موقع الصراط ... الموضوع : ماذا تعلمنا من الحسين (ع)؟
 
الخميس - 28 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  ماذا تعلمنا من الحسين (ع)؟  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 24 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
عاش الحسين (ع) في ضمير الأجيال؛ ولذلك ما ذكر إلا واهتزت الضمائر وخشعت القلوب, وسالت الدموع؛ لأنه ملك القلوب والضمائر, وأصبح محركا لها في طول الزمن, يتعلم منه جميع الأحرار كلما تقتضيه لوازم الرفض والتحرر من قيود الطغاة, فهو أسوة للشجاع, والبطل المقدام, ومثال حي يهدي الأجيال إلى ساحل النجاة وسبيل السلامة, وسلوة للمنكوبين والثكالى ... ومعلم للإنسانية في مواجهة الظلم, والكفر, والشرك, والنفاق ...
لذلك ينبغي أن نعرف جيداً إننا لا نقيم مجالس الحسين (ع) لنقضي وقتاً ممتعاً كما نقضيه مع قصص الأبطال, أو لنبكي عليه وعلى مصابه - وإن كان البكاء لمصابه مبارك- وهكذا بقية الشعائر في إحياء ذكراه فهي وسائل في طريق الله لتزكية النفوس, وتربية الأجيال, وإعداد الدعاة إلى الله ... واليوم ونحن نعيش محنة المهجر حيث شتتنا الظالمون في بقاع الدنيا شرقاً وغرباً نريد أن تطرح على أنفسنا هذا التساؤل:
ماذا تعلمنا من الحسين (ع)؟ وهل عرفنا كيف نرتشف من بحره الفياض بالتضحية والفداء, والتحدي, والرفض, والإخلاص, والتفاني, والعبادة, والزهد؟
لقد علم الحسين (ع) البشرية جمعاء من الدروس والعبر ما لا يوجد في حياة غيره فقد جمع في تضحيته وإبائه, وشجاعته, وإقدامه, وفي صبره, وتحمله... حياة جده , وأبيه , وأمه , وأخيه, وهي خلاصة حركة التوحيد على طول مسيرة الأنبياء ,ولنذكر بعض ما تعلمناه من الحسين (ع) .
1 - علمنا الحسين أن التضحية بالفرد نفسه, أو بأهله وعياله, وكل ما يملك - ومهما كان الفرد عظيماً, بل حتى لو كان أعظم وأقدس من في الأرض - من أجل إقامة دين الله وحفظه من التحريف, والأمة من الانحراف واجبة إذا اقتضت مصلحة الإسلام التضحية بالفرد فعليه أن يضحي .
وعلى هذا الأساس ضحى بنفسه وأهله وأصحابه وأنصاره, وكل ما يملك لأجل تثبيت قواعد التوحيد, وإعادة الأمة إلى رشدها ... ولذا يعلمنا الحسين (ع) أن الدين والإسلام أغلى وأعلى قيمة من الدماء والأموال والأولاد .
يقول الإمام الخميني (قده) : (إن الذي صان الإسلام وأبقاه حياً حتى وصل إلينا نحن المجتمعين هنا هو الإمام الحسين (ع) الذي ضحى بكل ما يملك وقدم الغالي والنفس, وضحى بالشباب والأصحاب من أهله وأنصاره في سبيل الله عز وجل ونهض من أجل رفعه الإسلام ومعارضة الظلم)
ويقول (قده): ( لقد بُعث الأنبياء لإصلاح المجتمع, وكلهم كانوا يؤكدون أنه ينبغي التضحية بالفرد من أجل المجتمع مهما كان الفرد عظيماً, وحتى لو كان الفرد أعظم من في الأرض, فإذا اقتضت مصلحة المجتمع التضحية بهذا الفرد فعليه أن يضحي . وعلى هذا الأساس نهض سيد الشهداء (ع) وضحى بنفسه وأصحابه وأنصاره, فالفرد يفدى في سبيل المجتمع, فإذا اقتضت مصلحة المجتمع ,وتوقف إصلاح المجتمع على تضحيته وجبت التضحية, إن العدالة ينبغي أن تحقق بين الناس ((لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط)) (الحديد: 25) )
2 - وعلمنا الحسين (ع) أن السر من وجود الإنسان هو عبادة الله تعالى والعمل بالحق, ورد الباطل والظلم .
وإذا لم يتحقق ذلك في حياة الإنسان, فليطلب الموت في سبيل الله ؛ لأن الحياة بدون عبادة الله والعمل بالحق, وإقامة مجتمع العدل والقسط تصبح فارغة المحتوى فاقدة القيمة ؛ لهذا يقول سيد الأحرار : ( ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه ؛ ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقا، فإني لا أرى الموت إلا شهادة [سعادة] ولا الحياة مع الظالمين إلا برما)
وتأسيساً على ذلك ينبغي لنا أن نفهم البعد الحسيني في عبادة الله, وأنها نفي لكل معالم الباطل, وإثبات لكل دعائم التوحيد العملي, وهكذا علمنا الحسين (ع) كيف نتعبد لله في كل حركة وسكون, وأعظم العبادة هي الوقوف بوجه الظالمين لإحقاق الحق وإبطال الباطل ...
3 - وعلمنا الحسين (ع) أن الخضوع للظالم حرام, وان السكوت عليه حرام يعاقب الإنسان عليه ؛ لأنه شقاء للإنسانية في الدنيا والآخرة فأوجب بتضحياته وجوب الثورة على الظلم والظالمين, وان لا يخشى من قلة في عُدة أو عَدد, يقول الإمام الخميني (قده): ( لقد علم (ع) الناس أن لا يخشوا قله العدد, فالعدد ليس هو الأساس, بل الأصل والمهم هو النوعية, والمهم هو كيفية التصدي للأعداء والنضال ضدهم والمقاومة بوجههم فهذا هو الموصل إلى الهدف ...)
ويقول (قده): ( لقد تعلمنا من الحسين كيفية النضال والجهاد وكيفية المواجهة بين قلة من الناس, وكثرة كاثرة, وكيفية الوقوف بوجه حكومة تعسفية جائرة تسيطر على كل مكان كيف تقوم بذلك بعدد قليل)
ويقول (قده) في مكان آخر: (لقد علم سيد الشهداء (ع) الجميع ماذا ينبغي عليهم عمله في مقابل الظلم والحكومات الجائرة)
4 - وعلمنا الحسين (ع) أن الذين يسقطون في طريق الشهادة في سبيل الحق والعدل لم يكونوا خسائر في معركة؛ لأنهم يبعثون الروح في الأمة الخاملة الغافلة ويبقون مشاعل تنير الدرب للأجيال, بل هم ذخائر الأمة تتعلم منهم, وتهتدي بهداهم. ومن هنا يمكن القول بضرس قاطع أن يزيد حين قتل الحسين (ع) إنما قتل نفسه وكتب على أسلافه وأحفاده الفناء إلى الأبد, والحسين (ع) هو الباقي يُسَيِّر ركب الخلود البشري نحو الحرية والسعادة, وحقاً ما قاله الإمام الخميني (قده) :
(لقد حفر اليزيديون في يوم عاشوراء قبورهم بأيديهم الأثيمة, وتسببوا هم بهلاك أنفسهم, ومحق نظام حكمهم الظالم المتعسف)
5 - وعلمنا الحسين (ع) كيف يعبد الإنسان ربه, ويصلي لـه في أصعب الظروف واشد الحالات .
فقد روى المؤرخون أن أبا ثمامة الصائدي رضي الله عنه قال للحسين (ع): (يا أبا عبد الله نفسي لك الفداء إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك, ولا والله لا تقتل حتى اقتل دونك إن شاء الله, واحب أن ألقى ربي, وقد صليت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها . قال : فرفع الحسين (ع) رأسه, ثم قال : ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين, نعم هذا أول وقتها .ثم قال : سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي)
وقيل أنه صلى بمن بقي من أصحابه صلاة الخوف, وتقدم أمامه زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي في نصف أصحابه, ويقال أنه صلى وأصحابه فرادى بالإيماء ولما أثخن سعيد بالجراح سقط إلى الأرض وهو يقول : ( اللهم العنهم لعن عاد وثمود وابلغ نبيك منى السلام, وابلغه ما لقيت من ألم الجراح فإني أردت بذلك ثوابك في نصرة ذرية نبيك (ص) والتفت إلى الحسين (ع) قائلاً :( أوفيت يا ابن رسول الله؟ قال نعم أنت أمامي في الجنة, وقضى نحبه فوجد فيه ثلاثة عشر سهماً غير الضرب والطعن)
هكذا علمنا الحسين أن للصلاة قيمة لا تعدلها قيمة الأرواح والنفوس ...
6 - وعلمنا الحسين (ع) الإباء والعزة فلم يعرف التاريخ أبياً كالحسين (ع) وأصحابه فهو حقاً سيد الأباة على طول خط التاريخ البشري منه يؤخذ, واليه يرجع ... ومن إبائه أنه عندما هُدِّد بالموت, قال: (إلا إن الدعي بن الدعي قد ركّزَ بين اثنتين بين السلة والذِّلة وهيهات منا الذلة), قال ابن أبي الحديد: (سيد أهل الإباء الذي علم الناس الحميِّة والموت تحت ظلال السيوف اختياراً له على الدنية أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) عرض عليه الأمان, وأصحابه فأنف من الذل, وخاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان إن لم يقتله, فاختار الموت على ذلك, وسمعت النقيب أبا زيد يحبى بن زيد العلوي يقول كأن أبيات أبي تمام في محمد بن حميد الطائي ما قيلت إلا في الحسين (ع):
وقد كان فوت الموت سهلاً فرده*إليه الحفاظ المر والخلق الوعر
ونفس تعاف الضيم حتى كأنه*هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر
فأثبت في مستنقع الموت رجله*وقل لها من تحت أخمصك الحشر
تردى ثياب الموت حمراً فما أتى*لها الليل إلا وهي من سندس خضر
7 - وعلمنا الحسين كيف ننصر الحق ونحييه ؟ وكيف نحارب الباطل ونميته... وهذا هو الهدف الأساسي من نهضة الحسين (ع) بل هدف كل رسالات السماء, وفي هذا من الخير ما لا يدركه إلا من حبس نفسه على ذات الله تعالى, وعاش للحق وللدفاع عن المظلومين, يقول الإمام الخميني (قده): (لقد تعلمنا من الحسين (ع) كيفية النضال والجهاد, وكيفية المواجهة بين قلة من الناس, وكثرة كاثرة )
8 - وعلمنا الحسين (ع) كيف نواجه المصائب والصعاب والكوارث التي تحل بنا؟ وكيف نقف موقف الصبر والصمود ؟ وكيف نعّبُرها دون أن تؤثر علينا, وبهذا أصبح الحسين (ع) مثلاً, ومعلماً, وأسوة لكل المنكوبين والمثكولين حتى قال الشاعر :
أنست رزيتكم رزايانا التي*سلفت وهونت الرزايا الآتية
ولم يكن المسلمون أو الشيعة وحدهم الذي يتأسون بالحسين (ع) ويتعلمون الصبر منه بل حتى غير المسلمين تأثروا بالحسين(ع) وتعلموا الصبر يقول غاندي الوثني : ( لقد تعلمت الصبر من الحسين ).
9 - وأخيرا (علمنا الحسين (ع) كيف نعتنق المبادئ, وكيف نحرسها ؟ وعلمنا كيف نقدس العقيدة, وكيف ندافع عنها ... وعلمنا كيف نموت ؟ كما علمنا كيف نحيا كراماً بها... ورسم طريق الخلود الأدبي والقومي من طريقها).
تلك دروس تعلمناها من الحسين وهي دروس لا تحد بزمن, ولا تثمين بثمن ...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com