موقع الصراط ... الموضوع : تقسيم القرآن في عرف علماء التفسير إلى مكي ومدني-2
 
الثلاثاء - 7 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  تقسيم القرآن في عرف علماء التفسير إلى مكي ومدني-2  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 21 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  التفسير الصحيح للفرق بين المكي والمدني:
وحين نريد ان ندرس ظاهرة الفرق بين المكي والمدني من خلال هذه الخصائص والميزات نجد:
أولا:إن الدعوة الإسلامية بدأت في مكة وعاشت فيها ثلاث عشرة سنة وهذه الفترة منسوبة إلى زمن نزول القرآن تعتبر في الحقيقة فترة إرساء أسس العقيدة الإسلامية بجوانبها المختلفة سواء ما يتعلق بالجانب الإلهي أو الغيبي أو الأخلاقي أو الاجتماعي وسواء ما يتعلق بالجانب الايجابي كعرض مفاهيمها عن الكون والحياة والأخلاق والمجتمع أو ما يتعلق بالجانب السلبي كمناقشة الأفكار الكافرة التي كانت تسود المجتمع آنذاك.
وهذه الحقيقة تفرض - بطبيعة الحال - أن يكون القسم المكي أكثر شمولاً واتساعاً من جانب وان يكون مرتبطاً بمادته وموضوعاته بالأسس والركائز للرسالة الجديدة من جانب آخر. وهذا هو الذي يفسر لنا غلبة المكي على المدني من الناحية الكمية مع إن الفترة المدنية تبدو - تاريخياً - وكأنها زاخرة بالأحداث الجسام والمجتمع المدني أكثر تعقيداً ومشاكل. كما أن هذا بنفسه بالإضافة إلى الفكرة التي اشرنا إليها وهي مراعاة الظروف التي تسير بها الدعوة يفسر لنا هذه الخصائص والميزات التي غلبت على المكي من جانب والمدني من جانب آخر.
فأما بالنسبة إلى الخصيصة الأولى:
نلاحظ أن المجتمع المكي كان مجتمعاً يتسم بطابع الوثنية في الجانب العقيدي بالإضافة إلى أن إيضاح الموقف تجاهها يشكل نقطة أساسية في القاعدة للرسالة الجديدة لأنها تتنبى التوحيد الخالص كأساس لكل جوانبها وتفصيلاتها الأخرى. فكان من الطبيعي التأكيد على فكرة رفض الشرك والوثنية والدخول في مناقشة طويلة معها بشتى الأساليب والطرق.
وبالنسبة إلى الخصيصة الثانية:
نلاحظ أن المجتمع المكي لم يكن يؤمن بفكرة الإله الواحد كما لا يؤمن بعوالم الغيب والبعث والجزاء والوحي وغير ذلك وهذه الأفكار من القواعد الأساسية للرسالة والعقيدة الإسلامية بالإضافة إلى إن مجتمع أهل الكتاب كان يؤمن بهذه الأصول جميعها. فكان من الضروري أن يؤكد القسم المكي على ذلك انسجاماً مع طبيعة المرحلة المكية التي تعتبر مرحلة متقدمة كما إن بيانها في هذه المرحلة يجعل المرحلة الثانية في غنى عن بيانها مرة أخرى.
وبالنسبة إلى الخصيصة الثالثة:
فلعل التأكيد على الأخلاق في القسم المكي دون المدني كان بسبب العوامل الثلاثة التالية:
أ - إن الأخلاق تعتبر قاعدة النظام الاجتماعي فالتأكيد عليها يعني في الحقيقة إرساء لقاعدة النظام الاجتماعي الذي يستهدفه القرآن.
ب - كما أن الدعوة كانت بحاجة - من اجل نجاحها - إلى استثارة العواطف الإنسانية الخيرة ليكون نفوذها في المجتمع وتأثيرها في الأفراد عن طريق مخاطبة هذه العواطف والأخلاق هي الأساس الحقيقي لكل هذه العواطف وهي الرصيد الذي يمدها بالحياة والنمو.
ج - إن المجتمع المدني كان يمارس الأخلاق من خلال التطبيق الذي كان يباشره الرسول محمد (ص) بنفسه فلم يكن بحاجة كبيرة إلى التأكيد على المفاهيم الأخلاقية على العكس من المجتمع المكي الذي كان يعيش فيه المسلمون حياة الاضطهاد وكان يمارس التطبيق فيه الأخلاق الجاهلية.
وبالنسبة إلى الخصيصة الرابعة:
نجد القصص تتناول من حيث الموضوع أكثر النواحي التي عالجها القرآن الكريم من العقيدة بالإله الواحد وعالم الغيب والوحي والأخلاق والبعث والجزاء بالإضافة إلى أنها تصور المراحل المتعددة للدعوة والمواقف المختلفة منها والقوانين الاجتماعية التي تتحكم فيها وفي نتائجها والمصير الذي يواجهه أعداؤها والى جانب ذلك تعتبر القصة في القرآن أحد أسباب الإعجاز فيه وأحد الأدلة على ارتباطه بالسماء.
وكل هذه الأمور لها صلة وثيقة بالظروف التي كانت تمر بها الدعوة في مكة ولها تأثير كبير في تطويرها لصالح الدعوة وأهدافها الرئيسية.
ومع كل هذا لم يهمل القسم المدني القصة مطلقة بل تناولها بالشكل الذي ينسجم مع طبيعة المرحلة التي تمر بها كما سوف نتعرف على ذلك عند دراستنا للقصة.
وبالنسبة إلى الخصيصة الخامسة:
فقد كان لها ارتباط وثيق بجوانب مرحلية وإعجازية لأن المرحلة كانت تفرض كسر طوق الأفكار الجاهلية الذي كان مضروباً على المجتمع فكان لهذا الأسلوب الصاعق الحاد تأثير فعال في تذليل الصعوبات وتحطيم معنويات المقاومة العنيفة.
وحين يتحدى القرآن الكريم العرب في أن يأتوا بسورة منه يكون الإيجاز في السورة ابلغ في إيضاح الإعجاز القرآني وأعمق تأثيراً وأبعد مدى.
وقد كانت المعركة إلى ذلك كله في أولها معركة شعارات وتوطيد مفاهيم عامة عن الكون والحياة والإيجاز والقصر ينسجم مع واقع المعركة وإطارها أكثر من الدخول في تفصيلات واسعة ولهذا نشاهد السور القصيرة تمثل المرحلة الأولى تقريباً من مراحل القسم المكي.وهذه الملاحظات لم تكن تتوفر في مجتمع المدينة بعد أن أصبح الإسلام هو الحاكم المسيطر على المجتمع وبعد أن أصبحت مسألة الوحي والاتصال بالسماء مسألة واضحة وبعد ان جاء دور آخر للمعركة يفرض أسلوبا آخر في العرض والبيان.
ومن هذا الدرس لخصائص ومميزات القسم المكي تتضح مبررات خصائص القسم المدني من الدخول في تفصيلات الأحكام الشرعية والأنظمة الاجتماعية أو مناقشة أهل الكتاب في عقائدهم وانحرافاتهم. حيث فرضت ظروف الحكم في المدينة. والحاجة إلى تنظيم العلاقات بين الناس إلى بيان هذه التفصيلات في الأنظمة. كما أن المعركة في المدينة انتقلت من الأصول والأسس العامة للعقيدة إلى جوانب تفصيلية منها ترتبط بحدودها وأشكالها وبالعمل على تقويم الانحراف الذي وضعه أهل الكتاب فيها.
وبهذا نفسر الفرق بين المكي والمدني بالشكل الذي ينسجم مع فكرتنا عن القرآن وفكرتنا عن مراعاته للظروف من اجل تحقيق اهدافه وغاياته.
الشبهات المثارة حول المكي والمدني:
لقد كان موضوع المكي والمدني من جملة الموضوعات القرآنية التي أثيرت حولها الشبهة والجدل وتنطلق الشبهة هنا من أساس هي أن الفروق والميزات التي تلاحظ بين القسم المكي من القرآن الكريم والقسم المدني منه.. تدعو في نظر بعض المستشرقين إلى الاعتقاد بان القرآن قد خضع لظروف بشرية مختلفة اجتماعية وشخصية تركت آثارها على أسلوب القرآن وطريقة عرضه وعلى مادته والموضوعات التي عنى بها.
ويجدر بنا قبل أن ندخل في الحديث عن الشبهات ومناقشتها أن نلاحظ الأمرين التاليين لما لهما من تأثير في فهم البحث ومعرفة نتائجه.
الاول: انه لابد لنا أن نفرق منذ البدء بين فكرة تأثر القرآن الكريم وانفعاله بالظروف الموضوعية من البيئة وغيرها بمعنى انطباعه بها وبين فكرة مراعاة القرآن لهذه الظروف بقصد تأثيره فيها وتطويرها لصالح الدعوة فان الفكرة الأولى تعني في الحقيقة بشرية القرآن حيث تفرض القرآن في مستوى الواقع المعاش وجزءاً من البيئة الاجتماعية يتأثر بها كما يؤثر فيها بخلاف الفكرة الثانية فإنها لا تعني شيئاً من ذلك لأن طبيعة الموقف القرآني الذي يستهدف التغيير وطبيعة الأهداف والغايات التي يرمي القرآن إلى تحقيقها قد تفرض هذه المراعاة حيث تحدد الغاية والهدف طبيعة الأسلوب الذي يجب سلوكه للوصول إليها.
فهناك فرق بين أن تفرض الظروف والواقع نفسها على الرسالة وبين أن تفرض الأهداف والغايات التي ترمي الرسالة إلى تحقيقها من خلال الواقع أسلوبا ومنهجاً للرسالة. لان الهدف والغاية ليسا شيئين منفصلين عن الرسالة ليكون تأثيرهما عليها تأثيراً مفروضاً من الخارج.
فنحن في الوقت الذي نرفض فيه الفكرة الأولى بالنسبة إلى القرآن نجد أنفسنا لا تأبى التمسك بالفكرة الثانية في تفسير الظواهر القرآنية المختلفة. سواء ما يرتبط منها بالأسلوب القرآني أو الموضوع والمادة المعروضة فيه.
الثاني: إن تفسير وجود الظاهرة القرآنية لابد أن يعتبر هو المصدر الأساس في جميع الأحكام التي تصدر على محتوى القرآن وأسلوب العرض فيه. فقد تكون النقطة الواحدة في القرآن الكريم سبباً في إصدار حكمين مختلفين نتيجة للاختلاف في تفسير أصل وجود القرآن وسوف نورد بعض الأمثلة لهذا الاختلاف في الحكم عندما نذكر من شروط في المفسر للقرآن أن يكون ذا ذهنية إسلامية.
ومن اجل ذلك فنحن لا نسوغ لأنفسنا أن نقبل حكماً ما في تفسير نقطة حول القرآن الكريم، لمجرد انسجام هذا الحكم مع تلك النقطة بل لا بد لنا أن ننظر أيضاً - بشكل مسبق - إلى مدى انسجام الحكم مع التفسير الصحيح لوجود الظاهرة القرآنية نفسها.
إن الظاهرة القرآنية كما سنشرحه في البحوث القادمة ليست نتاجاً شخصياً لمحمد وبالتالي ليست نتاجاً بشرياً مطلقاً وإنما هي نتاج إلهي مرتبط بالسماء. وعلى هذا الأساس يمكننا أن نجزم بشكل مسبق ببطلان جميع الشبهات التي تثار حول المكي والمدني لأنها في الحقيقة تفسيرات لظاهرة الفرق بين المكي والمدني على أساس أن القرآن الكريم نتاج بشري.
وبالأحرى يجب أن يقال: إن شبهات المكي والمدني ترتبط في الحقيقة بالشبهات التي أثيرت حول الوحي ارتباطاً موضوعياً لأنها ترتبط بفكرة إنكار الوحي ولذا فسوف نناقش هذه الشبهات بعد التحدث عنها لإيضاح بطلانها من ناحية وتقديم التفسير الصحيح للفرق بين المكي والمدني بعد ذلك من ناحية ثانية.
الشبهة حول المكي والمدني:
للشبهة حول المكي والمدني جانبان: جانب يرتبط بالأسلوب القرآني فيها وجانب آخر يرتبط بالمادة والموضوعات التي عرض القرآن لها في هذين القسمين وفي كل من القسمين تصاغ الشبهة على عدة إشكال نذكر مها صياغتين لكل واحد من القسمين.
أ - أسلوب المكي يمتاز بالشدة والعنف والسباب فقد قالوا:
إن أسلوب القسم المكي من القرآن يمتاز عن القسم المدني بطابع الشدة والعنف بل السباب أيضاً. وهذا يدل على تأثر محمد بالبيئة التي كان يعيش فيها لأنها مطبوعة بالغلظة والجهل. ولذا يزول هذا الطابع عن القرآن الكريم عند ما ينتقل محمد إلى مجتمع المدينة الذي تأثر فيه - بشكل أو بآخر - بحضارة أهل الكتاب وأساليبهم وتستشهد الشبهة بعد ذلك لهذه الملاحظة بالسور والآيات المكية المطبوعة بطابع الوعيد والتهديد والتعنيف أمثال: سورة (المسد) وسورة (العصر) وسورة (التكاثر) وسورة (الفجر) وغير ذلك.
ويمكن أن نناقش هذه الشبهة.
أولا: بعدم اختصاص القسم المكي من القرآن الكريم بطابع الوعيد والإنذار دون القسم المدني بل يشترك المكي والمدني بذلك. كما إن القسم المدني لا يختص أيضا كما قد يفهم من الشبهة بالأسلوب اللين الهادئ الذي يفيض سماحة وعفواً بل نجد ذلك في المكي والشواهد القرآنية على ذلك كثيرة.
فمن القسم المدني الذي اتسم بالشدة والعنف قوله تعالى ﴿فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾
وقوله تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس)
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من اللّه ورسوله وان تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾
وقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من اللّه شيئاً وأولئك هم وقود النار. كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم اللّه بذنوبهم واللّه شديد العقاب. قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد﴾
كما نجد في القسم المكي ليناً وسماحة كما جاء في قوله تعالى ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى اللّه وعمل صالحاً وقال انني من المسلمين. ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾
وقوله تعالى: ﴿فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند اللّه خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها. فمن عفا وأصلح فأجره على اللّه إنه لا يحب الظالمين. ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب اليم. ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾
وقوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم. لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين﴾
وقوله تعالى: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إن اللّه يغفر الذنوب جميعاً انه هو الغفور الرحيم﴾
وثانياً: انه ليس في القرآن الكريم سباب وشتم. كيف ؟ وقد نهى القرآن نفسه عن السب والشتم حيث قال تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون اللّه فيسبوا اللّه عدواً بغير علم﴾
وليس في سورة (المسد) أو (التكاثر) سب أو بذاءة - كما يحاول المستشرقون ان يقولوا ذلك - وإنما فيهما تحذير ووعيد بالمصير الذي ينتهي إليه أبو لهب والكافرون باللّه.
نعم، يوجد في القرآن الكريم تقريع وتأنيب عنيف وهو موجود في المدني كما هو في المكي وان كان يكثر وجوده في المكي بالنظر لمراعاة ظروف الاضطهاد والقسوة التي كانت تمر بها الدعوة، الأمر الذي اقتضى أن يواجه القرآن ذلك بالعنف والتقريع - أحيانا - لتقوية معنويات المسلمين من جانب وتحطيم معنويات المقاومة من جانب آخر كما سوف نشير إليه قريباً.
ومن هذا التقريع في السور المدنية قوله تعالى ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم. ومن الناس من يقول آمنا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين - إلى قوله تعالى - صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾
وقوله تعالى ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من اللّه ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون النبيين بغير الحق. وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾
وقوله ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما انزل اللّه بغياً أن ينزل اللّه من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين﴾
وقوله تعالى ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاعنون﴾
وقوله تعالى: ﴿اذ قال اللّه يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فاحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون. فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين﴾
وقوله تعالى: ﴿قل هل أُنَبِّئُكم بشرّ من ذلك مثوبة عند اللّه من لعنه اللّه وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل﴾
وقوله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد اللّه مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان﴾
ب - أسلوب القسم المكي يمتاز بقصر السور والآيات:
وقالوا أيضا إن من الملاحظ قصر السور والآيات في القسم المكي على عكس القسم المدني الذي جاء بشيء من التفصيل والإسهاب. فنحن نجد أن السور المكية جاءت قصيرة ومعروضة بشكل موجز في الوقت الذي نجد في القسم المدني سورة البقرة وآل عمران والنساء وغيرها من السور الطوال.
وهذا يدل على انقطاع الصلة بين القسم المكي والقسم المدني وتأثرهما بالبيئة التي كان يعيشها محمد (ص) فان مجتمع مكة لما كان مجتمعاً أميا لم يكن بقدرته التبسط في شرح المفاهيم وتفصيلها وإنما واتته القدرة على ذلك عند ما اخذ يعيش مجتمع المثقفين المتحضر في يثرب.
وتناقش هذه الشبهة بالامرين التاليين:
الأول: إن القصر والإيجاز ليسا مختصين بالقسم المكي بل يوجد في القسم المدني سور قصيرة أيضا كالنصر والزلزلة والبينة وغيرها. كما أن الطول والتفصيل ليسا مختصين بالقسم المدني بل توجد في المكي أيضاً سور طويلة كالأنعام والأعراف. وقد يقصد من اختصاص المكي بالقصر والإيجاز أن هذا الشيء هو الغالب الشائع فيه.
وقد يكون هذا صحيحاً ولكنه لا يدل بوجه من الوجوه على انقطاع الصلة بين القسمين المذكورين من القرآن الكريم لأنه يكفي في تحقيق هذه الصلة أن يأتي القرآن الكريم ببعض السور الطويلة المفصلة في القسم المكي كدليل على القدرة والتمكن من الارتفاع إلى مستوى التفصيل في المفاهيم والموضوعات.
بالإضافة إلى أن من الملاحظ وجود آيات مكية قد أثبتت في السور المدنية وبالعكس وفي كل من الحالتين نجد التلاحم والانسجام في السورة وكأنها نزلت مرة واحدة الأمر الذي يدل بوضوح على وجود الصلة التامة بين القسمين.
الثاني: إن الدراسات اللغوية التي قام بها العلماء المسلمون وغيرهم دلت على أن الإيجاز يعتبر مظهراً من مظاهر القدرة الخارقة على التعبير وهو بالتالي من مظاهر الإعجاز القرآني. خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار إن القرآن قد تحدى العرب بأن يأتوا بسورة من مثله حيث يكون التحدي بالسورة القصيرة أروع وأبلغ منه حين يكون بسورة مفصلة.
ج - لم يتناول القسم المكي في مادته التشريع والاحكام
وقالوا: إن القسم المكي لم يتناول فيما تناول من موضوعات - جانب التشريع من أحكام وأنظمة بينما تناول القسم المدني هذا الجانب من التفصيل. وهذا يعبر عن جانب آخر من التأثر بالبيئة والظروف الاجتماعية حيث لم يكن مجتمع مكة مجتمعاً متحضراً ولم يكن قد انفتح على معارف أهل الكتاب وتشريعاتهم على خلاف مجتمع المدينة الذي تأثر إلى حد بعيد بالثقافة والمعرفة للأديان السماوية كاليهودية والنصرانية.
وتناقش هذه الشبهة بالأمرين التاليين أيضاً:
أولا: إن القسم المكي لم يهمل جانب التشريع وإنما تناول أصوله العامة وجملة مقاصد الدين كما جاء في قوله تعالى: ﴿قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده...﴾
بالإضافة إلى أننا نجد في القسم المكي وفي سورة الأنعام بالخصوص مناقشة لكثير من تشريعات أهل الكتاب والتزاماتهم وهذا يدل على معرفة القرآن الكريم بهذه التشريعات وغيرها مسبقاً.
وثانياً: إن هذه الظاهرة يمكن أن تطرح في تفسيرها نظرية أخرى تنسجم مع الأساس الموضوعي لوجود الظاهرة القرآنية نفسها. وهذه النظرية هو أن يقال: أن الحديث عن التشريع في مكة كان شيئاً سابقاً لأوانه حيث لم يتسلم الإسلام حينذاك زمام الحكم بعد. بينما الأمر في المدينة على العكس. فلم يتناول القسم المكي التشريع لأن ذلك لا يتفق مع المرحلة التي تمر بها الدعوة. وإنما تناول الجوانب الأخرى التي تنسجم مع الموقف العام كما سوف نشرح ذلك قريباً.
د - لم يتناول القسم المكي في مادته الادلة والبراهين:
وقالوا: إن القسم المكي لم يتناول أيضاً الأدلة والبراهين على العقيدة وأصولها على خلاف القسم المدني. وهذا تعبير آخر أيضاً عن تأثر القرآن بالظروف الاجتماعية والبيئة اذ عجزت الظاهرة القرآنية بنظر هؤلاء عن تناول هذا الجانب الذي يدل على عمق النظر في الحقائق الكونية عندما كان يعيش محمد (ص) في مكة مجتمع الأميين بينما ارتفع مستوى القرآن في هذا الجانب عندما اخذ محمد (ص) يعيش إلى جانب أهل الكتاب في المدينة وذلك نتيجة لتأثره بهم ولتطور الظاهرة القرآنية نفسها.
وتناقش هذه الشبهة من وجهين:
الأول: إن القسم المكي لم يخل من الأدلة والبراهين بل تناولها في كثير من سوره والشواهد القرآنية على ذلك كثيرة وفي شتى المجالات.
فمن موارد الاستدلال على التوحيد قوله تعالى: ﴿ما اتخذ اللّه من ولد وما كان معه من إله. إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان اللّه عما يصفون﴾
وقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا فسبحان اللّه رب العرش عما يصفون لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. أم اتخذوا من دونه آلهة. قل هاتوا برهانكم. هذا ذكر من معي وذكر من قبلي، بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون﴾
وبصدد الاستدلال على نبوة محمد (ص) وارتباط ما جاء به من السماء: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذن لارتاب المبطلون. بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون وقالوا لولا انزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند اللّه وإنما أنا نذير مبين. أوَلم يكفهم انا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾
وبصدد الاستدلال على البعث والجزاء قوله تعالى: ﴿ونزلنا من السماء ماء مباركاً فانبتنا به جنات وحب الحصيد. والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج﴾ ﴿أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد﴾
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com