موقع الصراط ... الموضوع : الإيمان-1
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الإيمان-1  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 21 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَبَلِّغْ بَإيمَانِي أكْمَلَ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْ يَقِينِي أفْضَلَ الْيَقِينِ، وَانْتَهِ بِنِيَّتِي إلى أَحْسَنِ النِّيَّاتِ، وَبِعَمَلِي إِلَى أحْسَنِ الأعْمَالِ. اللَّهُمَّ وَفِّرْ بِلُطْفِكَ نِيَّتِي، وَصَحَّحْ بِمَا عِنْدَكَ يَقِينِي، وَاسْتَصْلِحْ بِقُدْرَتِكَ مَا فَسَدَ مِنِّي.
تعريف الإيمان:
في هذا النص الشريف يتضرع الإمام زين العابدين (ع) بالله تعالى أن يجعلَ إيمانه في أعلى مراتب الكمال - رغم كماله فيه- إلا أنَّ المعصوم (ع) وهو في دائرة العصمة يشعر بالتقصير أمام الله؛ لسعة معرفته بالله, وعمق إيمانه به تعالى؛ ولذا يتصاغر أمام عظمة الله، ويرى نفسَه مقصراً في أداء حقه، ومن هذا المنطلق نرى أكمل الخلق، وسيد الرسل (ص) يتضرع لله تعالى: (مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَمَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ)
وفي هذا الدعاء نقف على أربعة مصطلحات عبادية إيجابية هي: الإيمان، واليقين، والنية، والعمل الصالح، وكلها مترابطة في تكوين الشخصية الإيمانية.
أما الإيمان: فمنذ أن يفتح الإنسان عينه على الحياة الدنيا يبدأ بالتساؤل عن علل الأشياء والأحداث، وعن سبب كل شيء يراه من حيث الوجود والحركة، والهدف, ويمكن أن نعبر عن ذلك بالشعور بالسببية، وهو أمر فطري غرسه الله تعالى في نفس الإنسان؛ ليرقيه إلى أنوار العلم، والمعرفة، ومن طبيعة الإنسان أنَّه لا يقتنع بحدوث شيء بلا سبب، ويشترك في هذا العالِم، والجاهِل، والبدوي، والحضري... فكلُّ إنسان ذي شعور يبقى يفتش عن سبب كلِّ شيء يراه، من الذي خلقه؟ وكيف خلقه؟ ولماذا خلقه؟ ومتى خلقه؟ وهكذا يتدرج في معرفة الأسباب إلى أن يتوصل إلى مُسَبِّب الأسباب، وخالق الأشياء وهو الله تعالى .
ومن خلال التأمل، والتفكير، والبحث، والدراسة تحصل له مجموعة من العلوم، والمعارف، والبراهين العقلية والمنطقية توقفه على أن لا شيء مخلوق بلا خالق، بل لكل شيء خالق, وهذه المرحلة يمكن أن نسميها بـ(مقدمة الإيمان) ولا يكتفي العقل بالقدر البسيط من العلوم والمعارف، وإنما يواصل البحث، ويطلب المزيد من ذلك، ويبقى مُتَنَقِّلاً من مرتبة إلى أخرى حتى تتشبع نفسُه بالمعارف، والعلوم النفسية، أو الآفاقية، وحينئذٍ يتوصل إلى أنَّ الله واحدٌ أحدٌ صمدٌ، وأنَّه لم يخلق هذه الأشياء، والأسباب عبثاً، وإنما خلقها؛ لتكميل خلقه، ووضْعِهم على جادة الصواب، وليهديهم إلى سبيل السعادة، والنجاة في الدنيا والآخرة .
لا يمكن أن نسمي النفس مؤمنة حقيقية إذا استوعبت العلوم والمعارف الطبيعية، أو النفسية، أو ما إلى ذلك، فكم من إنسان ذي باعٍ واسعٍ في العلوم والمعارف النفسية، أو الفلسفية، أو الطبيعية، ولا نرى في سلوكه أثراً يدلل على الإيمان بالله تعالى، وإنما يتحقق كمال الإيمان إذا نزل ما في العقل والإدراك من العلوم والمعارف إلى عالم القلب والوجدان، وملكت عليه مشاعره، وأحاسيسه، وصار يشعر بالهيمنة الإلهية في حياته الشعورية، وسيطرت على جوانحه، وجوارحه، فذلك هو الإيمان.
وبعبارة أخرى عندما يمتزج الفكر بالعاطفة، يصبح الفكرُ مُوجِّهاً للعاطفة، والعاطفةُ مُفَجِّرةً للفكر، وباستمرارية التفاعل بينهما في النفس الإنسانية تتولد قوةٌ روحيةٌ موجهةٌ لسلوك الإنسان، ومسيطرةٌ على كيانه فكرياً، وعاطفياً، وشعورياً، وتجري منه مجرى الدم في العروق، (وبذلك كان الإيمان حساً داخلياً يمتزج فيه الفكر بالعاطفة، فيمنح الفكر حركته من خلال خصوصيته الشعورية؛ لأنَّ الفكر الجاف الذي لم يرتشف من ينابيع الشعور لا يستطيع أن يهز الإنسان في حركة العواصف القادمة من هنا وهناك.
وفي ضوء ذلك كان الإيمانُ حركةً في الوعي، وإرادةً في الموقف، وانفتاحاً على الحقيقة، وليس - كما يخيل للبعض - حالة عمياء تختزن في داخلها معناها، ولا تفتح آفاقها للشروق، لأنَّها في آفاق العقل - كما يقول هذا البعض - فوق العقل، فهي ابنة الوجدان الذي يلتقي مع الغيب الشعوري الذي يطل على الذات من بعيد، فيغمرها بالحقيقة كما هو المطر عندما يغمر الأرض)
وما لم يمتزج الفكر بالعاطفة يبقى الإيمان كتلةً جامدةً جافةً لا تُحَرِّكُ حاملَها، ويبقى (دعوةً فكريةً خالصةً تستهدف تطوير العقيدة طبقاً لها، وتقف عند هذا الحد كالمذاهب الفلسفية المجردة)
ولهذا يوجه القرآنُ الكريم نداءه للمؤمنين الذين يحملون الفكر، ولا ينفعلون به، ولا تخشع قلوبهم له، فيقول تعالى: ((ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون))
(بهذا يعلن الإسلام عن ضرورة ازدواج الفكر والعاطفة، واجتماع العقيدة، وما تتطلبه من ألوان الانفعال والإحساس حتى تدب الحياة في العقيدة، وتصبح مصدرَ حركةٍ، وقوةَ دفعٍ، وليست مجردَ فكرةٍ عقليةٍ لا يخفق، ولا يستجيب لها الحسُّ، ولا تتدفق بالحياة)
وهكذا يتضح (أنَّ الإيمان غير العلم والإدراك؛ لأنَّ العلمَ والإدراكَ حظُّ العقلِ، والإيمانَ حظُّ القلبِ، فالإنسان لا يكون مؤمناً لمجرد علمه بوجود الله، والملائكة، والأنبياء، ويوم القيامة)
ولو كان العلم وحده يحقق الإيمان لكان ذلك لإبليس الذي كان يعرف ذلك كلَّه، ولربما كان هناك الكثير من أهل العلم لم يتجاوز علمُهم عالم العقل إلى القلب، فأصبح العلمُ مجردَ عثرةٍ في حياتهم، وهو كالصخرة في صدر النهر لا تشرب الماء، ولا تسقي غيرها .
ومن هنا أكد علماء المعرفة الإيمانية أنَّ الإقرارَ بمفرده، والتصديقَ لوحده، والعملَ بمجرده، لا يُسمى إيماناً؛ لأنَّ (مجرد العلم بالشيء، والجزم بكونه حقاً لا يكفي في حصول الإيمان، واتصاف من حصل له به، بل لا بدَّ من الالتزامِ بمقتضاه، وعقدِ القلب على مؤداه بحيث يترتب عليه آثاره العملية ولو في الجملة، فالذي حصل له العلم بأنَّ الله تعالى إله لا إله غيره فالتزم بمقتضاه، وهو عبوديته وعبادته وحده، كان مؤمناً، ولو علم به، ولم يلتزم فلم يأتِ بشيء من الأعمال المظهرة للعبودية كان عالماً، وليس بمؤمن، ومن هنا يظهر بطلان ما قيل: إنَّ الإيمان هو مجرد العلم والتصديق؛ وذلك لما مر أنَّ العلم ربما يجامع الكفر)
وهكذا يتضح لنا بطلان من حصر الإيمان بالعلم؛ لأنَّ العلم قد يمازج الكفر، وكذلك بطلان أنَّ الإيمان هو العمل؛ لأنَّ العمل قد يداخله النفاق، والرياء، فالإيمان إذن (هو العلم بالشيء مع الالتزام به بحيث يترتب عليه آثاره العملية) كالخشية، والعبودية، والامتثال، والطاعة المطلقة من خلال الالتزام بالأحكام الإلهية، حتى يستقطب الإيمان كل كيان الإنسان المادي والمعنوي، ويسيطر على كل جوارحه وجوانحه، فما من جارحة ولا جانحة في الإنسان إلا وعليها فرض إيمان، وفرض الأيمان على الجوارح هو خضوعها، وامتثالها لمقتضيات ولوازم الإيمان، وقد جاء هذا المعنى مفصلاً في حديث الزبيري المفصل فقد سأل أبا عبد الله (ع): (أيها العالم أخبرني أي الأعمال أفضل عند الله؟
قال: ما لا يقبل الله شيئاً إلا به.
قلت: وما هو؟ قال: الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو، أعلى الأعمال درجةً، وأشرفها منزلةً، وأسناها حظاً.
قال: قلت: ألا تخبرني عن الإيمان، أقولٌ هو وعملٌ، أم قولٌ بلا عمل؟
فقال: الإيمان عملٌ كلُّه، والقول بعض ذلك العمل، بفرضٍ من الله، بَيِّنٌ في كتابه، واضحٌ نورُه، ثابتةٌ حُجَّتُهُ، يشهد له به الكتاب ويدعوه إليه.
قال: قلت: صِفْهُ لي، جعلت فداك حتى أفهمه.
قال: الإيمان حالات، ودرجات، وطبقات، ومنازل، فمنه التامُّ المنتهى تمامُه، ومنه الناقصُ البَيِّنُ نقصانُه، ومنه الراجحُ الزائدُ رجحانُه.
قلت: إنَّ الإيمان ليتم، وينقص، ويزيد؟ قال: نعم.
قلت: كيف ذلك؟ قال: لأنَّ الله تبارك وتعالى فَرَضَ الإيمان على جوارح ابن آدم، وقسمه عليها، وفرقه فيها، فليس من جوارحه جارحةٌ إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها، فمنها قلبه الذي به يعقل، ويفقه، ويفهم، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح، ولا تصدر إلا عن رأيِه، وأمرِه، ومنها عيناه اللتان يبصر بهما، وأُذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي ألباه من قبله، ولسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه، فليس من هذه جارحةٌ إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها بفرض من الله تبارك اسمه، ينطق به الكتاب لها، ويشهد به عليها...)
ثم يُفَصِّلُ الحديث عمل كل جارحة من الجوارح، وما فرض الله تعالى عليها مع بيان دليل ذلك من القرآن الكريم... واستدلالُ الإمام (ع) بكتاب الله في بيان ما فرض على كل جارحة دليلٌ على أهمية الموضوع.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com