موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-8
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-8  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 21 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  المرحلة العلنية في الدعوة:
بعد أن قضى رسول الله (ص) ثلاث سنوات يعد العدة لإعلان دعوته للناس أجمع، يربي أصحابه على خلق الإسلام، يعمق فيهم حماس الإيمان، ويزودهم بالعلم والمعرفة بالله تعالى، ويفقههم بأحكام دينه، ويدربهم على الصبر والتحمل لأعباء الرسالة وثقلها، ويعرفهم ما سوف يواجهونه من مقاومة عنيفة من المشركين، واليهود، وما يسود في المجتمع من جهل، وتخلف، وضلال، حتى بلغوا أربعين مسلماً نزل عليه الأمر بإنذار قومه وعشيرته الأقربين، بدأ بإعلان دعوته لأقرب المقربين إليه، وهم بنو عبد المطلب، وفيهم المؤمن الذي يكتم إيمانه شيخ البطحاء عمه أبو طالب، يقول أمير المؤمنين الإمام علي (ع): (لما نزلت هذه الآية على رسول الله (ص): ((وأنذر عشيرتك الأقربين)) دعاني رسول الله (ص) فقال: يا علي، إنَّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أنِّي متى أبادئهم بهذا الأمر أرَ منهم ما أكره، فصَمَتُّ عليه حتى جاء جبريل، فقال: يا محمد؟ إنَّك إلا تفعلْ ما تؤمر به يعذبك ربك. فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رِجْل شاة، واملأ لنا عُسّاً من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به.
ففعلتُ ما أمرني به، ثم دعوتهم له، وهم يومئذٍ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب... فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعتُ لهم، فجئتُ به، فلما وضعته تناول رسول الله (ص) حِذْية من اللحم، فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصُّحفة، ثم قال: خذوا باسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة، وما أرى إلا موضع أيديهم، وأيمُ الله الذي نفس عليٍّ بيده وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم، ثم قال: اسقِ القوم. فجئتهم بذلك العُسِّ، فشربوا حتى رووا منه جميعاً، وأيمُ الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله (ص) أن يكلمهم بَدَرَهُ أبو لهب إلى الكلام فقال: لَقِدْماً سحركم صاحبُكم. فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله (ص)، فقال: الغد يا علي، إنَّ هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعُدَّ لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم إليَّ.
قال: ففعلت، ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام، فقربته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة. ثم قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العُسِّ، فشربوا حتى رووا منه جميعاً، ثم تكلم رسول الله (ص) فقال: يا بني عبد المطلب، إنِّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إنِّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيُّكم يوازرُني على هذا الأمر على أن يكون أخي، ووصيي وخليفتي فيكم؟
قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت - وإنِّي لأَحدثهم سناً، وأرمصهم عيناً، و أعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً - : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي، ثم قال: إنَّ هذا أخي ووصيِّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. قال: فقام القوم يضحكون, ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع)
وفي السيرة النبوية لابن كثير عن علي (ع) ، قال: (لما نزلت هذه الآية على رسول الله (ص) ((وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)) قال رسول الله (ص): عرفتُ أنِّي إن بادأتُ بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمتُّ، فجاءني جبريل (ع) فقال: يا محمد، إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك بالنار.
قال: فدعاني, فقال: يا علي، إنَّ الله قد أمرني أن أُنذر عشيرتي الأقربين، فاصنع لنا يا علي شاةً على صاعٍ من طعام، وأعد لنا عُسَّ لبن، ثم أجمع لي بني عبد المطلب. ففعلت، فاجتمعوا له يومئذٍ، وهم أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث. فقدمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ رسول الله (ص) منها حِذْية، فشقها بأسنانه، ثم رمى بها في نواحيها، وقال: كلوا بسم الله، فأكل القوم حتى نهلوا عنه، ما نرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله (ص): اسقهم يا علي، فجئت بذلك القَعْب، فشربوا منه حتى نهلوا جميعا، وأيمُ الله إن كان الرجل ليشرب مثله.
فلما أراد رسول الله (ص) أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه الله فقال: لَهَدَّ ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله (ص) )
وهكذا فعل في اليوم الثاني، وفي اليوم الثالث تمكن رسول الله (ص) أن يكلمهم، يقول علي (ع): (قال رسول الله (ص): يا بني عبد المطلب، إنِّي والله ما أعلم شاباً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إنِّي قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة)
وفي رواية ابن عباس عن علي (ع) فذكر مثله، وزاد بعد قوله: (وإنِّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي) وكذا وكذا.
وحاول ابن كثير أن يحذف (خليفتي) بناء على مذهبه، قال علي (ع): (فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت ولأنَّي لأحدثهم سناً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي فقال: إنَّ هذا أخي وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا. قال: فقام القوم يضحكون, ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع)
ويواصل ابن كثير تقطيعه إلى أن يقول: (وبدرهم رسول الله (ص) الكلام، فقال: أيكم يقضي عني ديني، ويكون خليفتي في أهلي؟) ويحاول ابن كثير أن يحرف مرة أخرى من خلال التفسير أن يبعد كلمة خليفتي الواضحة البينة، فيقول: (ومعنى قوله في هذا الحديث: (من يقضي عني ديني، ويكون خليفتي في أهلي) يعني إذا مت، وكأنَّه (ص) خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله، ويقضى عنه، وقد أمَّنه الله من ذلك في قوله تعالى: ((يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)) )
وهكذا يحاول ابن كثير أن يحذف كلمة (ووصيي وخليفتي) مرة بقوله: (وكذا وكذا)، ومرة يحاول أن يفسرها تفسيراً يهون منها، وبأنَّ وصيته محصورة بأهل بيته ومن يقوم عليهم، ويضمن معيشتهم، وليست خليفته في أمته، وهكذا بفعل التحيز المذهبي المقيت والعصبية التي تعمي البصيرة فصلاً عن البصر.
هذه هي الخطوة الأولى في إعلان الدعوة المباركة بعد أن انتشر صيتها، ودخل فيها رجال أشداء من مختلف القبائل العربية مع عدد من المستضعفين كعمار بن ياسر وعائلته، وبلال بن رباح وغيرهم.
وأما الخطوة الثانية: كما في رواية ابن سعد أنَّه (ص) وقف على الصفا منادياً: (يا معشر قريش)، فقالت قريش: (محمد على الصفا يهتف)، فأقبلوا واجتمعوا، فقالوا: (ما لك يا محمد؟) قال: (أرأيتم لو أخبرتكم أنَّ خيلاً بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقونني؟) قالوا: (نعم، أنت عندنا غير متهم، وما جربنا عليك كذباً قط)، قال: (فإنِّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة، حتى عدد الأفخاذ من قريش، إنَّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وإنِّي لا أملك لكم من الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيباً، إلا أن تقولوا لا إله إلا الله)، فقال أبو لهب: (تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا) فأنزل الله تبارك وتعالى: ((تبت يدا أبي لهب وتب)).
وفي رواية أخرى: (إنَّه عليه الصلاة والسلام لما نزلت هذه الآية أتى على أبي قبيس، ونادى: يا صباحاه، فلما اجتمع الناس إليه قال لهم: يا معشر قريش، لو كنت مخبركم بأنَّ جيشاً يطلع عليكم من هذه الثنية أكنتم مصدقي؟ قالوا: أجل والله ما علمناك إلا صادقاً مصدقاً. قال: فإنِّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فلما سمعوا ذلك انفضوا عنه ارتكاساً في الغواية، وإتباعا للضلالة)
وفي نص آخر عن ابن عباس قال: (لما نزلت هذه الآية صعد رسول الله (ص) على الصفا، فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتكم إن أخبرتكم أنَّ العدو مصبحُكم أو ممسيكم ما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى، قال: فإنِّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو لهب: تباً لك، ألهذا دعوتنا جميعا؟! فأنزل الله تعالى: ((تبت يدا أبي لهب وتب)) )
وهناك روايات أخرى باختلاف طفيف مع اتفاق في المعنى، وعلى كل حال فإنَّ النبي (ص) أعلن دعوته المباركة، وبدأ مرحلة أصعب من سابقتها لأنَّها استفزت مشاعر قريش، وتحدت هذه القوة من عبادة الأصنام، وشعروا بالخطر الذي يتهددهم، وخصوصاً لما عرفوا تصميم رسول الله (ص) على مواصلة دعوته (إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، لا يصرفه عن ذلك صارف, ولا يرده عن ذلك رادٌّ، ولا يصده عن ذلك صادٌّ، يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم، وفي المواسم، ومواقف الحج، يدعو من لقيه من حرٍّ وعبد، وضعيف وقوي، وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com