موقع الصراط ... الموضوع : العبادة المصلحية
 
الثلاثاء - 3 / شوال / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العبادة المصلحية  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 24 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأنَّ به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ، يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد ، يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير))
هذه حالة من حالات التذبذب في الناس, فكثير من الناس يريد أن ينال الدنيا بعمل الآخرة, ويتعامل مع الإيمان، والعبادة لله تعالى تعاملاً تجارياً, تعامل الربح والخسارة, وهذه نتيجة اعتناق الدين اعتناقاً مصلحياً يطلب من ورائه ربحاً دنيوياً، فإذا ما حصل له ما يأمل ثبت عليه, واستمر ملتزماً به، فإذا ما واجهته عواصف المحن، ارتد عن الإيمان إلى الكفر.
((ومن الناس من يعبد الله على حرف)) أي طرف أو جانب من جوانب الدين وهي استعارة تمثيلية، أو تشبيهية لحالة المعتنق لرسالة الله من دون وعي، وإخلاص، اعتناقاً متزلزلاً فهو كمن يقف على طرف حبل! فكيف يكون حاله؟ إنَّه يبقى مضطرباً قلقاً؛ لأنَّه لم يقف على أرضية صلبة.
وقد اختلفت الأقوال في نزول هذه الآية، فقيل: إنَّها نزلت في رجال كانوا يقدمون المدينة؛ ليُسلموا، فأن أصابوا خيراً اطمأنوا, وأن أصابتهم محنة ارتدوا.
روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاماً, ونتجتْ خيله، قال: هذا دين صالح, وان لم تلد امرأته, ولم تُنْتجْ خيله، قال: هذا دين سوء)
وعن أبي سعيد الخدري، قال: (أسلم رجل من اليهود، فذهب بصره، وماله، وولده، فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي (ص)، فقال: أقلني, فقال (ص): إنَّ الإسلام لا يقال, فقال: لم أصب في ديني هذا خيراً، ذهب بصري، ومالي، ومات ولدي, فقال (ص): يا يهودي، الإسلام يُسْبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد، والذهب، والفضة، ونزلت ((ومن الناس من يعبد الله على حرف)) )
وعلى كل حال فمورد الآية لا يختص بمورد النزول, وإنما هو عام لكل زمان ومكان، وهذه الحالة تتكرر على مر الأزمان.
ثم تبين الآية عاقبة هذا الإنسان القلق المضطرب في عقيدته، وهي الانقلاب، والارتداد عن دين الله تعالى بعد أن تصيبه المحن، فلم يصبر عليها, والنتيجة هي خسران الدنيا؛ لعدم صبره، واستقامته، وخسران الآخرة؛ لكفره، ونفاقه، وارتداده...
إنَّنا لا بدَّ أن نعلمَ أنَّ الانتماء للإسلام، والارتباط بخط الأنبياء لم يكن مجرد ألفاظ تُردد على الألسن، أو طقوس تؤدى بالعضلات، وإنما هو عقيدة، ورسالة تتبعها مسؤوليات جسام، وتكاليف ثقيلة، فهو عملية كدح متواصل, وليس حالة ترف مؤقتة، وما لم يتسلح المؤمن بالإيمان الراسخ المبني على أساس العلم، والتبصر في دين الله لم يصبر عليه، ولا يستطيع المواصلة، والاستمرار، والثبات، والاستقامة على ما أمره الله تبارك وتعالى؛ لأنَّ (الشرط عليه من الله أن يؤدي المفروض بعلم، وبصيرة، ويقين, كيلا يكونوا ممن وصفه الله فقال تبارك وتعالى: ((ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين)) لأنَّه كان داخلاً فيه بغير علم، ولا يقين, فلذلك صار خروجه بغير علم ولا يقين, وقد قال العالم (ع): (من دخل في الإيمان بعلم ثبت فيه, ونفعه إيمانه, ومن دخل فيه بغير علم خرج منه كما دخل فيه), وقال (ع): (من أخذ دينه من كتاب الله، وسنة نبيه صلوات الله عليه وآله زالت الجبال قبل أن يزول, ومن أخذ دينه من أفواه الرجال ردَّته الرجال), وقال (ع) : (من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكب الفتن) ) ؛ ولهذا رأينا الكثير ممن تساقطوا في أول الطريق, ومنهم من سقط في وسطه أو في آخره، وقليل هم الثابتون.
ومن هنا منع الإسلام من التقليد في العقيدة, وأوجب المعرفة بأصولها، معرفةً أساسها العلم، ونتاجها العمل... وفي تحمل مسؤولياتها, وما يستتبع عليه من تكاليف، فالاعتقاد الراسخ هو الركيزة التي تبتني بها شخصية المؤمن، فرسوخ الإيمان في المؤمن يجعله صابراً محتسباً إزاء كل ما يصيبه في سبيل الله تعالى, وفي ذلك نفع كبير، وفوز عظيم، ولا يتحقق الإيمان ما لم يكن عن بينة وبرهان, وأخذ من الأبواب التي أمر الله عز وجلّ أن يدخل منها, ويؤخذ عنها فعن ابن أبي عمير, عن عمر بن أُذينة, عن الفضيل وزرارة, عن أبي جعفر (ع) في قول الله عز وجلّ : ((ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة)) قال زرارة: (سألت عنها أبا جعفر (ع) فقال: هؤلاء قوم عبدوا الله, وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله, وشكّوا في محمد (ص)، وما جاء به، فتكلموا بالإسلام, وشهدوا أن لا إله إلا الله, وأنَّ محمداً رسول الله, وأقرُّوا بالقرآن, وهم في ذلك شاكون في محمد (ص) وما جاء به, وليسوا شُكّاكاً في الله، قال الله عز وجلّ : ((ومن الناس من يعبد الله على حرف)) يعني على شك في محمد (ص) ، وما جاء به، ((فإن أصابه خير)) يعني عافية في نفسه، وماله، وولده ((اطمأن به)) ورضي به، ((وإن أصابته فتنة)) يعني بلاء في جسده، أو ماله تطير, وكره المقام على الإقرار بالنبي (ص) ، فرجع إلى الوقوف والشك, فنصب العدواة لله، ولرسوله، والجحود بالنبي، وما جاء به)
وعن محمد بن يحيى, عن أحمد بن محمد, عن علي بن الحكم, عن موسى بن بكر, عن زرارة, عن أبي جعفر (ع) ، قال: (سألته عن قول الله عز وجلّ: ((ومن الناس من يعبد الله على حرف)) ، قال: هم قوم وحَّدوا الله, وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله, فخرجوا من الشرك, ولم يعرفوا أنَّ محمداً (ص) رسول الله, فهم يعبدون الله على شك في محمد (ص) وما جاء به, فأتوا رسول الله (ص) وقالوا: ننظر فإن كثرت أموالنا, وعوفينا في أنفسنا، وأولادنا علمنا أنَّه صادق, وأنَّه رسول الله, وإن كان غير ذلك نظرنا. قال الله عز وجلّ : ((فإن أصابه خير اطمأن به)) يعني عافية في الدنيا، ((وإن أصابته فتنة)) يعني بلاء في نفسه [وماله] ((انقلب على وجهه)) انقلب على شكه إلى الشرك, ((خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه)) قال: ينقلب مشركاً, يدعو غير الله, ويعبد غيره، فمنهم من يعرف، ويدخل الإيمان قلبه، فيؤمن، ويصدق, ويزول عن منزلته من الشك إلى الإيمان, ومنهم من يثبت على شكِّه, ومنهم من ينقلب إلى الشرك)
وخلاصة الكلام أنَّ الآية تصور أنموذجاً من الناس يؤمنون بالإسلام إيماناً مرتبطاً بمصالحهم الدنيوية, وهذا الأنموذج لا يلامس الإيمانُ أعماقَ قلوبِهم, بل يبقى طافياً على السطح متزلزلاً، لا يستقر له قرار، فإذا أصاب خيراً ركن، واطمأن، وهدأ, وإن أصابته محنة، أو وقفت في وجهه مشكلة تراجع، وارتدَّ عن دينه, وهذا ينبئ أنَّه أَخَذَ دَينَهُ أَخْذَ تَقْلِيدٍ، أو ورثه عن غير علم، ومعرفة، فبقى يعيش على الهامش, ولا يغوص إلى الأعماق.
ومن أسباب ذلك: الجهل بالرسالة الإسلامية, وما يستتبعها من تكاليف ومسؤوليات, وما تقف أمامها من عقبات وعوائق وهذا تصور من يعيش الاسترخاء في روحه كما يعيش الاسترخاء في بدنه، فهو طالب عافية, وسلامة، وراحة في دنياه, ولا يمتد أفقه إلى ما هو أبعد من ذلك.
ومن أسباب ذلك : الجهل بسنن الله في التأريخ والمجتمع، فمن سنن الله أنَّ الصراع بين الحق والباطل قائم من أول الخليقة إلى يوم القيامة, ولا يمكن أن يتوقف يوماً ما، ولما كان الإسلام هو الحق دون غيره, لا بدَّ وأن تقف بوجهه تيارات الكفر، والشرك، والنفاق، وهذا يعني أنَّ الذي يحمل رسالة الله عليه أن يعي هذه الحقيقة، ولا يأمل أن يعيش بسلام في وسط الأهواء، والنزوات المتصارعة, وتسلم له دنياه من كل ما يعكر صفوها، فمن ظنَّ أنَّ مجرد الإيمان بالله، ورسوله يهيئ له كل وسائل الحياة من دون صعاب فقد أخطأ الطريق, وسقط في صراعات الحياة, ولهذا جعل الله الابتلاء والاختبار سنة من السنن التي لا يفلت منها أحد أبداً، يقول تعالى: ((الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين))
ومن اعتقد أنَّه يسكن في دار رحمة الله, وينال رضوانه بدون معاناة وابتلاءات فقد أخطأ ظنه، يقول تعالى: ((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب))
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com