موقع الصراط ... الموضوع : العبادة-3
 
الجمعة - 18 / ربيع الثاني / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العبادة-3  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 24 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  كيف ينمي الإنسان مشاعر العبودية لله عز وجلّ؟
من الحقائق الإسلامية أنَّ العبادة (امتدت إلى كل قطاعات النشاط الإنساني، فالجهاد عبادة وهو نشاط اجتماعي, والزكاة عبادة، وهي نشاط اجتماعي مالي، والخمس عبادة، وهو نشاط اجتماعي مالي أيضاً, والصيام عبادة، وهو نظام غذائي, والوضوء والغسل عبادتان، وهما لونان من تنظيف الجسد، وهذا الشمول في العبادة يعبر عن اتجاه عام في التربية الإسلامية, يستهدف أن يربط الإنسان في كل أعماله ونشاطاته بالله تعالى, ويحول كل ما يقوم به من جهد صالح إلى عبادة مهما كان حقله ونوعه)
ولكن كيف ينمي الإنسان هذا الإحساس والشعور، ليجعلَ من جهده الجسدي، والمالي، والفكري عبادةً, ونقصد بمشاعر العبودية: كل ما يُشْعِرُ الإنسانَ بالحب لله، والشوق إليه, ويحسسه بالذل، والفقر، والمسكنة لله تعالى كالخوف من الله, والتضرع إليه، والاستغفار, والتملق لله, والاضطرار إليه, والإحساس بالقصور، كل تلك المشاعر يمكن أن تتحقق من خلال :
1- استشعار الرقابة والهيمنة الإلهية في كل حالاته سواء كان بالذكر، والدعاء، والمراقبة لخواطر النفس، ووارداتها, فالمؤمن يشعر بأنَّ الله معه في حله، وترحاله وهو في عينه، يقول تعالى: ((وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير))
وهذا الشعور بمعية الله ورقابته يعمق الإحساس بالعبودية لله, ويدفعه لمواصلة السير رغم كل الصعاب والمحن، يقول عز وجلّ عن لسان كليم الله موسى (ع) حين قيل له: إنَّا لمدركون من قبل جيش فرعون حيث لا مفر منه، فالجيش من خلفه والبحر من أمامه، يقول: ((كلا إن معي ربي سيهدين))
وحين تظلم دنيا الناس, وتطبق على حرب رسول الله (ص) وهو وحيد فريد، لا ناصر له، ولا معين، إلا شخص مضطرب خائف، يقول: ((لا تحزن إن الله معنا))
وكما أنَّ الشعور بمعية الله تمنح الإنسان القوة والصبر فهي تمنعه عن الوقوع في المخالفات الشرعية مهما كانت، يقول الإمام الحسين (ع) في دعاء عرفة: (أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك؟ حتى يكون هو المظهر لك, متى غبْتَ حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟ عميت عين لا تراك عليها رقيباً)
فمن استشعر برقابة الله عليه, وتأصلت في نفسه, واستحضرها في سلوكه حكمت جوارحه وجوانحه, وحصَّنه هذا الشعور من الوقوع في المخالفات الشرعية, يقول أمير المؤمنين (ع) في دعاء الصباح: (من ذا يعرف قدرك فلا يخافك, ومن ذا يعلم ما أنت فلا يهابك) فلو عرف الإنسان قدرة الله عليه, واستشعر رقابته, تعمق الخوف والخشية في نفسه, وهذا أعظم ما يمنع الإنسان من الوقوع في المحارم.
يضرب لنا الإمام الصادق (ع) مثالاً لذلك فيقول (ع): (إنَّ رجلاً ركب البحر بأهله، فكسر بهم, فلم ينجُ ممن كان في السفينة إلا امرأة الرجل, فإنَّها نجت على لوح من ألواح السفينة حتى ألجأت على جزيرة من جزائر البحر, وكان في تلك الجزيرة رجل يقطع الطريق, ولم يدعْ لله حرمة إلا انتهكها، فلم يعلم إلا والمرأة قائمة على رأسه, فرفع رأسه إليها, فقال: إنسية أم جنية؟ فقالت: إنسية، فلم يكلمها كلمة حتى جلس منها مجلس الرجل من أهله, فلما أن هَمَّ بها اضطربت, فقال لها: ما لكِ تضطربين؟ فقالت: أَفْرَقُ من هذا - وأومأت بيدها إلى السماء - قال: فصنعت من هذا شيئاً؟ قالت: لا وعزته, قال: فأنت تفرقين منه هذا الفرق, ولم تصنعي من هذا شيئاً, وإنما أستكرهك استكراهاً، فأنا والله أولى بهذا الفرق والخوف وأحق منك, قال: فقام، ولم يحدث شيئاً, ورجع إلى أهله وليست له همة إلا التوبة والمراجعة, فبينا هو يمشي إذ صادفه راهب يمشي في الطريق, فحميت عليهما الشمس, فقال الراهب للشاب: ادعُ الله يظلّنا بغمامة, فقد حميت علينا الشمس, فقال الشاب: ما أعلم أنَّ لي عند ربي حسنةً, فأتجاسر على أن أسأله شيئاً, قال: فأدعو أنا وتُؤمّن أنت؟ قال: نعم، فأقبل الراهب يدعو, والشاب يؤمّن, فما كان بأسرع من أن أظلتهما غمامة, فمشيا تحتها مليّاً من النهار, ثم تفرقت الجادة جادتين فأخذ الشاب في واحدة, وأخذ الراهب في واحدة, فإذا السحابة مع الشاب, فقال الراهب: أنت خير مني, لك استجيب ولم يستجب لي، فاخبرني ما قصتك؟ فأخبره بخبر المرأة, فقال: غُفِرَ لك ما مضى حيث دخلك الخوف, فانظر كيف تكون فيما تستقبل)
2- المحافظة على طهارة النفس من أدران الذنوب، ومذام الأخلاق، وعلى طهارة الجسد من الأخباث والأحداث: وهو عامل فعّال في صفاء النفس، وسلامتها من الحَجب عن الله عز وجلّ ، فكلما كان الإنسان طاهراً جسدياً من الخبائث، ونفسياً من مساوئ الأخلاق قَرَّبَه ذلك إلى الله عز وجلّ ، فعن رسول الله (ص) قال: (يا أنس، أكثر من الطهور يزد الله في عمرك, وإن استطعت أن تكون بالليل والنهار على طهارة فافعل، فإنَّك تكون إذا مت على طهارة شهيداً)
وعنه (ص): (يقول الله تعالى: من أحدث، ولم يتوضأ فقد جفاني)
والوضوء لم يكن مجرد تنظيف للبدن, وإنما هو عملية استعداد وتهيئ للولوج في رحاب رحمة الله عز وجلّ، والعيش بظلها، فهو يقرب الإنسان إلى الله إذا ابتغى مرضاته؛ ولذا ينبغي للإنسان عندما يتقدم للماء كي يتوضأ أن يستذكر رحمة الله، وفضله بهذا الماء، ورد في مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق (ع): (إذا أردت الطهارة والوضوء فتقدم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله تعالى، فإنَّ الله تعالى قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته، ودليلاً إلى بساط خدمته, وكما أنَّ رحمة الله تطهر ذنوب العباد، كذلك النجاسات الظاهرة يطهرها الماء لا غير, قال الله تعالى: ((وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهوراً)) ، وقال الله تعالى: ((وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون)) ، فكما أحيى به كل شيء من نعيم الدنيا، كذلك برحمته وفضله جعل حياة القلب، والطاعات, والتفكر في صفاء الماء، ورقته، وطهره، وبركته, ولطيف امتزاجه بكل شيء, واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها)
فالطهارة والوضوء إذن عملية تطهير مادي، ومعنوي، يتقرب به العبد إلى الله عز وجلّ ، والتقرب إلى الله يخرج الإنسان من سيطرة الشيطان، (وما لم يحصل الخروج من أمهات المذام الأخلاقية التي هي مبدأ لفساد المدينة الفاضلة الإنسانية، ومنشأ للخطيئات الظاهرية والباطنية لم يجد السالك طريقاً إلى المقصد، ولا سبيلاً إلى المقصود)
3- التأسي بأكمل الخلق، والوعي لأنباء الرسل صلوات الله عليهم أجمعين: إنَّ الإنسان في سيره إلى الله عز وجلّ يحتاج إلى مُعَلِّمٍ، وهادٍ ما دام الطريق إلى الله محفوف بالعقبات، والأشواك، والمحن، والفتن، والصعاب، والشدائد، فلا بدَّ له أن يجعل له مثالاً يتأسى به كي يواصل سيره، ولا توقفه تلك الصعاب، ومن هنا أمر الله تعالى رسوله بالتأسي، والاقتداء بمن سبقه من الرسل، والأنبياء كنوح, وإبراهيم, وموسى, وعيسى, واسحق، ويعقوب, وداود, وسليمان, وأيوب, ويوسف, وهارون, وزكريا, ويحيى، وإسماعيل, واليسع, ويونس, ولوطاً صلوات الله عليهم أجمعين الذين عبرت عنهم الآية الكريمة ((أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة)) ، ثم عقبت الآية بعد ذكرهم بآية أخرى: ((أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين))
إنَّ الاستشعار بالسير في موكب النبيين، والاهتداء بهداهم يعمق الشعور والإحساس بالعبودية لله, ومن هنا أمرنا الله تعالى أن نتأسى برسوله الكريم (ص) الذي مَثَّلَ أكمل عبودية على طول خط التأريخ قال عز وجلّ : ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً))
وفي ذكر خليل الرحمن إبراهيم (ع) الذي استكمل التوحيد والعبودية لله يقول عز وجلّ: ((قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله))
فالتأسي إذن منهج إسلامي لتعبيد الإنسان إلى الله، وتعميق الإحساس بالعبودية لله تعالى، ولعلَّ هذا سرٌّ من أسرار قصص الأنبياء في القرآن، يقول عز وجلّ: ((فاقصص القصص لعلهم يتفكرون))
((لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون))
4- التفكر في نعم الله تعالى التي لا تعد ولا تحصى كنعمة الخلق والوجود، ونعمة الجوارح، ونعمة الإيمان، والهداية، والولاية لأولياء الله، وهذا مدلول قوله تعالى: ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم)) ، وقد كان رسول الله (ص) يربي أصحابه على تذكر نعم الله تعالى، (فقال: إنِّي لأتخوَّلكم بالموعظة تخولاً، مخافة السآمة عليكم, وقد أوحى إليَّ ربي جل وتعالى أن أذكركم بالنعمة, وأنذركم بما اقتص عليكم من كتابه، وتلا: ((وأسبغ عليكم نعمه)) الآية، ثم قال لهم: قولوا الآن قولكم: ما أول نعمة رغبكم الله [فيها] وبلاكم بها؟
فخاض القوم جميعاً، فذكروا نعم الله التي أنعم عليهم، وأحسن إليهم بها من المعاش، والرِّياش، والذرية، والأزواج إلى سائر ما بلاهم الله عز وجلّ به من أنعمه الظاهرة, فلما أمسك القوم أقبل رسول الله (ص) على علي (ع), فقال: يا أبا الحسن, قُلْ فقد قال أصحابُك، فقال: فكيف لي بالقول فداك أبي وأمي، وإنَّما هدانا الله بك.
قال: ومع ذلك فهاتِ, قل ما أول نعمة بلاك الله عز وجلّ ، وأنعم عليك بها؟
قال: أن خلقني جل ثناؤه. ولم أكُ شيئاً مذكوراً.
قال: صدقتَ, فما الثانية؟
قال: أن أحسن بي إذ خلقني، فجعلني حياً لا مواتاً.
قال: صدقتَ, فما الثالثة؟
قال: أن أنشأني - فله الحمد - في أحسن صورة، وأعدل تركيب.
قال: صدقتَ, فما الرابعة؟
قال: أن جعلني متفكراً واعياً، لا بُلْهاً ساهياً.
قال: صدقتَ, فما الخامسة؟
قال: أن جعل لي شواعر أدرك ما ابتغيت بها, وجعل لي سراجاً منيراً.
قال: صدقتَ, فما السادسة؟
قال: أن هداني لدينه، ولم يضلني عن سبيله .
قال: صدقتَ, فما السابعة؟
قال: أن جعل لي مَرَدّاً في حياة لا انقطاع لها .
قال: صدقتَ, فما الثامنة؟
قال: أن جعلني ملكاً مالكاً لا مملوكاً .
قال: صدقتَ, فما التاسعة؟
قال: أن سخر لي سماءه وأرضه, وما فيهما, وما بينهما من خلقه .
قال: صدقتَ, فما العاشرة؟
قال: أن جعلنا سبحانه ذكراناً قواماً على حلائلنا لا إناثاً .
قال: صدقتَ, فما بعد هذا؟
قال: كثرت نعم الله يا نبي الله وطابت, وتلا: ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)) ، فتبسم رسول الله (ص) وقال: لتَهْنِئْك الحكمةُ، ليَهْنِئْك العلمُ يا أبا الحسن, أنت وارث علمي, والمبين لأمتي ما اختلفت فيه مِن بعدي، مَن أحبَّك لدينك, وأخذ بسبيلك، فهو ممن هدي إلى صراط مستقيم, ومن رغب عن هواك، وأبغضك، وتخلاك لقي الله يوم القيامة لا خلاق له)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com