موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : العبادة-1
 
الأحد - 7 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العبادة-1  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 24 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
عن أبي عبد الله (ع) قال: (قَالَ رَسُولُ الله (ص): أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ عَشِقَ الْعِبَادَةَ، فَعَانَقَهَا, وَأَحَبَّهَا بِقَلْبِهِ, وَبَاشَرَهَا بِجَسَدِهِ, وَتَفَرَّغَ لَهَا, فَهُو لا يُبَالِي عَلَى مَا أَصْبَحَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى عُسْرٍ أَمْ عَلَى يُسْرٍ)
العبادة في الإسلام: هي التوجه, والخضوع, والطاعة المطلقة لله، والتسليم المحض له تعالى بامتثال أوامره, والانتهاء عن نواهيه, والكدح المتواصل لنيل رضوانه جَلَّ وعَلا, وبعبارة أخرى: هي حركةٌ اختياريةٌ واعيةٌ من الخَلق إلى الخالق, وهذه أحد درجات العبادة، ولها درجات أخرى أعلى منها, يقول آية الله العظمى المرحوم السيد السبزواري: (العبادة خضوع خاص ناشئ عن الاعتقاد بأنَّ للمعبود عظمةً, ولا يحيط بها العقل في المعبود الحقيقي؛ لعدم وصول الإدراك إلى عظمته فضلاً عن ذاته... ثم إنَّ العبادة هي التوجه إلى المعبود في القيام بما جعله من الوظيفة, وإتيان المطلوب الذي أراده من العبد)
ويقول آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله: (العبادة معنى في الروح، وسر في القلب, ونشاط في الجسد, وحركة في الحب)
ويقول المفسر العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي: (فحقيقة العبادة نصب العبد نفسه في مقام الذلة والعبودية, وتوجيه وجهه إلى مقام ربه) بنية خالصة، ورغبة في نيل رضاه تعالى، فعن خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي قال: (سأل عيسى بن عبد الله القمي أبا عبد الله (ع) وأنا حاضر, فقال: ما العبادة؟ قال: حسن النية بالطاعة من الوجه الذي يطاع الله منه)

العبادة حاجة أساسية في حياة الإنسان:
للإنسان جانبان جانبٌ مادي, وجانبٌ معنوي, و بعبارة أخرى: هو روح وجسد، أو سر وعلن... ولكل من الجانبين حاجات، وشروط، وقواعد لا بدَّ من توفرها، وبدونها لا يمكن أن يستمر وجوده في الحياة, فإذا استغرق الإنسان في متطلبات جانب على حساب جانب آخر فلا بدَّ أن يختل توازنه.
فكما أنَّ للجسد حاجةً للأكلِ، والشربِ، والدواءِ، والماءِ، والهواءِ، فكذلك لا بدَّ للروح من لوازم وحاجات أساسية إذا فقدت حدث خلل في توازنه, وأهمُّ حاجات الروح العبادة, وهي حاجة أساسية فطرية ثابتة (لا يؤثر فيها عنصر الزمن مطلقاً, ولا تقبل النسخ والتغيير)
وهذه الحاجة أساسية في كل عصر, وفي كل مصر, ولكل إنسان مهما كان؛ فهي (حاجة ثابتة في حياة الإنسان خلقت معه, وظلت ثابتة في كيانه على الرغم من التطور المستمر في حياته؛ لأنَّ العلاج بصيغة ثابتة يفترض أنَّ الحاجة ثابتة)
وفقدان هذه الحاجة الأساسية يؤدي إلى القلق والاضطراب, وربما إلى الأمراض النفسية والروحية؛ ولهذا نجد أنَّ الإنسان على طول خط التأريخ البشري يفتش دائماً عن معبود يعيش في ظلاله, ويستلهم منه القوة المعنوية, ويسد فيه جوعته الروحية، يقول الزعيم الهندي جواهر لال نهرو: (أشعر أنَّ في روحي, وفي هذا العالم فراغاً لا يسده شيء إلا القضايا الروحية, وما هذا القلق والاضطراب الذي يلف العالم إلا بسبب ضعف البعد الروحي لدى بني الإنسان, والذي أدى إلى بروز هذه الحالة من فقدان التوازن)

العبادة سر الخلق:
إنَّما خلق الله الخلق ليعبدوه، يقول تعالى: ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون))
فالعبادة علة إيجاد الإنسان, وسر وجوده, وهي الخضوع لله تعالى, وامتثال أوامره بالالتزام بما وضعه من أحكام, وبما سَنَّهُ من قوانين، فلا يمكن للإنسان أن يعرف سر وجوده، وعلة إيجاده إلا إذا عبد ربَّه, فعن جميل بن دراج, قال: (قلت لأبي عبد الله (ع): جعلت فداك, ما معنى قول الله عز وجلّ : ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون))؟ فقال: خلقهم [ليأمرهم بالعبادة] للعبادة)
فمنذ خلق الله الخلق أخذ عهده عليهم أن يتخذوه رباً, ويعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً, يقول الله تعالى: ((وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين))
وهذا العهد هو العهد الفطري الذي غرسه الله في الإنسان منذ خلقه, ومن هنا جاء العتاب الإلهي لبني آدم حين حادوا عن طريق الصواب قال تعالى: ((ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين))

العبادة تحرر وانطلاق:
كثيرة هي العبوديات التي تسترق الإنسان كعبودية الهوى، والشيطان، والظالمين، والأموال... الخ، ولا يمكن أن يتحرر من هذه العبوديات المحدودة ما لم يعرف الله تعالى، ويعبده, يقول الإمام الحسين (ع): (أيها الناس، إنَّ الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه, فإذا عرفوه عبدوه, فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه)
والإسلام حين شَرَّعَ العبادةَ حَدَّدَ لها أحكاماً خاصةً, وحركاتٍ, وألفاظاً موقوفة لا يجوز أن يزيد فيها, ولا يُنقص منها, وكل حركة ولفظ له دلالة يعود أثرها على العابد نفسه في بناء شخصيته, وتنمية روح التضحية فيه, وتجاوز الذات، (ومن الواضح أنَّ الإسلام إذ يؤكد على هذه الممارسات العبادية, فلا يؤكد عليها بما هي أصوات، وحركات, وطقوس, وإنما ينبع تأكيده عليها؛ لصلته الوثيقة بالارتباط النفسي والروحي بالله سبحانه, أي بوصفها عاملاً تربوياً، وسبباً من أسباب تصعيد الإيمان في المشاعر, والعواطف، والإرادة, فهذا الحث الأخلاقي، والتشريعي يكشف عن (صلة واقعية) بين الممارسات العبادية, والمحتوى الداخلي للشخصية الإسلامية, وهي صلة لا يمكن عملياً - بموجبها - أن نتصور مستوى روحياً جيداً من دون ممارسة عبادية جادة تتمثل في مجموعة من الحركات العبادية، والأذكار والصلوات - المستحبة بالطبع - وهكذا تلاوة القرآن الكريم, ومتابعة الأدعية, وما شاكل ذلك)
ثم إنَّ (العبادات تقوم بدور كبير في هذه التربية الضرورية؛ لأنَّها كما مر بنا أعمالٌ يقوم بها الإنسان من أجل الله عز وجلّ, ولا تصح إذا أداها العابد من أجل مصلحة من مصالحه الخاصة, ولا تسوغ إذا استهدف من ورائها مجداً شخصياً، وثناء اجتماعياً، وتكريساً لذاته في محيطه وبيئته, بل تصبح عملاً محرماً, يعاقب عليه هذا العابد)
وفي الإسلام (يعتبر العمل فاضلاً ونبيلاً إذا تجاوزت دوافعُهُ الذاتَ, وكان في سبيل الله, وفي سبيل عباد الله, وبقدر ما يتجاوز الذات, ويدخل سبيل الله وعباده في تكوينه يسمو العمل، وترتفع قيمته)
وما أجمل ما فسر به السيد الشهيد الصدر معنى سبيل الله بأنَّه ما وقع خالصاً لله في سبيل خدمة الإنسانية، فقال (قدس سره): (وسبيل الله هو التعبير التجريدي عن السبيل لخدمة الإنسان؛ لأنَّ كل عمل من أجل الله فإنما هو من أجل عباد الله؛ لأنَّ الله هو الغني عن عباده, ولما كان الإله الحق المطلق فوق أيِّ حد, وتخصيص لا قرابة له لفئة, ولا تحيز له إلى جهة, كان سبيله دائماً يعادل من الوجهة العملية سبيل الإنسانية جمعاء, فالعمل في سبيل الله ومن أجل الله هو العمل من أجل الناس, ولخير الناس جميعاً, وتدريب نفسي وروحي مستمر على ذلك. وكلما جاء سبيل الله في الشريعة أمكن أن يعني ذلك تماماً سبيل الناس أجمعين، وقد جعل الإسلام سبيل الله أحد مصارف الزكاة, وأراد به الإنفاق لخير الإنسانية ومصلحتها. وحث على القتال في سبيل المستضعفين من بني الإنسان وسماه قتالاً في سبيل الله ((وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان)) ) والعبادة سبيل التحرر؛ لأنَّها رفض لكل المطلقات الوهمية في كل لفظ من ألفاظها، يقول الشهيد الصدر: (ونلاحظ أنَّ العبادات الرشيدة بوصفها تعبيراً عملياً عن الارتباط بالمطلق يندمج فيها عملياً الإثبات والرفض معاً, فهي تأكيد مستمر من الإنسان على الارتباط بالله تعالى, وعلى رفض أيِّ مطلق آخر من المطلقات المصطنعة، فالمصلي حين يبدأ صلاته بـ (الله أكبر) يؤكد هذا الرفض, وحين يقيم في كل صلاة نبيه بأنَّه عبده، ورسوله يؤكد هذا الرفض, وحين يمسك عن الطيبات، ويصوم حتى عن ضرورات الحياة من أجل الله متحدياً الشهوات, وسلطانها يؤكد هذا الرفض) إذن العبادة لله عز وجلّ سبيل التحرر من كل القيود الداخلية في النفس من الأهواء، والشهوات، والنزوات المادية والمعنوية, ومن القيود الخارجية كالخضوع للطغاة من شياطين الإنس، والجن بكل أشكالهم .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com