما أكده رسول الله (ص) بقوله: (إنَّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، ولأجل هذا جعلته (ص) السماءُ النموذج الأكمل للقيادة الأخلاقية، أسوةً وقدوةً ((وإنك لعلى خلق عظيم)) ، وفسر الإمام الباقر (ع) الخُلق العظيم بالإسلام؛ لأنَّ السمو الخلقي روح الدين وجوهره, ودليلنا على ذلك سنة الحبيب المصطفى (ص) فقد جاءه رجل من بين يديه, فقال: (يا رسول الله، ما الدين؟ فقال (ص): حسن الخلق. ثم أتاه عن يمينه، فقال: ما الدين؟ فقال (ص): حسن الخلق، ثم أتاه من قبل شماله, فقال: ما الدين؟ فقال (ص): حسن الخلق. ثم أتاه من ورائه, فقال: ما الدين ؟ فالتفت إليه, وقال: أما تفقه، الدين ألا تغضب)
فالقيادة الأخلاقية شرط للقيادة السياسية، أي ما لم يتمتع الإنسان بالقيم الأخلاقية فلا يصلح - وفق النظرية الإسلامية - للقيادة السياسية للمجتمع الإسلامي؛ لأنَّ القائد (السياسي المسلم إن إنحرف عن القيم والأخلاق الإسلامية تحوّل هدفه من خدمة القيم والمبادئ الإلهية الخيرة, وعبادة الله إلى عبادة ذاته وهواه ((أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً)) فيتحول إلى طاغية متسلط يستعبد الناس, ويسوقهم وفق هواه، ويسخرهم لخدمة مصالحه.. فيصدق عليه قول الإمام الحسين (ع): (اتخذ عباد الله خولاً، وماله دخلاً) )
وبالعكس لو امتلك الجاذبية الأخلاقية فإنه يستطيع من خلال أنوارها فتح القلوب, وتأليفها, واستقطاب الأذواق, وتوجهيها، فيقرب وجهات النظر, ويجمع الكلمة, ويوحد الصفوف، وتلك الخاصية الأخلاقية سر نجاح القادة الرساليين كما وصف تعالى نبيه ((ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)) ، ولذا قيل: ثلثا نجاح رسول الله (ص) بسمو خلقه، وثلث بقوة مبادئه، وكما ورد في السنة الشريفة: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم)
فالذي يتحلى بالقيادة الأخلاقية يصبح قدوةً للناس في سلوكه، يدعوهم بعمله قبل أن يدعوهم بأقواله, وهذا ما أكده أمير المؤمنين (ع): (مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ اَلنَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ)
والداعية إلى الله قائد اجتماعي لا يريد أن يحكم الناس, ويتسلط عليهم, ويتميز عنهم، إنما يريد أن يمتلك قلوبهم؛ ليوجه عقولهم، ويبعث فيهم القيم الإلهية؛ ليقودهم إلى ساحل النجاة, ويضعهم على سبيل السعادة والتكامل، وهذا لا يتحقق إلا إذا تحلى بمكارم الأخلاق حلمٍ, وعلمٍ, وورعٍ, وتقوى, وحزمٍ, ولينٍ, ونورٍ, وبصيرةٍ.
وخلاصة الكلام: أهم شروط القيادة السياسية التحلي بالقيم الأخلاقية, فالقائد الرسالي يجب أن يكون قدوةً وأسوةً في عمله قبل قوله، كما أكد ذلك الإمام الصادق (ع)بقوله: (كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم؛ ليروا منكم الورع، والاجتهاد، والصلاة، والخير، فإنَّ ذلك داعية)
وعنه (ع) أنَّه قال: (كونوا دعاة الناس بأعمالكم، ولا تكونوا دعاة بألسنتكم; فإنَّ الأمر ليس حيث يذهب إليه الناس، إنَّه من اخذ ميثاقه أنَّه منا فليس بخارج منا، ولو ضربنا خيشومه بالسيف، ومن لم يكن منَّا ثم حبونا له الدنيا لم يحبنا)
وعنه (ع): (كونوا دعاة إلى أنفسكم بغير ألسنتكم ، وكونوا زينا ولا تكونوا شيناً)
والقيادة الأخلاقية تمثل قيمة عليا بمقدار ما يتمخض عنها من سلوك مستقيم، وأعلى درجاتها أنْ يصبح باطن الإنسان أفضل من ظاهره،وسريرته أطهر من علانيته.
(وهكذا تساهم القيم والمبادئ الأخلاقية في التفكير , والتخطيط، وصنع القرار السياسي، فتدخل في صميم المنهج، وتشكل أحد أبعاده الأساسية، فالسياسي المسلم إذا أراد أن يفكر, أو يخطط, أو يقرر عليه أن يحافظ على طهارة الوسيلة، والالتزام الأخلاقي كما يحافظ على تحقيق الهدف, وسمو الغاية، مستبعداً كل أثر أخلاقي ذميم... فلا تَوَصُل إلى غاية شريفة بأسلوب منحط.. كالخداع والتضليل والنفاق والغدر، فقد أوضح لنا الحديث الشريف ذلك بقوله: (لا يطاع الله من حيث يعصى)
كما عليه أن يحافظ على سلامة البناء والتوجه الباطني لديه، فيستبعد كل البواعث الأخلاقية المنحطة كالغرور والأنانية وحب الاستعلاء)

شروط القيادة:
للقيادة شروط فكرية واجتماعية وسياسية، لا بد أنْ تتوفر في الداعية بدرجة من درجاتها ونذكر إجمالاً أهم الشروط:
1- معرفة الإسلام بمعناه الحقيقي : أي أنَّه (عقيدة معنوية خلقية، ينبثق عنها نظام كامل للإنسانية) ، والاطلاع المفصل أو المجمل على أصوله، ومبادئه، وأحكامه في المجالات الثقافية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والعسكرية، ولكي يكون الداعية مؤثراً، ومغيراً، ومصلحاً لا بد أن يحاول أنْ يحصل على أعلى درجات المعرفة - بقدر استطاعته - وهي درجة الوعي، وخلاصتها امتزاج الفكر النظري بالوجدان الروحي القلبي, ليبرز سلوكاً عملياً يجسد الإسلام في الواقع, وإلى هذا الشرط أشار أمير المؤمنين (ع) لبيان أعلى درجات المعرفة في القائد: (... أن يكون أعلم الناس بحلال الله وحرامه، وضروب أحكامه, وأمره ونهيه, وجميع ما يحتاج إليه الناس)، ولا نقول يجب أن يعرف الداعية جميع ذلك، فتلك درجة المعصوم, ولا يرقى إليها أحد, ولكن أن يؤمن به، ويعمل على كسبه ووعيه بقدر استطاعته وقدرته.
2- الوعي السياسي: لا نقصد بالوعي السياسي ما تعارف اليوم بين محترفي السياسة أو ما يسمى بالمحللين السياسيين اليوم من تتبع الأحداث, وتفسيرها حسب المصلحة الحزبية والميول السياسية, ولا نقصد به فن التلاعب بالألفاظ؛ لتحريف الحقائق، والالتفاف على المنافس, أو المناقش, وإنما نقصد بالوعي السياسي: دقة الفهم للأحداث, والأشياء، والأشخاص، والرؤى, والأفكار, والمواقف, والقرارات, والقدرة على التمييز والتشخيص بين السليم والسقيم, والاستشراف لما وراء الأحداث، وما تنطوي عليها من خطط، ووسائل، وأهداف، وسرعة إدراكها قبل فوات الأوان، ومعرفة الأمور التي تحتاج إلى تدبير، وإدارة سياسية، يقول أمير المؤمنين (ع): (يحتاج الإمام إلى قلب عقول, ولسان قؤول، وجَنان على إقامة الحق صؤول)
والوعي السياسي مصطلح يختلف معناه باختلاف التوجهات السياسية والفكرية، وقد حدد معناه المفكر الإسلامي السيد الشهيد الصدر (قدس سره) بدقة متناهية، وهو الذي نتبناه في فكرنا وسلوكنا، يقول: (ولا بد من وعي سياسي صحيح ينبثق عن مفاهيم حقيقية للحياة، ويتبنى القضية الإنسانية الكبرى، ويسعى إلى تحقيقها على قاعدة تلك المفاهيم, ويدرس مسائل العالم من هذه الزاوية، وعند اكتمال هذا الوعي السياسي في العالم، واكتساحه لكل وعي سياسي آخر، وغزوه لكل مفهوم للحياة لا يندمج بقاعدته الرئيسية.. يمكن أن يدخل العالم في حياة جديدة، مشرقة بالنور عامرة بالسعادة.
إنَّ هذا الوعي السياسي العميق هو رسالة الإسلام الحقيقي في العالم, وإنَّ هذه الرسالة المنقذة لهي رسالة الإسلام الخالدة، التي استمدت نظامها الاجتماعي - المختلف عن كل ما عرضناه من أنظمة - من قاعدة فكرية جديدة للحياة والكون)
3- معرفة الظروف التأريخية ومتطلبات العصر: وهو ما يعبر عنه بمعرفة الزمان، أي معرفة القوانين التأريخية الحاكمة من خلال الظروف، والأحداث، والملابسات، من هنا كلما كان الداعية عارفاً بالظروف الزمانية, ومتطلباتها المرحلية, وما يقع فيها من أحداث وفتن, وما يطرح فيها من نظريات ورؤى فلا يندهش لحدث, ولا يتوقف عند عقبة, يقول الإمام الصادق (ع): (العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس)
4- حسن التعامل مع الناس: ونقصد به أن يجيد فن التعامل السليم, وهذا يقتضي أن يمتلك الداعية الحس الاجتماعي، ليعرف من خلاله اختلاف الأمزجة، والمشاعر، والأفكار، والعواطف, والأعراف، والتقاليد، والعادات, ويجيد فن التخاطب، والحوار، واللقاء, وحسن الاستماع، وجودة الرد؛ لأنَّ لكل إنسان أسلوباً في التعامل, إذن لا بد أنْ يعرف الداعية طبيعة المخاطب, والظروف المحيطة به، والتربية التي نشأ عليها, وأن يمتلك الفراسة، والتوسم، ودقة الملاحظة بفطنة ويقظة, وحسن الاستجابة، قال رسول الله (ص): (اتقوا فراسة المؤمن فإنَّه ينظر بنور الله عز وجلّ) في قول الله تعالى: ((إن في ذلك لآيات للمتوسمين))
وفي حديث آخر: (إنَّ لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم)
وخلاصة الكلام: إنَّ الداعية لا يستطيع أنْ يحسن التعامل بدون معرفة طبيعة الناس مزاجِهم, وأذواقِهم, وأفكارِهم, وثقافتِهم؛ ولذا يجب على الداعية أنْ يدرس طبيعة من يتعامل معهم؛ ليحسن مداراتهم, والمداراة فرض على كل داعية, فقد قال رسول الله (ص): (أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض)، وقوله (ص): (مداراة الناس نصف الإيمان، والرفق بهم نصف العيش)، والمداراة فن دعوي مهم في حياة كل داعية يستطيع به أن يفتح القلوب, ولا شك إنَّ فتح القلوب أعظم من فتح البلدان, ومن امتلك القلوب امتلك العقول, ولا تعني المداراة المداهنة على حساب المبادئ والأفكار, وإنما هي مرونة أخلاقية نابعة من وعي مبدئي, وتقييم عقلائي، وأسلوب جميل، يحرك الأوتار الحساسة في النفوس, ليثير فيها العواطف النبيلة, ويجذب القلوب إليه؛ ليحرك العقول، ويضعها على جادة الصواب.
5- السبق إلى العمل الذي يدعو إليه: لعلَّه من أهم سمات القائد الدعوتي أن يكون سابقاً لكل ما يدعو إليه، متصفاً بالقيم التي يدعو إليها؛ ليكون أسوةً وقدوةً يقتدي به الناس، فإنَّ من أخطر ما يقع به الداعية من أخطاء أن يخالف فعلُه قولَه , ولهذا نرى أئمة الحق ودعاة الرشاد هم السَبَّاقون إلى فعل كل مكرمة وطاعة قبل أنْ يدعوا الناس إليها, يقول أمير المؤمنين (ع): (إِنِّي وَاَللَّهِ مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلاَّ وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا، وَلاَ أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلاَّ وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا)، فالدعاة الربانيون (يحملون الناس على إتباع الطريق المستقيم بسلوكهم في الحياة وتصرفاتهم العامة، ويجعلون من أنفسهم قدوة عملية).
6- الصلابة المبدئية ونقصد بها إيمان الداعية بمبادئه التي يعتنقها, وأهدافه التي يتبناها ويدعو إليها إيماناً لا يشوبه أدنى شك أو ريب، يصل به إلى علم اليقين إن لم يكن حق اليقين، فإن لم يمتلك الداعية الإيمان العميق، والصلابة المبدئية, والمرونة الأخلاقية لا يمكن أن يواصل طريق الدعوة إلى الله بأي حال من الأحوال, وما حالات التردد, والتراجع، والتقاعس, إلا لنقص في الإيمان, وتقصير في تغيير الذات، فعلى الداعية الذي يطلب التوفيق من الله في مواصلة المسير أن يعمق إيمانه بأهدافه، ومبادئه، ومنطلقاته، إيماناً راسخاً لا يشوبه شك ولا تردد.
بهذا الإيمان استطاع القادة الرساليون من الرسل، والأنبياء، والأوصياء مواصلة السير رغم كل الصعوبات والضغوط، وخير مثال على ذلك موقف الرسول المصطفى (ص) حين ساومته قريش، فانبرى قائلاً: (والله، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته)
إذن الإيمان بالهدف هو الرصيد الأعظم في حياة الداعية، وبدونه لا يمكن الاستمرار في عملية التغيير والإصلاح؛ ولهذا يجب على كل داعية أن يواصلَ الترسيخ الإيماني بمبادئه وأهدافه، ويتوسل بالله على أن يعينه على ذلك بالدعاء والذكر: (اللَّهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَبَلِّغْ بِإيْمَانِي أكْمَلَ الإِيْمَانِ، وَاجْعَلْ يَقِينِي أَفْضَلَ الْيَقِينِ، وَانْتَهِ بِنِيَّتِي إلَى أَحْسَنِ النِّيَّاتِ)
7- الأمل والتفاؤل بالتوفيق والنجاح: ما لم يعش الداعية روح الأمل، وتطفح روحه بالتفاؤل بقبول الله لأعماله ونجاحه فيها، لا يمكن أنْ يستمر في خط الدعوة بحال أبداً، ولهذا نقول إنَّ سر نجاح معظم القادة الرساليين هو ما تطفح به أرواحهم من أمل بنصر الله وتوفيقه، ولا يكفي الداعية أنْ يعيش الأمل فقط، بل يجب أنْ تكون له القدرة على بعث الأمل في نفوس من يدعوهم إلى الله ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون))
كما ينبغي للداعية أنْ يفهم معنى النصر والنجاح في الإسلام، فليس النجاح في الإسلام بما ينجزه من أعمال اجتماعية، أو سياسية، أو فكرية، بل النجاح بما يحقق من دوافع نظيفة وطاهرة في حركته إلى الله، فالداعية المخلص منتصر على كل حال غَلَبَ أو غُلِبَ إذا امتثل أوامر الله بنية صادقة، وقلب مطمئن بالإيمان... فقد انتصر الحسين (ع) رغم المأساة التي جرت عليه، وانتصر الصدر الشهيد رغم ما عاناه من مرارات، وتَوَّجَ أعماله بالشهادة، ويعجبني أن أنقل لوحة صورتها ريشة الأديب المصري سيد قطب: (والحسين رضوان الله عليه وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب, المفجعة من جانب؟ أكانت هذه نصراً أم هزيمة؟ في الصورة الظاهرة, وبالمقياس الصغير كانت هزيمة. فأما في الحقيقة الخالصة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصراً. فما من شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف، وتهفو له القلوب, وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين رضوان الله عليه. يستوي في هذا المتشيعون وغير المتشيعين من المسلمين، وكثير من غير المسلمين!
وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام, كما نصرها باستشهاده. وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة, ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة, بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه, فتبقى حافزاً محركاً للأبناء والأحفاد. وربما كانت حافزاً محركاً لخطى التأريخ كله مدى أجيال...)
8- أن يتحلى الداعية القائد بالخصائص الروحية، ويسعى إليها، وينطلق منها، وأهمها التقوى، وهي تمثل روح المقاومة الايجابية إزاء المخالفات الشرعية، وبالتالي هي زاد المسير إلى الله ((وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)) ، وهي الحصانة الرصينة من الانحرافات الفكرية والأخلاقية ((ولباس التقوى ذلك خير))، وهي الكرامة العظمى التي يمن الله بها على من يشاء من عباده ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) ، وبالتالي هي منبع من منابع المعرفة الإلهية، ((واتقوا الله ويعلمكم الله))
ومن الخصائص الروحية التي يجب أنْ يتحلى بها الداعية الإخلاص بكل جوانبه الفكرية، والأخلاقية، والاجتماعية، وأعني بالإخلاص التجرد عن الدوافع الذاتية والمصلحية، والعمل لله، وفي الله، وبدون ذلك لا ينفع الداعية عمل، مهما جَدَّ واجتهدَ، ولا شك أنَّ مدى تأثير العمل يتناسب تناسباً طردياً مع درجة الإخلاص لله .
ومن الخصائص الروحية الزهد في زخارف الدنيا وخلاصته هو (التحرر من قيد الشهوة والهوى، والانقطاع النفسي من الدنيا ومعانيها، وهو بذلك سبب ونتيجة في آن واحد للانقطاع إلى الله تعالى، والارتباط بالسماء، أو بالأحرى العبودية الكاملة لله في المشاعر والعواطف والسلوك) وبالتالي: إنَّ الزهد ليس أن لا تمتلك شيئاً، ولكن ينبغي أن لا يملكك شيء .
و الزهد يحقق للداعية الراحة، والاطمئنان النفسي، والبصيرة النافذة في عيوب الدنيا، ويفجر الحكمة من قلبه على ولسانه ، ويهون عليه مصائب الدنيا، ويحصن الدين، وبالتالي هو تحرر وانطلاق في رحاب الله تعالى.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com