موقع الصراط ... الموضوع : مكونات وركائز الشخصية الدعوية في الإسلام
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مكونات وركائز الشخصية الدعوية في الإسلام  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 27 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  تتقوم الشخصية القيادية الدعوية على ثلاث ركائز أساسية، وبدونها لا يمكن أن نطلق عليها شخصية فضلاً عن كونها قياديةً، وهذه الركائز هي: الإيمان, والعلم, والعمل، وبمجموع هذه الثلاثة تتكون الشخصية الدعوية، فإذا اختلَّ أحد هذه الدعائم فقدت قيمتها، وأصبحت عرجاء ناقصة شوهاء، فلا إيمان راسخ بلا علم، ولا علم بلا عمل، ولا عمل سليم بدون إيمان؛ وذلك للتلازم المحكم بينها، فلا يمكن الفصل بينهما إذا أردنا مواصلة السير التكاملي في منهج الإسلام، فالعلم للعمل، (العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل)
أما الإيمان، فلا نقصد به ما يحفظ مال المسلم، ويحقن دمه، ويصون عرضه بإقراره الشهادتين، وإنما نقصد به تمركز العقيدة، وترسخها في العقل، ثم انسيابها إلى القلب؛ لتتحول إلى وعي يمتزج فيه الفكر بالعاطفة، ويتم التلازم بينهما، فالفكر يوجه العاطفة ؛ لينضجها، ويحركها في خط التغيير والإصلاح، والعاطفة تفجر الطاقات الفكرية, وتحولها إلى قوة تغيير وإصلاح, وبناء للكيان الداخلي, أو المحتوى الروحي الذي ينعكس على الظاهر بصيرة نافذة، واستقامة في السلوك, وسمواً في الأخلاق، وتجسيداً للمبادئ ((قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم))، فإذا دخل الإيمان في القلب ملك على الإنسان كل كيانه شعوراً وإحساساً، تتطابق فيه سريرته مع علانيته، ويتوافق قولُه مع فعلِه، فلا يقول إلا ما يفعل، وحينئذ يتحول هذا الإيمان إلى قوةٍ حاكمةٍ مُسيِّرةٍ للإنسان باختياره لا تخضع لشيء خلافها، ولا تنصاع لهوى، ولا تفزع لخوف، ويكون شعارها ((فاقضِ ما أنت قاضٍ))((إنا إلى ربنا منقلبون)) ، وبذلك يصبح (رضوان الله غاية في كل عمل) بهذه الروح الإيمانية وقف رسول الله (ص) متحدياً طغيان قريش، وإمبراطورية الروم والفرس، وكان شعاره: (والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته)
وبهذا الإيمان تقدم الإمام الحسين (ع) إلى ساحة الفداء والتضحية وقدم كل وجوده، واحتفظ بذلك بكل موجوده إلى يوم الدين، فأصبح محركاً لعجلة التأريخ على طول خط الرسالة، وبهذه الروح قال السيد الشهيد الصدر قدس سره لفرعون العراق حين أرسل إليه رسوله: (اذهب، وقل لسيدك لقد صممت على الشهادة)، وبها صعد الشيخ العارف عارف البصري المشنقة مبتهجاً بلقاء الله، والأمثلة كثيرة...
أما العلم: فلا نقصد به الثقافات، والمعارف الاصطلاحية السائدة اليوم في الحوزة العلمية، والدراسات الأكاديمية القائمة على أساس المصطلحات المعروفة، والمعارف المحدودة ؛ لنيل المراتب والشهادات التي تؤهل الإنسان لاشغال المواقع السياسية، وإنما نقصد بالعلمِ المعرفةَ التي ترفع مستوى الكمالات العقلية والفكرية التي تميز بين الأشياء، والقضايا، والأشخاص؛ لئلا يختلط أمر بآخر، ويُوقع الداعية في إرباك, وتردد, واشتباه, واضطراب، وتمنحه حساً دعوياً يستطيع من خلاله أن يكتشف الأشياء من بدايتها، ويعرف حقيقتها، ويحدد من خلالها الأولويات... كما نقصد بالعلمِ المعارفَ التي تعمق الجوانب الروحية؛ لتكون عاملاً أساسياً في بناء المحتوى الداخلي في ترسيخ العقائد والأفكار السليمة، وتهذيب الأخلاق، وتزكية النفس، وإصلاح الظاهر، ولا يمكن الفصل بين هذه الجوانب الثلاثة: العقلية, والروحية, والأخلاقية الحركية، ولا يستغنى بواحدة دون الأخرى، ولا يمكن, بل ولا يجوز أن تفصل إحداهما عن الأخرَتَين، ((أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض))
هذه الأمور الأساسية تمنح الداعية: رؤية واضحة فيعرف ماذا يريد؟ ولماذا يريد؟ وكيف يحقق ما يريد؟ كما تقدح في نفسه حماساً رسالياً، واندفاعاً حركياً متفجراً لا توقفه عقبة، ولا يجذبه هوى، ولا تغريه دنيا.
وخلاصة الكلام: أنَّ العلم الذي يجب أن يتحلى به الداعية هو الذي يحقق: كمالاً في العقل، واطمئناناً في النفس، وسلامة في القلب، وصواباً في اللسان، واستقامة في السلوك، وتحرراً من عبودية الهوى، وحماساً حركياً؛ لإحياء الإسلام في نفوس بني الإنسان، ومن دون ذلك يتحول إلى ترف فكري لا طائل معه، وبالتالي خسارة للعمر، وعذاب في الدنيا والآخرة.
ومختصر القول: العلوم والثقافات المطلوبة من الداعية خمسة:
1- العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، علماً يجعله يشعر برقابة الله، ومعيته، والشعور بالتقصير بين يديه.
2- العلم بأحكام الله وشرائعه وقوانين السماء، وسنن التأريخ، وهذا ما نعبر عنه بالفقه إن لم يكن التفقه، (إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين)
3- العلم بما في النفس البشرية من طاقات مخزونة، ومعرفة كيفية استثمار هذه الطاقات في التغيير، والإصلاح، والبناء، والتحريك نحو الأحسن.
4- المعرفة بالمجتمع الذي يعمل فيه (فيجب أن يحيط بما يجري في الخضم الاجتماعي من أحداث, وما ينطوي خلفها من خطط وأهداف... بل يجب أن يعرف كل شيء عن حياة الأمة من عادات، وتقاليد، وأعراف، ومن ذهنية، وثقافة، وسلوك، وكذلك التيارات السياسية التي تمر من خلال الحياة الاجتماعية، والأحداث السياسية التي تحدث فيها، والأوضاع الاقتصادية التي تتجدد فيها، وما لم يعرف كل شيء عن فئات الأمة، وطبقاتها، وفئات المثقفين، والتجار، وأصحاب الحرف والمهن، والموظفين، والفئات المحافظة، والفئات المتميعة، وحاجات كل أولئك، ومشاكلهم التي يعانون منها، وما لم يكن يعرف كل شيء عن مؤسسات المجتمع، ومشاريعه الرسمية منها وغير الرسمية) فإذا توفرت هذه المعرفة فحينئذٍ سيجعل الداعية (كل شيء في المجتمع مادة للدراسة، وكل مكان مدرسة للتوعية)
5- العلم بالعمل: ونقصد بذلك أن يُتقن الداعية فنون العمل الرسالي، ويمتلك أدواته كفن الخطاب، وفن الحوار، وفن الكتابة، وفن الدعوة إلى الله عز وجلّ في بيان حقيقة المبدأ الإسلامي يطرح مفاهيمه بقوة وثقة، وحلوله للمشاكل مدعومة بالأدلة والبراهين العلمية المنطقية والعقلية.
ثم فضح أساليب، ووسائل، وأهداف القوى المعادية للإسلام، وكشف الستار عن واقعها الاستعماري بالشكل الذي يُريَّ هؤلاء الخانعين المخدَّرين من قبله مخالب العدو ناشبة في الفريسة من أبنائنا، ومن العلم بالعمل معرفة الأسلوب الذي يوقظ النائمين الغافلين، ويستنهض الخائفين، ويشعرهم بالمسؤولية الاجتماعية أمام الله عز وجلّ.
وقد أوضح أمير المؤمنين (ع) هذه المعارف الخمسة في سلوك الدعاة العارفين بقوله: (هَجَمَ بِهِمُ اَلْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ اَلْبَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رُوحَ اَلْيَقِينِ، وَاِسْتَلاَنُوا مَا اِسْتَوْعَرَهُ اَلْمُتْرَفُونَ، وَأَنِسُوا بِمَا اِسْتَوْحَشَ مِنْهُ اَلْجَاهِلُونَ، وَصَحِبُوا اَلدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ اَلأَعْلَى، أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اَللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَاَلدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ، آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ اِنْصَرِفْ [يَا كُمَيْلُ] إِذَا شِئْت)
وقد بين الإمام علي بن محمد الهادي (ع) دور العلماء الدعاة في حفظ الأمة الإسلامية من خطورة التردي في مستنقعات الجهل من خلال الانقياد إلى زخارف الجاهلين من أعداء أهل البيت (ع) قائلاً: (لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الداعين إليه، والدالين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله - من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب - الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك السفينة سكانها، لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله، أولئك هم الأفضلون عن الله عز وجلّ)
ولا يحقق العلم أثراً بيناً في نفوس المدعوين إلا إذا توفر في قولِ الداعية وفعلِه التجردُ والإخلاصُ لله تعالى؛ ولذا يجب على كل داعية لله (أن يقصد بعمله وجه الله تعالى، وامتثال أمره، وإصلاح نفسه، وإرشاد عباده إلى معالم دينه، ولا يقصد بذلك غرض الدنيا من تحصيل مال، أو جاه، أو شهرة، أو تميز عن الأشباه، أو المفاخرة للأقران، أو الترفع على الإخوان، ونحو ذلك من الأغراض الفاسدة التي تُثمر الخذلان من الله تعالى، وتوجب المقت، وتفوت الدار الآخرة، والثواب الدائم، فيصير من الأخسرين أعمالاً، ((الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً)) )
والسر في ذلك أي عدم تأثير التعليم في المخاطَب المعلَّم أنَّ الدعوة والتعليم إن لم تكن خالصة لوجه الله فلا تزيد الداعي إلا بعداً من الله عز وجلّ، عن أبي عبد الله (ع) قال: (إنَّ العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا)
وجاء رجل إلى علي بن الحسين (ع)، فسأله عن مسائل، فأجاب، ثم عاد ليسأل مثلها، فقال علي بن الحسين (ع): مكتوب في الإنجيل: (لا تطلبوا علم ما لا تعلمون، ولما تعملوا بما علمتم، فإنَّ العلم إذا لم يعمل به لم يزد صاحبه إلا كفراً، ولم يزدد من الله إلا بعداً)
وقال رسول الله (ص): (لا تعلموا العلم؛ لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا [به] وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله فإنَّه يدوم ويبقى، وينفذ ما سواه. كونوا ينابيع الحكمة، مصابيح الهدى)
ويقول (ص): (من تعلم علماً لغير الله , وأراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار)
ويقول (ص): (من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار)
أما العمل: فلا نقصد به ما تعوده البعض من روتين في الاجتماعات، أو الالتزامات، أو المفاتحات، والتصريحات السياسية، وإن كانت هذه الأعمال أمور مهمة ذات دور فعال في بناء أجهزة الدعوة، وإدارة أعمالها، وتقييم مسارها، ولا أقصد بالعمل النشاطات التي تحقق مصالح المجتمع، وتساهم في تأكيد المظهر الخارجي والاجتماعي للعلاقات بين الأفراد، وإن كانت هذه النشاطات لها دور اجتماعي مهم في حياة الدعوة، وتأكيد ذاتها الاجتماعية، وإنما أقصد بالعمل: العمل الصالح بمفهومه الإسلامي الصحيح المنبثق من دوافع إلهية يتجاوز الدوافع الذاتية، والمصالح النفعية؛ وذلك لأنَّ (الإسلام يقيس قيمة الأعمال بالدوافع والمقدّمات والإطارات الفكرية العامّة التي تختمر بذرة العمل ضمن نطاقها، بينما يقيس غيره قيمة الأعمال بالنتائج والمنافع والمجالات الحياتية التي يساهم العمل في إصلاحها)
وفي ضوء هذا المفهوم للعمل سيكون له دور فعال في بناء شخصية الداعية القيادي بناء ربانياً يتسم بالاستقامة والحركية، والتفاعل البناء في داخل الذات، وفي وسط المجتمع (فإنَّ الإسلام يريد أن يصنع الإنسان نفسه صنعاً إسلامياً، فهو يتبنّى لأجل ذلك تربية هذا الإنسان، ويستهدف قبل كلّ شي‏ء تكوين محتواه الداخلي والروحي وفقاً لمفهومه)
وتأسيساً على ما تقدم أنَّ العمل الصالح ينبثق من ثلاث دعائم أساسية:
الأولى: الإيمان بصحة المسار الذي يسلكه، إيماناً لا يشوبه شك، ولا ريب، ولا تردد بل يجب أن يصل به حد اليقين .
الثانية: نظافة الدافع الذي ينبعث منه في تخليص العمل من الدوافع النفعية والذاتية والمصلحية، وبتعبير آخر سلامة القصد من الإنية والأنانية (فإنما الأعمال بالنيات)
الثالثة : وضوح الرؤية وأقصد بوضوح الرؤية أن يعرف ماذا يريد من عمله. ولماذا يعمل لتنجيزه؟ وكيف ينجزه؟ ((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين))
بهذه الروح الصافية (يكون العمل الضئيل التافه‏ في مظهره الإجتماعي أرفع وأسمى من عمل جبار يدوّي له التأريخ) كما قال السيد الشهيد الصدر (قدس سره)، ويقول رضوان الله تعالى عليه: (وبهذا يفتح الإسلام السبيل أمام أيّ فرد- مهما كانت إمكاناته وقدرته على النفع الإجتماعي والعمل النافع‏- للارتقاء إلى أسمى درجة في سلّم النفس البشرية ومراحل كمالها الروحي، ويفرض على المجتمع أن يقيم تقديراته للأشخاص على مقدار ما تكشف عنه الأعمال من أرصدة روحية ونفسية، لا على المظاهر الخلابة الخاوية مهما بدت عظيمة)
((وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون))
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com