موقع الصراط ... الموضوع : تقسيم القرآن في عرف علماء التفسير إلى مكي ومدني-1
 
الأربعاء - 8 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  تقسيم القرآن في عرف علماء التفسير إلى مكي ومدني-1  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 21 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم: السيد الشهيد محمد باقر الحكيم (قدس سره)
التفسير اتجاهات عديدة لتفسير هذا المصطلح احدهما الاتجاه السائد وهو تفسيره على أساس الترتيب الزماني للآيات واعتبار الهجرة حداً زمنياً فاصلاً بين مرحلتين

فكل آية نزلت قبل الهجرة تعتبر مكية وكل آية نزلت بعد الهجرة فهي مدنية وان كان مكان نزولها مكية كالآيات التي نزلت على النبي حين كان في مكة وقت الفتح فالمقياس هو الناحية الزمنية لا المكانية. والاتجاه الآخر هو الأخذ بالناحية المكانية مقياساً للتميز بين المكي والمدني فكل آية يلاحظ مكان نزولها فان كان النبي (ص) حين نزولها في مكة سميت مكية وان كان حينذاك في المدينة سميت مدنية.
والاتجاه الثالث يقوم على أساس مراعاة أشخاص المخاطبين فهو يعتبر أن المكي ما وقع خطاباً لأهل مكة والمدني ما وقع خطاباً لأهل المدينة.
ويمتاز الاتجاه الأول عن الاتجاهين الأخيرين بشمول المكي والمدني على أساس الاتجاه الأول لجميع آيات القرآن لأننا إذا أخذنا بالناحية الزمنية كانت كل آية في القرآن إما مكية وإما مدنية لأنها إذا كانت نازلة قبل هجرة النبي إلى المدينة ودخوله إليها فهي مكية وان نزلت على النبي في طريقه من مكة إلى المدينة وإذا كانت نازلة بعد دخول النبي مهاجراً إلى المدينة فهي مدنية مهما كان مكان نزولها وإما على الاتجاهين الأخيرين في تفسير المصطلح فقد نجد آية ليست مكية ولا مدنية كما إذا كان موضع نزولها مكاناً ثالثاً لا مكة ولا المدينة ولم يكن خطابها لأهل مكة أو أهل المدينة نظير الآيات التي نزلت على النبي (ص) في معراجه أو إسرائه.

الترجيح بين الاتجاهات الثلاثة:
وإذا أردنا أن نقارن بين هذه الاتجاهات الثلاثة لنختار واحداً منها فيجب أن نطرح منذ البدء الاتجاه الثالث لأنه يقوم على أساس خاطئ وهو الاعتقاد بان من الآيات ما يكون خطاباً لأهل مكة خاصة ومنها ما يكون خطاباً لأهل المدينة وليس هذا بصحيح فان الخطابات القرآنية عامة وانطباقها حين نزولها على أهل مكة أو على أهل المدينة لا يعني كونها خطاباً لهم خاصة أو اختصاص ما تشتمل عليه من توجيه أو نصح أو حكم شرعي بهم بل هي عامة ما دام اللفظ فيها عاماً.
والواقع إن لفظ المكي والمدني ليس لفظاً شرعياً حدد النبي مفهومه لكي نحاول اكتشاف ذلك المفهوم وإنما هو مجرد اصطلاح تواضع عليه علماء التفسير وما من ريب في إن كل احد له الحق في إن يصطلح كما يشاء ولا نريد هنا إن نخطئ الاتجاه الأول أو الاتجاه الثاني مادام لا يعبر كل منهما إلا عن اصطلاح من حق أصحاب ذلك الاتجاه أن يضعوه ولكنا نرى أن وضع مصطلح المكي والمدني على أساس الترتيب الزمني كما يقرره الاتجاه الأول انفع وأفيد للدراسات القرآنية لان التمييز من ناحية زمنية بين ما انزل من القرآن قبل الهجرة وما انزل بعدها أكثر أهمية للبحوث القرآنية من التمييز على أساس المكان بين ما انزل على النبي في مكة وما انزل عليه في المدينة فكان جعل الزمن أساساً للتمييز بين المكي والمدني واستخدام هذا المصطلح لتحديد الناحية الزمنية أوفق بالهدف.
وتتجلى أهمية التمييز الزمني من التمييز المكاني في نقطتين إحداهما فقهية أي أنها ترتبط بعلم الفقه ومعرفة الأحكام الشرعية وهي أن تقسيم الآيات على أساس الزمن إلى مكية ومدنية وتحديد ما نزل قبل الهجرة وما نزل بعد الهجرة يساعدنا على معرفة الناسخ والمنسوخ لان الناسخ متأخر بطبيعيته على المنسوخ زماناً فإذا وجدنا حكمين ينسخ احدهما الآخر استطعنا أن نعرف الناسخ عن طريق التوقيت الزمني فيكون المدني منهما ناسخاً للمكي لأجل تأخره عنه زماناً.
والأخرى هي إن التقسيم الزمني للآيات إلى مكية ومدنية يجعلنا نتعرف على مراحل الدعوة التي مر بها الإسلام على يد النبي فان الهجرة المباركة ليست مجرد حادث عابر في حياة الدعوة وإنما هي حد فاصل بين مرحلتين من عمر الدعوة وهما مرحلة العمل الفردي ومرحلة العمل ضمن دولة ولئن كان بالإمكان تقسيم كل من هاتين المرحلتين بدورها أيضا فمن الواضح على أي حال إن التقسيم الرئيسي هو التقسيم على أساس الهجرة فإذا ميزنا بين الآيات النازلة قبل الهجرة وما نزل منها بعد الهجرة استطعنا أن نواكب تطورات الدعوة والخصائص العامة التي تجلت فيها خلال كل من المرحلتين.
وإما مجرد اخذ مكان النزول بعين الاعتبار وإهمال عامل الزمن فهو لا يمدنا بفكرة مفصلة عن هاتين المرحلتين ويجعلنا نخلط بينهما كما يحرمنا من تمييز الناسخ عن المنسوخ من الناحية الفقهية.
فلهذا كله نؤثر الاتجاه الأول في تفسير المكي والمدني وعلى هذا الأساس سوف نستعمل هذين المصطلحين.
بدأ المفسرون عند محاولة التمييز بين المكي والمدني بالاعتماد على الروايات والنصوص التاريخية التي تؤرخ السورة أو الآية وتشير إلى نزولها قبل الهجرة أو بعدها وعن طريق تلك الروايات والنصوص التي تتبعها المفسرون واستوعبوها استطاعوا أن يعرفوا عدداً كبيراً من السور والآيات المكية والمدنية ويميزوا بينها.
وبعد أن توفرت لهم المعرفة بذلك اتجه كثير من المفسرين الذين عنوا بمعرفة المكي والمدني إلى دراسة مقارنة لتلك الآيات والسور المكية والمدنية التي اكتشفوا تأريخها عن طريق النصوص وخرجوا من دراستهم المقارنة باكتشاف خصائص عامة في السور والآيات المكية وخصائص عامة أخرى في المدني من الآيات والسور فجعلوا من تلك الخصائص العامة مقاييس يقيسون بها سائر الآيات والسور التي لم يؤثر توقيتها الزمني في الروايات والنصوص فما كان منها يتفق مع الخصائص العامة للآيات والسور المكية حكموا بأنه مكي وما كان اقرب إلى الخصائص العامة للمدني وأكثر انسجاماً معها أدرجوه ضمن المدني من الآيات بالسور.
وهذه الخصائص العامة التي حددت المكي والمدني بعضها يرتبط بأسلوب الآية والسورة كقولهم إن قصر الآيات والسور وتجانسها الصوتي من خصائص القسم المكي وبعضها يرتبط بموضوع النص القرآني كقولهم مثلاً أن مجادلة المشركين وتسفيه أحلامهم من خصائص السور المكية.
ويمكن تلخيص ما ذكروه من الخصائص الأسلوبية والموضوعية للقسم المكي فيما يأتي: -
1 - قصر الآيات والسور وإيجازها وتجانسها الصوتي.
2 - الدعوة إلى أصول الإيمان بالله واليوم الآخر وتصوير الجنة والنار.
3 - الدعوة للتمسك بالأخلاق الكريمة والاستقامة على الخير.
4 - مجادلة المشركين وتسفيه أحلامهم.
5 - استعمال السورة لكلمة يا أيها الناس وعدم استعمالها لكلمة يا أيها الذين آمنوا.
وقد لوحظ ان سورة الحج تستثنى من ذلك لانها استعملت الكلمة الثانية بالرغم من انها مكية فهذه الخصائص الخمس يغلب وجودها في السور المكيّة.
وأما ما يشيع في القسم المدني من خصائص عامة فهي: -
1 - طول السورة والآية وإطنابها.
2 - تفصيل البراهين والأدلة على الحقائق الدينية.
3 - مجادلة أهل الكتاب ودعوتهم إلى عدم الغلو في دينهم.
4 - التحدث عن المنافقين ومشاكلهم.
5 - التفصيل لإحكام الحدود والفرائض والحقوق والقوانين السياسية والاجتماعية والدولية.
موقفنا من هذه الخصائص:
وما من ريب في أن هذه المقاييس المستمدة من تلك الخصائص العامة تلقي ضوءاً على الموضوع وقد تؤدي إلى ترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر في السور التي لم يرد نص بأنها مكية أو مدنية فإذا كانت إحدى هذه السور تنفق مثلاً مع السور في أسلوبها وإيجازها وتجانسها الصوتي وتنديدها بالمشركين وتسفيه أحلامهم فالأرجح أن تكون سورة مكية لاشتمالها على هذه الخصائص العامة للسورة المكية.
ولكن الاعتماد على تلك المقاييس إنما يجوز إذا أدت إلى العلم ولا يجوز الأخذ بها لمجرد الظن ففي المثال المتقدم حين نجد سورة تتفق مع السور المكية في أسلوبها وإيجازها لا نستطيع أن نقول بأنها مكية لأجل ذلك إذ من الممكن أن تنزل سورة مدنية وهي تحمل بعض خصائص الأسلوب الشائع في القسم المكي، صحيح انه يغلب على الظن ان السورة مكية لقصرها وإيجازها ولكن الأخذ بالظن لا يجوز لأنه قول من دون علم.
وأما إذا أدت تلك المقاييس إلى الاطمئنان والتأكد من تاريخ السورة وإنها مكية أو مدنية فلا بأس بالاعتماد عليها عند ذاك ومثاله النصوص القرآنية التي تشتمل على تشريعات للحرب والدولة مثلاً فان هذه الخصيصة الموضوعية تدل على أن النص مدني لان طبيعة الدعوة في المرحلة الأولى التي عاشتها قبل الهجرة لا تنسجم إطلاقا مع التشريعات الدولية فنعرف من اجل هذا إن النص مدني نزل في المرحلة الثانية من الدعوة أي في عصر الدولة.
ولم نجد في الشبهات التي تناولناها ولا نجد في غيرها ما يمكنه أن يصمد أمام النقد العلمي أو الدرس الموضوعي ومن كل ذلك يجدر بنا أن نقدم تفسيراً منطقياً لظاهرة الفرق بين القسم المكي والقسم المدني وان كنا قد المحنا إلى جانب من هذا التفسير عندما تناولنا الشبهات بالنقد والمناقشة.
ويحسن بنا أن نذكر الفروق الحقيقية التي امتاز بها المكي عن المدني سواء ما يتعلق بالأسلوب أو بالموضوع الذي تناوله القرآن. ثم نفسر هذه الفروق على أساس الفكرة التي اشرنا إليها في صدر البحث والتي تقول أن هذه الفروق كانت نتيجة لمراعاة ظروف الدعوة والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. لان الهدف والغاية يلقيان - في كثير من الأحيان - بظلهما على طريق العرض والمادة المعروضة.
وتلخص هذه الفروق والخصائص التي يمتاز بها المكي عن المدني غالباً بالأمور التالية:
1 - إن المكي عالج بشكل أساسي مبادئ الشرك والوثنية وأسسها النفسية والفكرية ومؤداها الأخلاقي والاجتماعي.
2 - وقد أكد على ما في الكون من بدائع الخلقة وعجائب التكوين الأمر الذي يشهد بوجود الخالق المدبر لها. كما أكد على عالم الغيب والبعث والجزاء والوحي والنبوات وشرح ما يرتبط بذلك من أدلة وبراهين كما خاطب الوجدان الإنساني وما أودعه اللّه فيه من عقل وحكمة وشعور.
3 - والى جانب ذلك تحدث عن الأخلاق بمفاهيمها العامة مع ملاحظة الجانب التطبيقي منها وحذر من الانحراف فيها كالكفر والعصيان والجهل والعدوان وسفك الدماء ووأد البنات واستباحة الأعراض واكل أموال اليتامى.. إلى غير ذلك وعرض إلى جانب ذلك الوجه الصحيح للأخلاق كالإيمان باللّه والطاعة له والعلم والمحبة والرحمة والعفو والصبر والإخلاص واحترام الآخرين وبر الوالدين وإكرام الجار ونظافة اللسان والصدق في المعاملة والتوكل على اللّه وغير ذلك.
4 - وقد تحدث عن قصص الأنبياء والرسل والمواقف المختلفة التي كانوا يواجهونها من قبل أقوامهم وأممهم وما يستنبط من ذلك من العبر والمواعظ.
5 - انه سلك طريق الإيقاع الصوتي والإيجاز في الخطاب سواء في الآيات أو السور ويكاد أن يكون المدني بخلاف ذلك على الغالب وان كان قد امتاز بالأمرين التاليين:
أ - دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام مع مناقشتهم وبيان انحرافهم عن العقيدة والمناهج الحقة التي أنزلت على أنبيائهم.
ب - بيان التفصيلات في التشريع والنظام ومعالجة مشاكل العلاقات المختلفة في المجتمع الإنساني.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com