موقع الصراط ... الموضوع : العبادة-2
 
الأربعاء - 4 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العبادة-2  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 24 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  كل عمل في سبيل الله عز وجلّ عبادة:
العبادات في الإسلام محددة، ولها أحكامها الخارجية, ولا يصح للإنسان أن يزيدَ فيها، أو ينقصَ منها، أو يُغَيِّرَ بعضها, وإنما يجب أن يؤديها كما أمره الله عز وجلّ في كتابه، وسنة نبيه، فهي أمور توقيفية على حد تعبير الفقهاء، وهذا عام في كل العبادات كالصلاة, والصوم, والحج, والزكاة... الخ. وهذه العبادات لا يغني عنها شيء في كل زمان, وفي كل مكان, ولكل إنسان, ولا تترك بحال إذا توفرت شروطها، ولوازمها.
والعبادة في المصطلح الفقهي ما كانت مشروطة بنيّة القرب، فلا تقع العبادة صحيحة إلا إذا توفرت فيها نية القربة, وأما الأعمال الأخرى غير العبادية فلا يشترط فيها ذلك، وهو ما يعبر عنها بـ(التوصليات)، ولكن يمكن أن يجعلها الإنسانُ عبادةً إذا نوى فيها نية القربة، أي قصد بها وجه الله عز وجلّ دون غيره. إذن كل عمل يمكن أن يجعله الإنسان عبادة إذا ابتغى به وجه الله عز وجلّ كالنوم، والأكل، والنكاح، والسفر، فجميع شؤون الإنسان يمكن أن تكون عبادةً لله وهو الأفضل كما جاء في وصية رسول الله (ص) لأبي ذر رضي الله عنه: (يا أبا ذر، ليكن لك في كل شيء نية, حتى في النوم والأكل)
والسر في ذلك أنَّ الإنسان حين ينوي كل عمل لله يبقى منشداً في كل حركاته وسكناته لله عز وجلّ، وتصبح حياتُه عبادةً دائمةً, ومن هنا اعتبرت بعض الأحاديث أنَّ العبادةَ هي النيةُ الحسنةُ، فعن عمرو بن حسن بن أبان، عن أبي بصير قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن حد العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤدياً؟ فقال: حسن النية بالطاعة)
وجاء في أحاديث أخرى عن رسول الله (ص): (النية الحسنة تدخل صاحبها الجنة)
وقوله (ص): (النية الصادقة معلقة بالعرش, فإذا صدق العبد نيته، تحرك العرش، فيغفر له)

أبعاد العبادة لله عز وجلّ:
لعبادة الله أبعادٌ كثيرة تشمل جميع نواحي حياة الإنسان الفردية، والاجتماعية، والبدنية, والنفسية, والمادية, والمعنوية... فما من عبادة إلا وهي تعالج حالة من حالات الإنسان, وتسد حاجة من حاجاته، ونحن نذكر بعض أبعادها بصورة مختصرة:
1- على المستوى الفردي: فإنَّ العبادةَ تعالج جميع جوانب الحياة الفردية, فمن الناحية الصحية فإنَّ العبادةَ مشروطةٌ بالطهارة البدنية الخَبثية والحَدثية, ومن دونهما لا تصح العبادة كما هي في الصلاة، والصيام، والحج... الخ. ومعلوم أنَّ هذا الالتزام له مردود صحي جيد على بدن الإنسان, وإن لم يكن هو المقصود من العبادة, ولا يجوز أن يقصدَه الإنسان لذاته، كما جاءت روايات أهل بيت العصمة (ع) مؤكدةً لأهمية النظافة في الحديث المشهور: (النظافة من الإيمان), وفي حديث آخر: (صوموا تصحوا)
وقد أثبت العلم الحديث أنَّ للصوم فوائد صحيةً جيدةً، فهو دورةٌ تطهر البدن كما تطهر الروح, ولعلَّ هذا معنى ما ورد عن الصادق (ع): (لكل شيء زكاة, وزكاة الأجساد الصوم)
وأما أثر العبادة في الجانب النفسي, فإنَّ العبادة تنقذ الإنسان من أخطر الأمراض، وأفتكها في حياة الإنسان, وهو القلق الروحي, أو الفكري الذي عُدَّ في عصرنا من أخبث الأمراض النفسية؛ لأنَّ العابد يوكل أمره إلى الله عز وجلّ , ويسلم نفسه إليه, فيرزقه الله الاطمئنانَ، والراحةَ في أشدِّ الظروف، وأصعبِها, والعبادة إذا كانت عن إيمانٍ ووعيٍ, وأداء صحيحٍ وفق الموازين الشرعية, فلا شك أنَّها تعالج جميع الأمراض النفسية، يقول الله عز وجلّ : ((إن الإنسان خلق هلوعاً ، إذا مسه الشر جزوعاً ، وإذا مسه الخير منوعاً ، إلا المصلين ، الذين هم على صلاتهم دائمون ، والذين في أموالهم حق معلوم ، للسائل والمحروم ، والذين يصدقون بيوم الدين))
فالصلاة إذاً طاردة لحالة الهلع: (وهو أسوأ الجزع وأفحشه... ورجل هَلوع إذا كان لا يصبر على خير ولا شر حتى يفعل في كل واحد منهما غير الحق)
فالعبادة صمام أمان من الأمراض النفسية التي تفتك بالإنسان, وتجعله في حيرة وقلق لا يدري ماذا يفعل, وأما العابد لله فإنَّه يرجع إليه في أيِّ مصيبة، أو مشكلة، يقول أمير المؤمنين (ع): (ما أهمني ذنب أمهلت بعده حتى أصلي رَكعتين، وأسأل الله العافية)
2- ومن ناحية أخرى فإنَّ للعبادة دوراً في تنظيم أوقات الإنسان، فنحن إذا تأملنا في العبادات الإسلامية نرى أنَّ هناك عبادةً يوميةً كالصلاة الراتبة, وعبادةً أسبوعيةً كصلاة الجمعة, وعبادةً سنويةً كالحج والصيام... فالعابد لله عز وجلّ ينظم أوقاته وفق هذا النظام الكوني, ويضعه ضمن نظام دقيق يبدأ من أول يومه إلى ساعة نومه, فنظام العبادات إذن يضع الإنسان أمام نظام دقيق, وسلوكية مسؤولة, وهذا يعالج في الإنسان حالة الضياع؛ لأنَّ (التحرك الضائع بدون مطلق تحرك عشوائي كريشة في مهب الريح، تنفعل بالعوامل من حولها، ولا تؤثر فيها)
3- على المستوى الاجتماعي: للإنسان في كدحه إلى الله عز وجلّ حركتان: حركة عمودية تمثل علاقتَه بربه، وسعيَه لنيل رضاه, وهي الأساس في العبادة, ولكنَّ هذه الحركة لا تعني العزلة، والانزواء، والابتعاد عن المجتمع بحجة التفرغ لعبادة الله تعالى، وإنما من هذه الحركة تولد علاقة أخرى هي علاقة الإنسان بأخيه الإنسان, يقول الشهيد الصدر: (العبادة في الأساس تمثل علاقة الإنسان بربه, وتمد هذه العلاقة بعناصر البقاء والرسوخ, غير أنَّها صيغت في الشريعة الإسلامية بطريقة جعلت منها في أكثر الأحيان أيضاً أداة لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان, وهذا ما نقصده بالجانب الاجتماعي في العبادة)
ولو وقفنا عند كل فريضة عبادية لوجدنا أنَّ البعد الاجتماعي فيها متجسد واضح، فالصلاة التي هي عبادةٌ فرديةٌ شرعت فيها صلاة الجماعة؛ لتتحول فيها العبادة الفردية إلى عبادة جماعية, ولعلَّه لهذا فضلت صلاة الجماعة على صلاة الفرد بكثير من الأجر والثواب خارج عن تصوراتنا المحدودة, فركعة واحدة في جماعة تعادل عند الله من الثواب ما لا تدركه العقول, ففي بعض الروايات في فضل الصلاة الجماعة: (...فإن زادوا على العشرة فلو صارت بحار السماوات والأرض كلُّها مداداً, والأشجار أقلاماً، والثقلان مع الملائكة كُتَّاباً لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة واحدة)
ولعلَّ التأكيد على المشي إلى المساجد, وحضور الصلاة فيها؛ لتمتين العلاقة الاجتماعية بين المؤمنين, فقد روى الإمام الصادق (ع) عن جده رسول الله (ص) أنَّه قال: (إنَّه لا يرجع صاحب المسجد بأقل من إحدى ثلاث: إما دعاء يدعو به يدخله الله به الجنة, وإما دعاء يدعو به، فيصرف الله به عنه بلاء الدنيا، وأما أخ يستفيده في الله عز وجلّ)، قال: (ثم قال رسول (ص): ما استفاد امرؤ مسلم فائدةً بعد فائدة الإسلام مثل أخ يستفيده في الله عز وجلّ ، ثم قال: يا فضل, لا تزهدوا في فقراء شيعتنا, فإنَّ الفقير منهم ليشفع يوم القيامة في مثل ربيعة ومضر) وعن أمير المؤمنين (ع) كان يقول: (من اختلف إلى المسجد, أصاب إحدى الثمان : أخاً مستفاداً في الله, أو علماً مُسْتَطْرَفاً, أو آيةً محكمةً, أو سَمِعَ كلمةً تدلُّه على الهدى, أو رحمةً منتظرة, أو كلمةً ترده عن ردى, أو يترك ذنباً خشيةً أو حياء)
وأصرح من ذلك كله ما روي عن أبي عبد الله (ع) قال: (ليكم بالصلاة في المساجد, وحسن الجوار للناس, وإقامة الشهادة, وحضور الجنائز, إنَّه لا بدَّ لكم من الناس، إنَّ أحداً لا يستغني عن الناس حياته, والناس لا بدَّ لبعضهم من بعض)
والصيام رغم كونه عبادةً فرديةً يمتنع فيها العبد عن تناول الطيبات والمباحات في شهر رمضان, أو الاستحباب في بعض الأيام, إلا أنَّ البعد الاجتماعي فيه أمر واضح من خلال ما أكدته الأحاديث الشريفة عن النبي (ص) وأهل بيته (ع), حيث أوضحت أنَّ من حكمة الصوم خلقَ الإحساس بآلام الآخرين, ومشاركتَهم فيما يعانونه من مصاعب الحياة، فقد سأل هشام بن الحكم أبا عبد الله (ع) عن "علة الصيام" فقال: (إنما فرض الله عز وجلّ الصيام؛ ليستوي به الغني والفقير, وذلك أنَّ الغني لم يكن ليجد مسَّ الجوع, فيرحم الفقير؛ لأنَّ الغني كلما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله عز وجلّ أن يسوِّي بين خلقه, وأن يذيق الغنيَّ مسَّ الجوعِ والألمِ؛ ليرقَّ على الضعيف، فيرحم الجائع)
وفي حديث آخر عن الإمام علي الرضا (ع) في بيان علة الصوم قال: (...ليعلم شدة مبلغ ذلك من أهل الفقر والمسكنة في الدنيا والآخرة)
وكتب حمزة بن محمد إلى أبي محمد (ع): (لِمَ فرض الله الصوم؟<، فورد في الجواب: >ليجد الغني مس الجوع، فَيَمُنُّ على الفقير) وظاهر من فحوى الأحاديث أنَّ الإسلامَ يريد أن ينمي الروحَ الاجتماعية في المسلم, ويخلق فيه روح التعاطف مع الآخرين, ولعلَّ من هذا الباب ما ورد في استحباب تفطير الصائمين لما فيه من بعد اجتماعي, جاء في الحديث الشريف, أنَّ رسول الله (ص) قال: (ومن فطر فيه مؤمناً صائماً كان له عند الله بذلك عتق رقبة، ومغفرة لذنوبه فيما مضى, فقيل: يا رسول الله، ليس كلنا يقدر على أن يفطر صائماً, فقال: إنَّ الله كريم يعطي هذا الثواب لمن لا يقدر إلا على مذقة من لبن يفطر بها صائماً، أو شربة ماء عذب, أو تمرات لا يقدر على أكثر من ذلك)
كل ذلك لأنَّ الإطعام في سبيل الله عز وجلّ يخلق روح الألفة بين المؤمنين ويمتن الروابط الاجتماعية بينهم.
والحج عبادة جماعية تبرز فيها الناحية الاجتماعية من خلال معظم شعائره ومناسكه بل جميعها، فالإحرام لباس موحد يوجد المساواة, ويبعد الإنسان عن التمايز الطبقي, والطواف حركة ضمن الركب العبادي السائر إلى الله بلا تمييز بين حاكم ومحكوم, وبين حر وعبد، وبين امرأة ورجل, وبين غني وفقير, والسعي حركة موحدة باتجاه واحد يوحد بين المسلمين، والوقوف بعرفة، واللقاء الذي يتم بين المؤمنين في جو مفعم بذكر الله, وطافح بالضراعة والخشوع له، كل ذلك يعطي هذه العبادة بعداً اجتماعياً، وهكذا بقية الشعائر والمناسك، فضلاً عن اللقاءات التي تتم بين المسلمين من مختلف أنحاء المعمورة حيث يحصل التلاقح الفكري, والترابط العقائدي, والتآلف الاجتماعي من خلال تَعَرُّفِ بعض المسلمين على بعض, وما يعانون من مشاكل ومصاعب, والملفت للنظر أنَّ علماء تصنيف الحديث وضعوا أحكام العشرة والصحبة في باب الحج، ولعلَّ هذا التصنيف لما تنطوي عليه فريضة الحج من بعد اجتماعي، فعن الإمام أبي عبد الله (ع) قال: (كان أبي يقول: ما يعبؤ من يؤم هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: خلق يخالق به من صحبه, أو حلم يملك به من غضبه, أو ورع يحجزه عن محارم الله)
وهكذا نجد البعد الاجتماعي في كل الفرائض الإسلامية الأخرى كالزكاة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و(نلاحظ أنَّ العلاقة الاجتماعية تتواجد غالباً بصورة وأخرى إلى جانب العلاقة العبادية بين الإنسان العابد وربه في ممارسة عبادية واحدة، وليس ذلك إلا من أجل التأكيد على أنَّ العلاقة العبادية ذات دور اجتماعي في حياة الإنسان، ولا تعتبر ناجحة إلا حين تكون قوة فاعلة في توجيه ما يواكبها من علاقات اجتماعية توجيهاً صالحاً.
ويبلغ الجانب الاجتماعي من العبادة القمة فيما تطرحه العبادة من شعارات تشكل على المسرح الاجتماعي رمزاً روحياً لوحدة الأمة، وشعورها بأصالتها، وتميزها، فالقبلة أو بيت الله الحرام شعار طرحته الشريعة من خلال ما شرعت من عبادة وصلاة, ولم يأخذ هذا الشعار بعداً دينياً فحسب, بل كان له أيضاً بعده الاجتماعي بوصفه رمزاً لوحدة هذه الأمة وأصالتها)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com