موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-15
 
الجمعة - 22 / ذي الحجة / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-15  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 27 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  الهجرة إلى الحبشة:
لما رأت قريش أنَّ كل الأساليب التي بذلتها في إقناع الرسول (ص) وعدم تراجعه ولو قيد أنملة عن دعوته المباركة أخذت تصب جام غضبها على المسلمين تعذيباً، واستهزاء، ومقاطعة، وتوهيناً، ولم تترك وسيلة يمكن لها أن تسلكها في محاربة أصحاب رسول الله (ص) كي تفتنهم عن دينهم، نظر إليهم رسول الله (ص) وهم يعانون كل هذا البلاء، وهو محمي من كل ذلك بعمه أبي طالب , وبني هاشم إلا أبا لهب، حينئذٍ أشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة، قائلاً لهم: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنَّ بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه)، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله (ص) إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام.
وإنما اختار لهم الحبشة توسيعاً لرقعة الدعوة إلى الله تعالى؛ لتخرج عن دائرتها الضيقة والمحاصرة فيها، ولحماية أصحابه من الاضطهاد، وحفظهم من الافتنان، ولينفتحوا على عالم أوسع يحملوا الإسلام إليه، وبذلك يستعيدوا نشاطهم الدعوي، وبذلك تتفتح آفاقهم، وتنمو قدراتهم في مواصلة الدعوة إلى الله تعالى، ويتمرسوا في مواجهة الصعاب والتحديات الفكرية، ويمارسوا الحوار الفكري في عالم أكثر حرية وانفتاحاً، وبذلك استطاع الرسول (ص) أن يمد جسور التواصل مع سلطة سياسية عادلة قائمة في أرض الحبشة، وفي ذلك نصر كبير للدعوة حيث تمتد إلى (الموقع الجغرافي التي تقع فيه الحبشة من محفزات اختيار هذه المنطقة، فقد كانت هذه المنطقة تقع وراء البحر الأحمر، ولم تكن قريش قد اعتادت ركوب البحر في تنقلاتها وحروبها... وإنَّ أرض الحبشة كانت بعيدة عن النفوذ السياسي الفارسي، والرومي، والقرشي، ولم يكن لقريش نفوذ في الحبشة كالنفوذ الذي لها في بلاد الروم والشام... وأنَّ بها ملكاً لا يظلم عنده أحد)
وكانت المجموعة المهاجرة قليلة تضم أحد عشر رجلاً، وأربع نسوة، خرجوا خلسة من قريش، وركبوا في سفينتين، ووصلوا بهما إلى الحبشة، وأقاموا بحرية وأمان بحماية الملك العادل فيها، شهري شعبان، ورمضان، ثم عادوا إلى ديارهم نتيجة أخبار غير صحيحة وصلتهم، مفادها أنَّ قريشاً قد أسلمت إلا أنَّهم عندما عرفوا أنَّ الأمر كما هو رجعوا إلى الحبشة، وقيل أنَّ بعضهم دخلوا متخفين إلى مكة، واستفزت عَوْدتهم قريش، واشتد أذى قريش لهم، يقول ابن سعد عمن حدثه عن أم سلمة: (لما قدم أصحاب النبي (ص) مكة من الهجرة الأولى اشتد عليهم قومهم، وسطت بهم عشائرهم، ولقوا منهم أذى شديداً، فأذن لهم رسول الله (ص) في الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية)
وفي هذه المرة كان جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أبرز المهاجرين بل قائدهم، يقول الشيخ الطبرسي في أعلام الورى: (عن محمد بن إسحاق: بعث رسول الله (ص) عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه, وكتب معه كتاباً: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحمة ملك الحبشة سلام عليك، فإنِّي أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أنَّ عيسى بن مريم روح الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه، ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإنِّي أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني، وتؤمن بي, وبالذي جاءني، فإنِّي رسول لله، وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفراً , ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك فأقرهم، ودع التجبر، فإنِّي أدعوك وجنودك إلى الله، وقد بلغت , ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى)
ويبدو من فحوى الكتاب أنَّه أُرسل مع هجرة جعفر أو بعد وصوله بقليل، ووقع من النجاشي موقعاً طيباً على نفسه؛ ولذا أجاب رسول الله (ص) بكتاب قائلاً: (بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحمة بن أبحر. سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام، وقد بلغني كتابك، يا رسول الله فيما أكبرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إنَّ عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرينا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنَّك رسول الله صادق مصدق، قد بايعتك , وبايعت ابن عمك , وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي الله أريجان بن الأصحمة بن أبحر، فإنِّي لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإنِّي أشهد أنَّ ما تقول حق)، ثم بعث إلى رسول الله (ص) بهدايا، وبعث إليه بمارية القبطية، أم إبراهيم، وبعث إليه بثياب، وطيب كثير، وفرس، وبعث إليه بثلاثين رجلاً من القسيسين؛ لينظروا إلى كلامه، ومقعده، ومشربه، فوافوا المدينة، ودعاهم رسول الله (ص) إلى الإسلام، فآمنوا، ورجعوا إلى النجاشي.
وهكذا استطاع رسول الله (ص) بهذه الخطوة المباركة أن يوسع دائرة الدعوة إلى عالم أوسع، ويحصن أصحابه المهاجرين، وأغضبت هذه الخطوة قريش، وبذلت جهداً كبيراً لإفشال هذه الحركة في الحبشة، وأرسلت وفداً بقيادة عمرو بن العاص، وقصته معروفة في كثير من كتب السيرة.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com