موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-9
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-9  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 21 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  ردود فعل قريش:
حينما واصل الرسولُ (ص) وأصحابُه الدعوةَ بهذه القوة والشمول لجميع الناس، والتحدي لعبادتهم الأصنام ولعاداتهم وتقاليدهم الجاهلية، وكسر لطغيان جبروتهم، ودعوته إلى الحق، والعدل، والمساواة، ونبذ الكفر، والشرك، والإلحاد، وامتداد دعوته، ولو بنسبة قليلة حينئذٍ أصبحوا يشعرون بالخطر المحدق بهم الذي أصبح يهدد زعاماتهم لمكة, بل الجزيرة العربية، والتي كانت تدين لقريش بالولاء، كما كان يهدد تجارتهم إلى اليمن والشام، وبالتالي الأمر بالنسبة إليهم ينذر بعاصفة تنسف كل وجودهم في الزعامة، والتجارة، والسيطرة في ربوع الجزيرة العربية، وبناءً على ذلك لا يمكن أن يَقِفوا متفرجين ومنتظرين ماذا سينتهي بهم الأمر؟ ومن هنا راحوا يتداولون الأمر فيما بينهم؛ لإيقاف تيار الرسالة المتصاعد يوماً بعد يوم، فماذا كانت ردود فعلهم؟ وما هي الخطوات اللازمة لإيقاف الخطر المحدق بهم، والمحافظة على مصالحهم؟

أساليب قريش في مقاومة الدعوة:
أول محاولة قاموا بها كانت خطوة (دبلوماسية) إذا صح التعبير، وذلك بأن قرروا التحرك باتجاه أبي طالب، لما يعرفون من أبي طالب، وما له من مقام في الجزيرة العربية عموماً، فهو شيخ البطحاء، وزعامته لبني هاشم، وقوة شخصيته وما يتمتع به من قدسية لكونه ابن عبد المطلب سادن الكعبة، وامتداد صيته في كل أنحاء الجزيرة، وفعلاً ذهبوا إليه ضمن وفد كبير يضم أهم شخصياتهم من أشراف قريش، منهم عتبة، وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس، وأبو سفيان بن حرب، والأسود بن المطلب، وأبو الحكم بن هشام (أبو جهل)، والوليد بن المغيرة، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وغيرهم، وحين التقوا أبا طالب، قالوا: (إنَّ ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنَّك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه) فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً، وردَّهم رداً جميلاً، فانصرفوا عنه)
ولما استمر رسول الله (ص) على مواصلة دعوته، ولم يعر لمحاولتهم اهتماماً اجتمعوا مرة أخرى، وعادوا إلى لقاء أبي طالب رضي الله عنه، وكانوا هذه المرة أشد تهديداً ووعيداً، وقالوا: (يا أبا طالب، إنَّ لك سناً، وشرفاً، ومنزلةً فينا، وإنَّا قد استنهيناك من ابن أخيك، فلم تَنْهَهُ عنا، وإنَّا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين)
إلا أنَّ أبا طالب لم يبدِ أي تجاوب معهم، وكلَّم رسول الله (ص) ، ويزعم ابن هشام أنَّ رسول الله (ص) ظن أنَّ عمه ضعف عن نصرته، واستعبر، وبكى، إلا أنَّ الواقع هذا يتنافى مع صلابة رسول الله (ص)، وإصراره على مواصلة الدعوة مهما بلغ التحدي، وكلمته المشهورة لعمه: (يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته)، فهذه الكلمة المعبرة عن صلابة في الموقف، واطمئنان لنصرة الله عز وجلّ له خير دليل على أنَّ الرسول (ص) كان مطمئناً لحماية عمه له، وهو القائل له: (اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبداً)
فأين هذا الموقف الصلب من ظن الخلاف والتراجع عن النصرة؟ وهل كان رسول الله (ص) يجهل شخصية عمه الذي ثبت معه إلى آخر لحظة من حياته.
ومحاولة قريش الأخرى التي تعبر عن جهلهم المطبق بعناية ورعاية أبي طالب رضي الله عنه في نصرة النبي (ص) واستماتته في الدفاع عنه، وهو خير دليل على إيمانه واعتناقه للإسلام، إلا أنَّه لم يظهر إسلامه رعاية للظروف الصعبة التي تمر بها الدعوة الإسلامية المباركة؛ ولهذا لما تأكد لهم عن عدم تراجع أبي طالب في حماية الرسول (ص) ونصرته مهما بلغت التضحيات التي سيقدمها قاموا بمحاولة رخيصة تعبر عن رذالتهم، وخستهم، وجهلهم، فعادوا بطرح جديد، وذلك بأنَّهم (مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد، أنهد فتى في قريش وأجمله، فخُذْه فلك عقله ونصره، واتخذه ولداً، فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك، هذا الذي قد خالف دينك، ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل، فقال: والله لبئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبداً)
هكذا كان تفكير قريش (أنهد رجل)، وكأنَّ القضية وما فيها عندهم صورة رجل برجل، ولا شيء بعده، ورغم ذلك قال أحد زعمائهم، وهو المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي: (والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً)، فقال أبو طالب للمطعم: (والله ما أنصفوني، ولكنَّك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليَّ، فاصنع ما بدا لك)
ولما يئسوا من خداع وإقناع أبي طالب لجؤوا إلى أسلوب العنف، والتعذيب، فوثبت كل قبيلة على من فيها الذين أسلموا مع رسول الله (ص) يعذبونهم أشد التعذيب، ليفتنوهم عن دينهم، وأما بنو هاشم فقد التفوا حول الرسول (ص) بدعوة من أبي طالب، ووقفوا سداً منيعاً دون وصولهم إلى رسول الله (ص) إلا أبو لهب الذي وقف مع الأعداء.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com