موقع الصراط ... الموضوع : العلاقات المصلحية والعلاقات المبدئية
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العلاقات المصلحية والعلاقات المبدئية  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 27 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  العلاقات المصلحية والعلاقات المبدئية :
العلاقات الاجتماعية بصورة عامة يمكن تقسيمها على نمطين:
الأول: العلاقات الهادفة: ويتشعب هذا النمط إلى شعبٍ كثيرة حسب طبيعة الهدف الذي يسعى إليه الإنسان، وتتناسب طبيعة العلاقات تناسباً طردياً مع نوعية الأهداف، فإذا كان الهدف إنسانياً طاهراً يروم صاحبه تقدم المجتمع وازدهاره فالعلاقة تكون هادئة ودية تتسم بالصدق، والإخاء، والإخلاص، والصراحة بلا لف ولا دوران، وبهذا أمر الإسلام، وعبرت عنه الأحاديث الشريفة (بحسن العشرة) يقول الإمام الصادق (ع): (يا شيعة آل محمد، اعلموا أنَّه ليس منا من لم يملك نفسه عند غضبه، ومن لم يحسن صحبة من صحبه, ومُخالقة من خالقه, ومرافقة من رافقه، ومجاورة من جاوره، وممالحة من مالحه، يا شيعة آل محمد، اتقوا الله ما استطعتم، ولا حول ولا قوة إلا بالله)
وكما تتسم بالصدق والإخلاص ينبغي أن تتسم بالإفضال، والإحسان، (من خالطت فإن استطعت أن تكون يدك العليا عليهم فافعل) ، وهذا من أبلغ التعابير الكنائية عن الإحسان, والخدمة, ونفع الآخرين.
وأما إذا كانت الأهداف ذات مصلحة ذاتية سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي فإنَّ العلاقة تتسم بالتملق، والخداع، والمكر؛ لأجل الصعود على الأكتاف كأكثر العلاقات السائدة اليوم في دنيا السياسة، وفحوى مبدئهم السياسي أنَّه لا توجد روابط أخلاقية، وإنما توجد مصالح سياسية.
فالمصلحة الذاتية هي الغالبة على أغلب العلاقات السياسية اليوم سواء بين الأحزاب, أو بين الدول؛ ولذا نراها تتقلب تقلب الحرباء، فبينما هم اليوم أصدقاء يكيل أحدهم للآخر المدح والثناء بلا حدود تراهم بين ليلة وضحاها ينقلبون إلى أعداء يكشف أحدهم عورة الآخر، تلك هي علاقة المصالح التي تبتني على المكر والخديعة التي وعد الله سالكها النار، فقد روي عن قيس بن سعد بن عبادة أنَّه قال: (لولا أني سمعت رسول الله (ص) يقول: >المكر والخديعة في النار< لكنت من أمكر هذه الأمة)
ويقول أمير المؤمنين علي: (أيها الناس, لولا كراهية الغدر كنت من أدهى الناس، ألا إنَّ لكل غدرة فجرة، ولكل فجرة كفرة، ألا وإنَّ الغدر، والفجور، والخيانة في النار)
الثاني: العلاقات غير الهادفة: ونقصد بها العلاقات التي لا تبتني على مبدأ فكري, ولا هدف واضح، وإنما هي مجرد مجاملات قد لا تعود على الإنسان بنفع في دنياه، ولا في آخرته؛ لأنَّها تَضْييْع للعمر بلا طائل، بل عبث، ولغو، وضياع، وهذا شأن العلاقة مع من لا يعرف دوره في الحياة، ورغم ذلك فإنَّ الشخص الواعي لرسالته يستطيع أن يُحَوِّلَ تلك العلاقات إلى علاقات هادفة من خلال توعية الطرف الثاني، وإرشاده، ونصحه بالحكمة والموعظة الحسنة، فالإنسان صاحب الأهداف السليمة يعمل على توجيه طاقات الأفراد الذين يتصل بهم نحو العمل الجاد المثمر، فهو لا يعمل على استغلال طاقات الآخرين لمصالحه بل لإصلاح المجتمع باتجاه تقدمه ورقيه، ونحن إذا استقرأنا سيرة القادة الجماهيريين الذين يعملون على توثيق علاقاتهم بالجمهور نجدهم يتباينون تبايناً كبيراً في الأهداف والوسائل، فتجار السياسة يبذلون كل جهدهم كي يحصلوا على شهرة عظيمة في أوساط الناس، ويبرزوا أنفسهم كمحررين, ومنقذين, ومصلحين للشعوب، ويخفوا وراء ذلك أهدافاً غير منظورة ينوون تحقيقها بعد صعودهم على أكتاف الجمهور، ثم يتنكرون له، وينقضون وعودهم وخططهم التي طرحوها في مرحلة بناء الروابط معه، وربما يقلبوا له ظهر المجن.
أما القادة المبدئيون فإنَّهم لا يبنون علاقاتهم على أساس المصالح الذاتية، وإنما على أساس المبادئ التي يدعون إليها، ويعملون على تحكيهما، وأما مصالح الجمهور فإنَّها تبرز من خلال طرح المبادئ, واعتناق الناس لها, والتضحية من أجلها، وخير مثال على ذلك ما جاء في سيرة الرسول (ص) حين أُمِرَ أن يصدع برسالته, أراد أن يثبت الحجة عليهم بشهرته عندهم بالصدق والأمانة، فخاطبهم من على الصفا قائلاً: (أرأيتم لو أخبرتكم أنَّ خيلاً بسفح هذا الجبل، أكنتم تصدقونني؟ فقالوا: نعم، أنت عندنا غير متهم، وما جربنا عليك كذباً قط، فقال (ص): فإنِّي نذير لكم بين يديّ عذاب شديد)
وفي رواية أخرى أنَّه (ص) قام على الحجر فقال: (يا معشر قريش, يا معشر العرب، أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وإني رسول الله، وآمركم بخلع الأنداد والأصنام، فأجيبوني تملكوا بها العرب، وتدين لكم العجم، وتكونوا ملوكاً في الجنة)
فهنا نرى أن رسول الله (ص) يدعوهم إلى إصلاح واقعهم بإصلاح عقائدهم وتغييرها، (وقد مارس النبي (ص) الاتصال بين الناس والعلاقات العامة بأكمل صورها، فقد كان دائم الاتصال بالناس يجتمع بهم في المسجد بعد الصلاة، فيسمع أخبارهم وشكاواهم، ويتعرف على مطالبهم وآرائهم، وفي سيرته (ص) قدم صيغة مثلى لما يمكن القيام به للتعرف على مشاكل المسلمين، ومطالبهم، وكيفية حلها, فقد كان على اتصال مباشر، ووثيق بكل المؤمنين، بعيدهم وقريبهم, صغيرهم وكبيرهم, نسائهم ورجالهم, وقد استطاع (ص) في اتصاله هذا نشر الدين الإسلامي، وإقناع الناس به، وتوحيد الأمة، وتحقيق النصر)
واقتدى بالسيرة النبوية العطرة الإمامُ الخميني (قدس سره) في ثورته الجماهيرية المباركة بنداءاته الصادقة مع الله ومع الجمهور، وأثبت لهم في حالتي الثورة والدولة أنَّه هو لم يتغير، ولم يختلف في مواقفه، وفي سلوكه الشخصي؛ ولذلك ملك القلوب والأرواح، فكان يوم وداعه وهو يرتفع إلى الرفيق الأعلى أشد من يوم استقباله عائداً من هجرته.
وأما العلاقات الجماهيرية عند طلاب المناصب العالية الطامحين إلى العلو والسيطرة على الآخرين فلها طريق آخر، هو طريق الوعود المعسولة، والاعتماد الدائم على الأحابيل السياسية، والالتفاف من الخلف والصعود على الأكتاف، نقل عن خبير العلاقات الأمريكية السيد مولاني ما مضمونه: (إن أحد أسباب اللجوء إلى العلاقات العامة هو محاولة استمالة الناس للاستمرار في فرض النظام الاجتماعي القائم, وباكتشاف هذا الطريق, فقد كان على رجال الأعمال التخلص وإلى غير رجعة من كل القوى المعارضة له, وكذلك البحث عمن يستطيع إرشادهم إلى أفضل أساليب ووسائل استمالة الناس، هذه هي المهمة التي انبرى لتنفيذها ايفي لي)
يقول المبدأ الصهيوني: (لا بد لطالب الحكم من الالتجاء إلى المكر والرياء، فإنَّ الشمائل الإنسانية العظيمة من الإخلاص, والأمانة تصير رذائل في السياسة, وأنَّها تبلغ في زعزعة العرش أعظم مما يبلغه ألد الخصوم)
فإذن العلاقات العامة عند هؤلاء وسيلة لاستغلال الظروف المناسبة؛ لتحقيق المصالح الشخصية، وتحصيل الشهرة العالية، ولو أدت إلى سحق وتدمير المعارضين، وبهذه الطريقة استطاعوا أن يحققوا مطامحهم وأطماعهم، ويحتلوا أعلى المناصب، ومثال ذلك الرئيس الأمريكي روزفلت فقد كان (أحد المبرزين في استخدام العلاقات العامة حتى قيل: إنَّه حكم الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الصفحات الأولى بالصحف، فقد كانت له قدرة عجيبة على احتلال الصفحات الأولى للصحف، وهي قدرة استخدمها في عرض وجهات نظره الجديدة والمثيرة بشكل مسرحي محققاً نجاحات باهرة على خصومه)
ولتحقيق هذه الأغراض سخرت كل الوسائل الإعلامية: الكلمة المطبوعة، والإذاعة المسموعة والمنظورة, والملصقات, واللوحات, وكل وسيلة ممكنة للوصول إلى الناس في كل مكان.
واستعملوا وسائل أخرى؛ للاستحواذ على الناس؛ لأجل خداعهم وهي الظهور بمظهر التواضع, والتنازل إلى مستويات الناس، وقد استخدم نابليون هذه الطريقة للسيطرة على خصومه الذين يتوقع منهم أن يقوموا بمظاهرات معاكسة لحكمه، (فعند عودته إلى فرنسا ارتدى ثياباً بسيطة، وزار صغار الموظفين الذين كان يتوقع منهم أن يقوموا بالمظاهرات، واطمأن إلى أنَّ تواضع سلوكه سيكون مادة تنشر في الصحيفة الرسمية)
ومن خلال هذه الشواهد نستنتج أنَّ العلاقات العامة تختلف باختلاف الأهداف، فمن يستعملها كوسيلة لنشر مبدأ أو عقيدة لا كمصلحة ذاتية يتسم بالصدق، والإخلاص، والواقعية، وعدم المراوغة والخداع. أما من يستعملها كوسيلة للوصول إلى أهداف شخصية سلطوية, أو اقتصادية فإنَّه يبرز بوجه ويخفي وجهاً آخر وفق المبدأ الميكافيلي: (الغاية تبرر الوسيلة).
وفي التأريخ الإسلامي برزت هذه الظاهرة في فترة الحكم الأموي والعباسي بشكل سافر خُدِعَ بها الكثيرون, وركب فيه الطامحون الموج، واستطاعوا أن يحققوا أهدافاً شخصية سلطوية، وقميص عثمان خير شاهدٍ على ذلك الذي برز كوثيقة على مظلومية الخليفة الثالث، واتخاذ معاوية ذلك ذريعة للثورة على خلافة الإمام علي (ع)، وعلى هذا المنوال كانت دعوة بني العباس حين رفعوا شعار الرضا من آل محمد، وواصلوا الدعوة إلى أهل البيت، وهم يخفون في أنفسهم المطامع والمطامح، وقد خدعوا المسلمين بذلك رغم تحذير الأئمة الأطهار (ع) منهم، وحين حققوا أهدافهم قلبوا لهم ظهر المجن، وواصلوا قتل الطالبيين تحت كل حجر ومدر، وهذا ديدن تجار السياسة، وكل ذلك مرفوض شكلاً ومضموناً في الشريعة الإسلامية؛ لأنَّ العلاقة التي أرادها الإسلام، وحَثَّ عليها لا بد أن يكون طابعها الصدق, والنزاهة، والترفع عن كل وسيلة مخالفة للشرع، فشرعية الوسيلة وقدسيتها لا بد أن تكون مستمدة من قدسية الهدف وشرعيته، ولا يمكن التوصل إلى أهداف شرعية بوسائل غير شرعية؛ لأنَّ الغاية لا تبرر الوسيلة في الإسلام، وقدسية أي عمل بمقدار نزاهة الدافع إليه، فأي عمل إذا لم يكن خالصاً لله لا قيمة له في الإسلام مهما بلغت أهميته ونتائجه.
جاء في مصباح الشريعة عن الإمام الصادق (ع): (حسن المعاشرة مع خلق الله تعالى في غير معصية من مزيد فضل الله تعالى عند عبده, ومن كان خاضعاً لله في السر كان حسن المعاشرة في العلانية, فعاشر الخلق لله تعالى, ولا تعاشرهم لنصيبك لأمر الدنيا, ولطلب الجاه والرياء والسمعة, ولا تقطن بسببها عن الحدود الشريعة من باب المماثلة والشهرة, فإنَّهم لا يغنون عنك شيئاً، وتفوتك الأخيرة بلا فائدة)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com