موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-12
 
الخميس - 7 / شوال / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-12  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 25 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  الأسلوب الرابع: الإغراء، والتطميع بالمال، وغيره:
لما رأت قريش صمود رسول الله (ص) رغم كل الأساليب الوقحة التي مارسوها معه، ومع أصحابه سلكوا طريقاً آخر علَّهم يوقفون تيار الدعوة المباركة، ذلك الأسلوب هو محاولة إغراء رسول الله (ص) بالمال، والحكم، والجاه، والنساء، وما إلى ذلك من تصورات الماديين على طول خط التأريخ في شراء الضمائر، وتطويع أهل الإيمان بما هم يعيشونه من أطماع وتصورات مادية، وهي التي دفعتهم لمقاومة دين الله في كل وقت وزمان؛ ولهذا ائتمرت قريش، وتداولوا الأمر بينهم فاتفقوا على تغيير أسلوب السخرية والتعذيب بأسلوب آخر تركن إليه النفوس الضعيفة الخاوية من الإيمان، وهو الإغراء بالمال، والملك، والسلطان، وغيره مما تهواه النفوس، وتركن إليه علَّهم يجدون شيئاً من التراجع عن مواصلة الدعوة إلى الله عز وجلّ، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: (اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث [بن كلدة] أخو بن عبد الدار، وأبو البختري ابن هشام ، والأسود بن المطلب بن أسد، وزَمَعة بن الأسود، والوليد بن المُغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وأمية بن خلف، أو من اجتمع منهم, قال: اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد، فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه : إنَّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك ؛ ليكلموك، فَأْتِهم فجاءهم رسول الله (ص) سريعاً، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء، وكان عليهم حريصاً، يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا له: يا محمد، إنّا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعِبْتَ الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا له - فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نُسَودك علينا، وإن كنت تريد به مُلْكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِياً تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا - فربما كان ذلك، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه، أو نُعْذِر فيك، فقال لهم رسول الله (ص): ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكنَّ الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليَّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم، أو كما قال (ص) )
وقبل هذا المؤتمر حاول عتبة بن ربيعة إقناع النبي (ص) للكف عن الدعوة، وكان شخصية بارزة في قريش له دور في حياة المجتمع القريشي، وله أسلوب في الإغراء، ولعلَّه كان يتصور أنه يستطيع خداع رسول الله (ص) وإغراءه من خلال عرض مطالب مادية عليه كالمال، والسمعة، والشرف، والملك، فقال لقريش في أحد نواديهم، (ورسول الله (ص) جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه, وأعرض عليه أموراً لعلَّه يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟، وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله (ص) يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله (ص) ، فقال: يا ابن أخي، إنَّك منا حيث قد علمت من السِّطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنَّك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منِّي أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلَّك تقبل منها بعضها. قال : فقال له رسول الله (ص): قل يا أبا الوليد أسمع.
قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سوَّدناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به مُلْكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِياً تراه لا تسطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابُع على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال له حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله (ص) يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني، قال: أفعل، فقال:
((بسم الله الرحمن الرحيم، حم، تنزيل من الرحمن الرحيم ، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون، بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون، وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه))
ثم مضى رسول الله (ص) فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله (ص) إلى السجدة منها، فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أنِّي قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكوننَّ لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فمُلْكُه مُلْكُكم، وعزُّه عزُّكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم)
وفي هاتين المحاولتين نلاحظ أنَّ قريشاً قد غيرت أسلوبها بعد أن عجزت عن إيقاف حركة الدعوة ومنع الناس عنها،ولم تفهم أنَّ رسول الله (ص) لا يمكن أن يغرى بتلك العروض الرخيصة، وهم إنما انطلقوا في ذلك؛ لأنَّهم يعبرون عما في أنفسهم، فهم يتصورون أنَّ رسول الله (ص) إنما تحمل كل ذلك لأجل أن يكون ملكاً أو زعيماً عليهم، أو أنَّه يريد أن يستولي على الثروات التي يملكونها، وهكذا.
ولا بد أن يلاحظ أنَّ رسول الله (ص) رغم عداوتهم، وأذاهم، وإصرارهم على غيِّهم كان يطمع في هدايتهم؛ ولهذا كان يخاطبهم برقة، وشفافية، ويتلو عليهم ما أنزل عليه من كتاب الله، وكان يترك أثراً عميقاً في نفوسهم كمقدمة لدخولهم في الإسلام مُسْتَقْبَلاً، إلا أنَّ العادات الجاهلية والعصبية القبلية، والجهل المطبق، والأطماع الدنيوية عطلت عقولهم، ومنعتهم من الاستجابة.
ومن هذا نستفيد أنَّ دعاة الإسلام يمكن أن يخاطبوا بالدعوة المباركة كل إنسان مهما بلغ من الطغيان لعلَّه يسمع أو يرى، وأن لا يزهدوا بأحدٍ أبداً، ففي كل إنسان فطرة إذا نُفضت عنها أدران الذنوب، وذمائم الأخلاق كالعصبية والعناد يمكن أن يستجيب لدين الله، ودليلنا على ذلك أنَّ الله تعالى أمر كليمه موسى، وأخاه هارون بأن يذهبوا إلى فرعون، فيدعونه إلى الله تعالى، وحين ترددا قال لهما : اذهبا إنني معكما أسمع وأرى، يقول تعالى لموسى وهارون: ((اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى، قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى، قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى))
وأي طاغوت أطغى من فرعون الذي ادعى الربوبية، وقال: ((أنا ربكم الأعلى))، ورغم كل هذا الطغيان أمر الله تعالى كليمه أن يخاطبه، ويدعوه إلى الله تعالى علَّه يرجع عن طغيانه وجبروته، وذلك درس ضخم للدعاة على طول خط التأريخ أن لا يتوقفوا أو يترددوا عن دعوة أي إنسان مهما بلغ في عتوه وطغيانه، فقد يجدوا في نفسه بقية من الفطرة الإلهية التي فطر الإنسان عليها، وينفضوا عنها غبار الغفلة، والزيف، والعصبية، ويضربوا على الوتر الحساس؛ ليوقظوا العقل من سباته، ويجدوا كُوة تشع النور على نفسه، فيرجع إلى الله تعالى بعد غفلته، ونسيانه، وتمرده، فمخاطبة فرعون مع طغيانه، وجبروته، وإدعائه الربوبية من قبل موسى وهارون(ع) لا تدع عذراً لمعتذر أن يتوقف عن دعوة، وتذكير أي إنسان مهما بلغ من الظلال والتجبر، فرسالة الله بما تملك من براهين عقلية، ومنطقية، وتأثير قوي على العواطف يمكن أن تنفذ إلى قلب الإنسان، فتحركه وتوقظه، فإن لم تؤثر فقد أدى المكلف واجبة الشرعي ((فذكر إن نفعت الذكرى، سيذكر من يخشى، ويتجنبها الأشقى))
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com