موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-11
 
الأحد - 18 / ربيع الثاني / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-11  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 21 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  الأسلوب الثالث: السخرية والاستهزاء، والتعذيب:
لما أخذت الدعوة المباركة تواصل طريقها إلى قلوب الناس في داخل مكة وخارجها ضاق طغاة قريش ذرعاً بذلك، فسلكوا أسلوب التوهين، والتشهير، والتعرض لرسول الله (ص) أينما وجدوه غمزوه بكلمة نابية, أو تهمة سخيفة، وصاروا يغرون به سفهاؤهم، وصبيانهم، وعتاتهم، فلم يَلْقَه أحد من الناس إلا كذبه, وأذاه لا حر ولا عبد، وبأشد أنواع السخرية والاستهزاء، وكان أشدهم عليه عمه أبو لهب، وكان (عظيم التكذيب له دائم الأذى، فكان يطرح العذرة والنتن على باب النبي، وكان جاره، فكان رسول الله (ص) يقول: أي جوار هذا يا بني عبد المطلب! فرآه يوماً حمزة فأخذ العذرة، وطرحها على رأس أبي لهب)
يروي عبد الله بن مسعود قائلاً: (ما رأيت رسول الله (ص) دعا على قريش غير يوم واحد، فإنَّه كان يصلي، ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور نحرت بالأمس قريباً، فقالوا - وفي رواية فقال أبو جهل -: من يأخذ سلا هذا الجزور، فيضعه على كتفي محمد إذا سجد، فانبعث أشقاهم عقبة بن أبي معيط، فجاء به، فقذفه على ظهره (ص)، فضحكوا، وجعل بعضهم يميل إلى بعض، والنبي (ص) ما يرفع رأسه، وجاءت فاطمة (ع) ، فطرحته عن ظهره، ودعت على من صنع ذلك. فلما قضى رسول الله (ص) صلاته رفع رأسه، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا، دعا ثلاثاً، وإذا سأل، سأل ثلاثاً، ثم قال: اللهم عليك بالملأ من قريش، اللهم عليك بأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وذكر السابع فلم أحفظه. فوالذي بعثه بالحق لقد رأيت الذين سمى صرعى ببدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر غير أمية بن خلف فإنه كان رجلاً بادناً، فتقطع قبل أن يبلغ به إليه)
ولكنَّ قريشاً كلما بالغت في كيدها، ومكرها، وأذاها ازداد رسول الله إصراراً، ومواصلة، ونصر الله دينه، فلما أقدموا على هذه الجريمة النكراء برمي السلا على رسول الله (ص) حتى انتشر الخبر في مكة، وانطلق رسول الله (ص) مغتماً، (فجاء إلى أبي طالب، فقال: يا عم، كيف حسبي فيكم؟ قال: وما ذاك يا ابن أخ؟ قال: إنَّ قريشاً ألقوا عليَّ سلا , فقال لحمزة: خذ السيف، وكانت قريش جالسة في المسجد، فجاء أبو طالب (ع) ومعه السيف، وحمزة ومعه السيف، فقال: أمِرَّ السلا على سبالهم، فمن أبى، فاضرب عنقه، فما تحرك أحد حتى أَمَرَّ السلا على سبالهم، ثم التفت إلى رسول الله (ص)، فقال: يا ابن أخ، هذا حسبك فينا)
وهكذا كان رسول الله (ص) يواجه عنت قريش، وكبريائها، ولكن كان النصر حليفه في كل خطوة.
وكان لرسول الله (ص) من يحميه من بني عبد المطلب، إلا أنَّ أصحابه الذين أسلموا، وواصلوا الدعوة، وكانوا من قبائل عدة، وكان أغلبهم من المستضعفين، فثارت قريش عليهم، تصب جام غضبه ؛ لتفتنهم عن دينهم، وليس لهم من مدافع غير إيمانهم بالله تعالى، وتحملهم ما يلاقونه من أذى، ورغم ذلك فقد ضربوا المثل الأعلى في المقاومة، ويبدو أنَّ هذا الأسلوب الوحشي قديماً وحديثاً، فقد لجأت قريش إليه لجهلها وتعنتها، واليوم في القرن الحادي والعشرين وما قبله يعود نفس الأسلوب، ولكن بصورة أعنف، حيث جمع الطغاة تجارب أبي جهل، وأبي لهب،والحجاج،وهتلر,وستالين,وماسالوني وصدام.... وإلى اليوم؛ ليطبقوها في مقاومة الحركة الإسلامية المباركة، فأسلوب الأمس هو أسلوب اليوم، ولكن بشكل آخر أوحش من ذلك، وكأنَّ التأريخ يعيد نفسه.
ولننظر ما لاقى أصحاب رسول الله (ص) من أذى، قال ابن إسحاق: (وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله (ص) فيقول - فيما بلغني -: صبراً آل ياسر، موعدكم الجنة، فأما أمه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإسلام)
وكانوا لا يكتفون بالتعذيب بل يهددون من يُسْلم بالطعن في شرفه، وإسقاط سمعته، وإهلاك أمواله، وتكسيد تجارته، فقد روي: (كان أبو جهل الفاسق الذي يغري بهم في رجال من قريش، إذا سمع بالرجل قد أسلم، له شرف ومنعة، أنَّبَهُ وأخزاه، وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك! لَنُسَفِّهَنَّ حِلْمَك، ولَنُفَيِّلَنَّ رأيَك، ولنضعنَّ شرفك؛ وإن كان تاجراً قال: والله لنُكَسِّدَنَّ تجارتك، ولنُهْلِكَنَّ مالَك، وإن كان ضعيفاً ضربه، وأغرى به)
وكان أمية بن خلف يخرج بلال بن رباح الحبشي (إذا حميت الظهيرة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله، لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر, بمحمد وتعبد اللات والعزى. فيقول، وهو في ذلك: أحد أحد)
ومن الذين لقوا التعذيب خباب بن الأرت، قال: (كنت رجلاً قيناً، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا والله، لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: والله لا أكفر بمحمد (ص) حتى تموت، ثم تبعث، قال: فإنِّي إذا متُّ ثم بعثت جئتني ولي مال وولد فأعطيتك، فأنزل الله تبارك وتعالى: ((أفرأيت الذي كفر بآيتنا وقال لأوتينَّ مالاً وولداً)) )
وكانوا يتفننون بتعذيب أصحاب رسول الله (ص) بشتى فنون التعذيب، فمرة يخرجونهم بحر الظهيرة، ويضعون الصخور على صدورهم، ويضربونهم، ومرة يسحبونهم على وجوههم، فيقون بأكفهم، ومرة يجيعونهم، ويعطشونهم حتى لا يستطيعون النهوض من شدة الأذى، ورغم كل ذلك كانوا يصمدون, ولا يرجعون عن دينهم إلا قليلاً منهم، كانوا يجيبونهم بعض الشيء، ويأتون لرسول الله (ص) يشكون حالات ضعفهم أمام تلك المآسي خوفاً على دينهم، ورسول الله (ص) يواسيهم, ويثبتهم إلى أن أنزل الله تعالى قوله: ((من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان))
وهكذا كانوا يرجعون إلى رسول الله (ص)؛ ليخفف عنهم ألم العذاب، ويثبت إيمانهم، فقد روي عن خباب قال: (أتيت النبي (ص)، وهو متوسد ببردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، وما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليُتِمَنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عز وجلّ والذئب على غنمه، وفي رواية: ولكنكم تستعجلون)
وهكذا استمرَّ رسول الله (ص) وأصحابه يتحملون أذى قريش بأوحش ما يكون، فصبروا، وصمدوا إلى أن فتح الله على أيديهم، ((ولينصرنَّ الله من ينصره))
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com