موقع الصراط ... الموضوع : الإيمان-2
 
الأحد - 16 / رجب / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الإيمان-2  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 21 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  آثار الإيمان:
الإيمان الحقيقي يستوعب كل حياة المؤمن، ويستقطب كل مشاعره وأحاسيسه، وكيانه الروحي والجسدي، فلا بدَّ أن ينعكس ذلك على حياته العملية؛ لأنَّ الإيمان ليس مجردَ فكرةٍ يعتنقها الإنسان، وإنما هو فكرٌ، وعقيدةٌ تستبطن المسؤوليةَ، وهي قوةٌ دافعةٌ، ومحركةٌ نحو الهدف، وللحركةِ الإيمانية آثارٌ نفسيةٌ وسلوكية عملية في حياة الإنسان نذكر بعضها :
1- العمل الصالح: الإيمان بفكرة أو عقيدة إيماناً حقيقياً واعياً، يصنع شخصية الإنسان، ويرسم منهجه، ويحدد سلوكه بمقتضاه، وإذا كان الإيمان صحيحاً وسليماً، فإنَّه سيدفع المؤمن إلى العمل الصالح، جاء عن الإمام السجاد (ع): (وما العلم بالله، والعمل إلا إلفان مؤتلفان، فمن عرف الله خافه، وحَثَّه الخوف على العمل بطاعة الله، وإنَّ أرباب العلم، وأتباعهم الذين عرفوا الله، فعملوا له، ورغبوا إليه، وقد قال الله: ((إنما يخشى الله من عباده العلماء)) )
وهذا ما أكَّدَه القرآن الكريم، وجعل العملَ يلازم الإيمانَ، كقوله تعالى:
((وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار))
((من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون))
((والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون))
((وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى))
وقد ورد اقتران الإيمان بالعمل الصالح في موارد كثيرة جداً من القرآن الكريم، والسر في ذلك أنَّ الإيمان بلا عمل ادعاءٌ لا حقيقة له؛ لأنَّ الإيمانَ عملٌ كلُّه، والقول بعضه كما تقدم في حديث الزبيري، بل إنَّ ثَباتَ الإيمان متوقفٌ على العمل، وقبولَ العمل متوقفٌ على الإيمان، فعن جميل بن درَّاج قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الإيمان، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسولُ الله، قال: قلت: أليس هذا عمل؟ قال: بلى، قلت: فالعمل من الإيمان؟ قال: لا يثبت له الإيمان إلا بالعمل، والعمل منه)
2- التمسك بمناهج الأنبياء إقتداء، وتأسياً، وإتباعاً، فإنَّ من آمَنَ بالله ورسوله اتبع ما يدعون إليه، ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم))
3- الطمأنينة والسكون في النفس لما أراد الله تعالى مع تحمل الصعاب والشدائد في سبيله, وتجاوز العقبات التي تعترض تحقيق أهدافه، فإنَّ الإيمان (هو الذي يبعث السكينة لصاحبه، والراحة في النفس، والاطمئنان في القلب) قال تعالى :
((فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليماً))
((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون))
4- والإيمان باعث على حب الله ورسوله بحيث يكون أحب إليه من غيرهما، قال تعالى: ((قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين))
5- والإيمان باعث على الصبر، والتحمل في المصاعب والمشاكل؛ لأنَّ صاحبه يعلم بأنَّ المصيبة الحقيقية في الدين، وأنَّها أشد من المصائب في النفس والمال... والمؤمن إذا أصابته مصيبة يُسَلِّمُ أمرَه إلى الله عز وجلّ ويقول: ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) روى عبد الله بن شداد أنَّ رسول الله (ص) كان يقول: (اللهم رضا بقضائك، وبرك لي في قدرك) وفي أشد المواقف حراجةً يرفع يديه متضرعاً لله قائلاً: (اللهم إليك أشكو ضَعْفَ قوتي، وقِلَّةَ حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحمَ الراحمين، أنت ربُّ المستضعفين، وأنت ربي، إلى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلى بعيد يتجهَّمني؟ أم إلى عدو مَلَّكَتَه أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكنَّ عافيتَك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقتْ له الظلمات، وصلح عليه أمرُ الدنيا والآخرة، من أن تُنْزِلَ بي غضبَك، أو يحل عليَّ سَخَطُك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)
إذن من آثارِ الإيمانِ التسليمُ لله، والرضا بقضائِه وقدرِه، قال تعالى: ((وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون))
6- اجتناب المعاصي والمحرمات: فإذا عرضت للإنسان المعاصي والآثام أعرض عنها خوفاً, أو طاعة، ولو صدرت منه معصية لجهلٍ, أو نسيان, أو غفلة بادر إلى التوبة والإنابة، قال عز وجلّ : ((والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله))
7- مراقبة النفس، ومحاسبتها, ومعاقبتها؛ لتزكيتها بتحميلها ما لا ترغب من أعمال البرِّ، والاجتهاد في طلب مرضاة الله عز وجلّ ، وتهذيبها بالأخلاق الفاضلة.
8- الارتباط بعالم الغيب والعبور إلى ما وراء المادة، والوصول إلى حقائق الوجود المخفية على الإبصار، والتي لا تدرك إلا بالبصائر النافذة إلى عالم الملكوت, وهكذا يمنح الإيمانُ باللهِ ورسلِه واليومِ الآخرِ الإنسانَ: قوةً في العقل, وسلامةً في القلب, وزكاةً في النفس, ونفاذاً في البصيرة, وبذلك يعرف علة وجوده, وسر إيجاده, وأنَّه مخلوق مُخَيَّرٌ، ومسؤولٌ، ومحاسبٌ لم يخلق عبثاً, ولم يترك سداً.
وتَحَقُّقُ هذه الآثار إنما يحصل إذا كان الإيمان عن وعي شامل، وأقصد بالوعي ما تقدم من امتزاج الفكر بالعاطفة، أو قُلْ نزول المعارف الإلهية من عالم العقل إلى عالم القلب، وخروجها كياناً واحداً متجسداً بالسلوك، متوجهاً إلى الله عز وجلّ .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com