موقع الصراط ... الموضوع : النبوة-2
 
الجمعة - 7 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  النبوة-2  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 24 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  وأما الأمر الثاني: وهي الدليل على نبوة النبي محمد (ص):
فمما لا شك فيه أن الرسالة الإسلامية هي خاتمة الشرائع السماوية، وهي تؤمن بجميع الأنبياء بل الإعتقاد والإيمان بالرسل من أصول الإعتقاد فيها، ولذلك نحن نكتفي بإثبات نبوة الرسول الأكرم محمد (ص) وبذلك نثبت نبوة كل الأنبياء.
ويمكن الاستدلال عليها بمثالين ضربهما السيد الشهيد الصدر (رض) فقال: إذا تسلم الإنسان رسالة من صبي ريفي، وكانت الرسالة بليغة جداً، وبعبارات مركزة ، وبقدرة فنية بالغة على تنسيق الأفكار وعرضها، إذا تسلم رسالة من هذا القبيل فسوف يستنتج أن شخصاً مثقفاً واسع الإطلاع قوي العبارة قد أملى الرسالة على الصبي.
والاستدلال يمكن تجربته إلى الخطوات التالية:
1- إن كاتب الرسالة صبي ريفي ويدرس في مدرسة ابتدائية.
2- إن الرسالة تتميز بأسلوب بليغ ودرجة كبيرة من الإجادة الفنية وقدرة فائقة على تنسيق الأفكار.
3- إن الاستقراء يثبت في الحالات المماثلة أن صبيا بتلك المواصفات التي تقدمت في الخطوة الأولى لا يمكنه إن يصوغ رسالة بالمواصفات التي لوحظت في الخطوة التالية.
4- يستنتج إن الرسالة من نتاج شخص آخر استطاع الصبي أن يستفيد منه بشكل أو بآخر.
ومثال آخر من الأدلة العلمية:
مثال انجذاب الأكثرين إلى القطب الموجب في المغناطيس، ومحصله أن مكتشف الإلكترونات درس نوعاً من الأشعة ولّدها في أنبوبة مغلقة ثم سلط على وسط الأنبوبة قطعة مغناطيس فلاحظه أن الأشعة تميل إلى القطب الموجب منه ، وكرر العملية في ظروف مختلفة فكانت النتيجة واحدة، ولما كان يعلم بأن الضوء الاعتيادي لا يتأثر بالمغناطيس عرف أنه لابد من وجود عنصر آخر ينجذب إلى المغناطيس وهو الإلكترون.
وعملية الاستدلال بالمثالين هي أنه: كلما لوحظت ظاهرة معينة ضمن عوامل وظروف محسوسة ، ولوحظ استقرائيا إن هذه العوامل والظروف المحسوسة في الحالات المماثلة لا تؤدي إلى نفس الظاهرة فيدل ذلك على وجود عامل آخر غير منظور لابد من افتراضه لتفسير تلك الظاهرة ، وبكلمة أخرى أن النتيجة إذا جاءت أكبر من الظروف المحسوسة بحكم الاستقراء للحالات المماثلة كشفت عن وجود شيء غير منظور وراء تلك الظروف والعوامل المحسوسة
ومن خلال المثاليين نستطيع أن نستدل على نبوة رسول الله (ص) من خلال دراسة عدة أمور:
أ- الظروف الموضوعية: فعندما ندرس الظروف الموضوعية في حياة الرسول (ص) نجد الأمور التالية:
1) إن الرسول (ص) ينتسب إلى الجزيرة العربية ، وقد كانت من أشد أقطار العالم تخلقاً فكرياً واقتصادياً وسياسياً.
2) وينتمي إلى الحجاز الذي لم يمر طيلة الفترة الزمنية بتجربة تاريخية تمثل بعداً حضارياً.
3) إن أهل الجزيرة لم يتأثروا مطلقا بالتيارات الثقافية المعاصرة لهم من الفرس والروم ولم تصل إليهم.
4) كان مجتمع الجزيرة منغمساً من الناحية العقائدية بفوضى الشرك والوثنية.
5) إن مجتمع الجزيرة العربية كان مفكك اجتماعيا ، ويغلب فيه الغزو والصراع الرخيص.
6) ولم تتوفر أبسط أشكال الثقافية في الجزيرة العربية ، وهي القراءة والكتابة، وينقل التاريخ إن عدد الذين يقرؤون ويكتبون في الجزيرة العربية كانوا سبعة عشرة نفر فقط فالمجتمع كان مجتمعاً أمياً كما قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم...) والنبي نفسه لم يكن يقرأ ويكتب يقول تعالى: (وما كنت تتلو من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون).
7) لم يكن الرسول (ص) يتميز على أبناء جنسه إلاّ بالتزاماته الخلقية أمانة وصدقاً ونزاهة وعفة وعدالة.
8) ولد النبي في مكة، ولم يغادرها طيلة حياته هذه إلا مرتين: مرة إلى الشام مع عمه أبو طالب ومرة أخرى خرج بأموال خديجة للتجارة.
9) بحكم عدم قرائته لم يستطع أن يطلع على كتب اليهود والنصارى.
هذه هي الظروف الموضوعية التي عاشها الرسول، فإذن لا يمكن القول إنه استطاع أن يدرس أو يقرأ أو يتعلم من مجتمع متخلف إلى أقصى درجات التخلف.
ب- خصائص الرسالة:
تميزت الرسالة الإسلامية بخصائص بارزة، نذكر أهمها:
1) الثقافة الجديدة الفريدة والبعيدة عن البيئة التي نزلت فيها، فقد تميزت بذكر الله وأسمائه وصفاته ، وأثبت دور الأنبياء ، وجسدت صور الصراع بين الحق والباطل، والعدل والظلم وتناقضها مع أصحاب المصالح.
وهذه الثقافة نزلت في مجتمع لم يكن يعرف شيئاً منها بل لم يكن العالم يعرف شيئاً منها..
2) مفاهيم الرسالة وقيمها: فقد جاءت الرسالة الإسلامية بمفاهيم غريبة عن البيئة التي عاشتها من الوحدة الاجتماعية وتشريعات وقوانين وأحكام إنسانية ذات مستوى الثاني الرفيع، وكل هذا لم يكن ابن الجزيرة العربية يعرفه لا من بعيد ولا من قريب.
3) ذكرت الرسالة تاريخ الأنبياء وقصصهم مما لهم يكن ابن الجزيرة يعرف شيئاً منها.
4) الروعة البيانية للقرآن الكريم في مجتمع كان يتبارى بالبلاغة والبيان، ولكن نمط الرسالة شيء جديد لم يعرفه من قبل علماً أن رسول الله ( ص) لم يكن قد عرف عنه أن اشترك في حلبة أدبية من حلباتهم، ولا عرف أنه قال الشعر أو اشترك في تلك في تلك الحلبات الأدبية.
ج- النتائج التي حققتها الرسالة:
1) لقد أحدثت الرسالة طفرة نوعية في حياة ابن الجزيرة العربية من إنسان لا يفكر بأوسع من قبيلته إلى إنسان يفكر بمجتمع عالمي يضم جميع أجناسه.
2) أبرزت قيادة عالمية عقائدياً وسياسياً واجتماعياً وإنسانياً، ولا يمكن أن يقوم بهذا الدور الضخم الجبار إلا هذا الشخص الرسول.
وبعد استيعاب هذه الخطوات الثلاثة من خلال دراسة الظروف الموضوعية لحياة الرسول والخصائص الرسالية ، والنتائج التي حققها نتوصل أنه لابد من وجود مؤثر خارجي هو الذي استند إليه الرسول (ص) وبعثه بالرسالة وهو الله تعالى .

الأمر الثالث: أهداف بعثة الأنبياء:
إن الهدف الأصلي لبعثة الأنبياء هو هداية الناس وإرشادهم وسعادتهم وصلاحهم ويمكن حصرها على سبيل الإيجاز بنقاط وهي:
1) معرفة الله تعالى والتقرب منه، ومن خلاله تحديد وجهة نظر الإنسان للكون والحياة.
2) نشر العدل والقسط في المجتمع البشري فإن( أوضح علاقة لنظام الأنبياء هي تحقيق العدالة بمفهومها الواقعي الواسع، ففي ظل هذه النهضة تتحقق أكثر العلاقات الاجتماعية عدالة بحيث تصوغ الإنسان من الداخل وتتجسم المساواة الإنسانية على أساس الأخوة؛ ولهذا لا يمكن تنفيذ العدالة الاجتماعية بمفهومها الواقعي إلا عن طريق الدعوة الإلهية) أصول العقائد للاري ج2: ص30.
3) تحقيق الكمال الإنساني بامتلاك الأخلاق العالية من قبيل العدل، والتحرر، والاستقلال والمساواة، والأخوة... ولكن الهدف الأساسي هو معرفة الله تعالى والحركة في طريق الله التي سلكها الأنبياء، وهي تهدف إلى إقامة العدل والقسط ومحاربة الظلم والتفرقة ، ومن هنا تتحقق القيمة الاجتماعية في إقامة العدل الاجتماعي.. وبذلك يتم تحرير الإنسان ذاتياً وخارجياً أما تحريره الذاتي فهو بناء محتواه الداخلي؛ ليستطيع السيطرة على نوازعه الداخلية ، وأما التحرير الخارجي فتخليصه من سيطرة الطواغيت، وبذلك( يلبي مذهب الأنبياء الحاجة للحرية لدى الإنسان تلك التي يشعر بها من أعماق نفسه وعلى هذا الأساس فهو يكسر الأغلال الباطنية التي تشل قوى الناس واستعدادهم وإرادتهم، وتبدل اندفاعهم وحماسهم إلى ركود وتوقف وتنجيه من الخضوع لجباري العصر) (أصول العقائد- للاري: ج2 ص30).
4) كما أن من أهداف بعثة الأنبياء إتمام مكارم الأخلاق (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) والعمل على استئصال مذامها من روح الإنسان ووجدانه، وكل ذلك مقدمة لنيل الكمال الإنساني).
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com