موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-13
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-13  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 25 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  الأسلوب الخامس: المداهنة:
ولما يئست قريش من خداع رسول الله (ص) ، وإقناعه، وإغرائه بالمال والملك لجأت إلى أسلوب آخر علَّهم يوقفون حركة الدعوة وانتشارها في تحدي آلهتهم، وتَحْفظ أصنامهم المنصوبة في الكعبة، وبذلك يثبتون وجودهم، ويحفظون بقاءهم مع وجود الرسول (ص) وأصحابه؛ ولذا تحركوا حركة (دبلوماسية) قائمة على أساس المداهنة بين الطرفين مبنية على سكوت كل طرف عن الآخر مع عدم التعرض لمقدسات كل من الطرفين، مع المصانعة، والمخادعة، والنفاق، ولعلَّ هذا مدلول النهي في قوله تعالى: ((فلا تطع المكذبين، ودوا لو تدهن فيدهنون)) (أي ودَّ هؤلاء الكفار أن تلين لهم في دينك، فيلينون في دينهم، شبه التليين في الدين، بتليين الدهن)
والمداهنة هذه مبنية على أساس مخطط مرحلي يحصلوا من رسول الله (ص) على بعض التنازلات عن رسالته، مقابل تنازلهم عن إيقاف الضغوط التي يمارسونها ضد المؤمنين، وهذا مخطط يؤدي (إلى التنازل عن بعض مواقف الرسالة الفكرية، والعملية لمصلحة بعض مواقفهم الوثنية على أن يقدموا له بعض التنازلات؛ ليحصلوا من خلال ذلك على اعتراف ضمني أو صريح بالخط الذي يتحركون عليه؛ ليهزموا مصداقيته من خلال ذلك)
والعجيب أن يتجدد اليوم هذا الأسلوب اليوم بعنوان آخر هو( الرأي واحترام الرأي الآخر), والهدف واحد هو جر حَمَلة الرسالة إلى التنازلات المبدئية عن الحق والحقيقة؛ لأجل التراجع والسكوت عما يروج من أباطيل ومفاسد.
وعلى هذا الأساس تحركوا باتجاه أبي طالب مرة ثالثة علَّهم يجدون درجة من تراجع الرسول , وتنازله عن تحدي آلهتهم، ومحاولة إسقاطها، (وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد أتيناك ؛ لتقضي بيننا، وبين ابن أخيك، فإنَّه سفه أحلامنا، وشتم آلهتنا. فدعا أبو طالب رسول الله (ص) وقال: يا بن أخي، هؤلاء قومك يسألونك، فقال: ماذا يسألونني؟ قالوا: دعنا وآلهتنا ندعك وإلهك. فقال (ص): أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب والعجم؟ فقال أبو جهل: لله أبوك نعطيك ذلك عشر أمثالها. فقال: قولوا لا إله إلا الله. فقاموا وقالوا: ((أجعل الآلهة إلهاً واحداً)) )
فنزلت هذه الآيات: ((أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ))
ثم لما يئسوا من استجابة رسول الله (ص) لهم في السكوت على كفرهم وشركهم قاموا بمحاولة أخرى كانت أخبث من الأولى، فقد مشى إليه خمسة عشر نفراً من زعماء قريش، و(قالوا: هلم يا محمد فاتبع ديننا، نتبع دينك، ونشركك في أمرنا كله، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئتَ به خيراً مما بأيدينا ، كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما في يديك ، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فقال (ص): معاذ الله أن أشرك به غيره, قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك، ونعبد إلهك, فقال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي. فنزل: ((قل يا أيها الكافرون)) السورة. فعدل رسول الله (ص) إلى المسجد الحرام، وفيه الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم، ثم قرأ عليهم، حتى فرغ من السورة. فيأسوا عند ذلك، فآذوه، وآذوا أصحابه. قال ابن عباس: وفيهم نزل قوله: ((قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون)) )
وروي عن عكرمة، عن ابن عباس قال: (إنَّ قريشاً وعدوا رسول الله (ص) أن يعطوه مالاً، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطأوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكف عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح، قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة، قال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ((قل يا أيها الكافرون)) السورة، وأنزل الله: ((قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون))... إلى قوله: ((فاعبد وكن من الشاكرين)) )
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com