موقع الصراط ... الموضوع : المسؤولية في الإسلام-1
 
الخميس - 6 / صفر / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المسؤولية في الإسلام-1  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 28 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ)) (الصافات:24)
خلق الله الإنسان, وجعله خليفته في الأرض بما ميزه على سائر الكائنات بالعقل والاختيار, فهو كائن حر ذو إرادة وعزم, وهو الوحيد من الكائنات القابل للتكليف والإلزام, فكل الكائنات تعيش في ضمن القانون الطبيعي التكويني. أما الإنسان فيستطيع أن يتقبل, ويتحمل التكليف القانوني, ويعيش في إطاره فلا يمكن وضع قانون للحيوانات أو الجمادات, بل وحتى الملائكة فهي مُسَيرة تكويناً, وميزة الإنسان الأخرى هي أنه حر ومسؤول, وحديثنا هنا يدور حول المسؤولية الملقاة على الإنسان من وجهة نظر الإسلام فما هي المسؤولية؟
المسؤولية: تكليف وإلزام يتحمله الإنسان باختياره, وهذا الإلزام نابع من أصل استخلاف الإنسان من قبل الله تعالى, وبعبارة أخصر هي تعاقد مع الله تعالى, وتعهد بحمل تكاليفه ((إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً)) (الإسراء:34) وهذا التعاقد مغروس بأصل فطرة الإنسان: ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)) (الأعراف: 172) فالإنسان إذن له عهد وميثاق فطري مع الله قَبِلَهُ بلسان حال الفطرة في الجواب عن سؤاله تعالى: ((أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)) وله تعاهد آخر من خلال إيمانه برسالة الرسل والأنبياء, وهذا هو الطرف الأول من العهد المباشر وغير المباشر.
والطرف الثاني من المسؤولية حمل أمانة الاستخلاف فالمستخلَف(بالفتح) يمثل المستخلِف(بالكسر) بصفته أمنيا في أرضه (إن الخلافة استئمان؛ ولهذا عبر القرآن عنها في المقطع الأخير بالأمانة, والأمانة تفترض المسؤولية والإحساس بالواجب؛ إذا بدون إدراك الكائن إنه مسؤول لا يمكن أن ينهض بالأمانة أو يُختار لممارسة دور الخلافة ((إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً)) (الإسراء:34) ).
وبذلك يُسأل الإنسان عن الميثاق الذي قطعه على نفسه مع الله عز وجلّ يقول تعالى: ((لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً)) (الأحزاب:8)
جاء في تفسير هذه الآية الشريفة: (فمعنى سؤال الصادقين عن صدقهم مطالبتهم أن يُظهروا ما في باطنهم من الصدق في مرتبة القول والفعل, وهو عملهم الصالح في الدنيا فالمراد بسؤال الصادقين عن صدقهم توجيه التكليف على حسب الميثاق إليهم؛ ليظهر منهم صدقهم المستبطن في نفوسهم, وهذا في الدنيا لا في الآخرة فأَخْذُ الميثاق في نشأة أخرى قبل الدنيا كما يدل عليه آيات الذر) فحتى الصادقين الذين هم الثلة المؤمنة يسألون عن صدقهم قال الإمام الصادق (ع): (إذا سأل عن صدقه على أي وجه قاله فيجازي بحسبه)
فالإنسان حر مختار حمل رسالة الله, وقَبِلَ ميثاقه باختياره, فمسؤوليته في الأصل أمام الله تعالى باعتبار كونه خليفته في الأرض, والمستخلَف مسؤول أمام المستخلِف وخلاصة مسؤوليته أمام الله تعالى أن يؤدي ما حمَّلَه من تكاليف يقول السيد الطباطبائي: (أن المسؤول عنه هو كل حق أعرضوا عنه في الدنيا من اعتقاد حق أو عمل صالح استكباراً على الحق تظاهراً بالتناصر)
وقال شيخ الطائفة الطوسي: ("انهم مسؤولون" عما كلفهم الله في الدنيا من عمل الطاعات, واجتناب المعاصي هل فعلوا ما أُمروا به أم لا؟ على وجه التقرير لهم والتبكيت دون الاستعلام)
وهذه المسؤولية أمام الله تعالى ليس قيوداً تكبل حرية الإنسان كما قد يتصوروها الماديون, بل هو تشويق له يحفظ قدرته على التعبير الثوري البناء. ويحقق له حياة اجتماعية كريمة تنسجم مع قيم السماء. فهي تضعه على الجادة الوسطى, وتصونه من التفريط والإفراط, وبحمل هذا التكليف تنتفي العبثية من حياة الإنسان:
((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ)) (المؤمنون:115)
((أَيَحْسَبُ الإنسان أَنْ يُتْرَكَ سُدىً)) (القيامة:36)
فإذن وجود الإنسان على الأرض له هدف عظيم, وهذا الهدف يتحقق بحمل تلك الأمانة الإلهية. ويكون مسؤولاً عنها أمام الله تعالى ((فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ)) (الأعراف:6)
والمسؤولية شاملة لجميع بني آدم المرسَل, والمرسَل إليه, وكل حسب مهمته وعمله وعلمه, وما قدمه للعباد والبلاد والبقاع والبهائم.
ومسؤولية الإنسان أمام الله تعالى ذات جانبين متلازمين لا تنفك أحدهما عن الأخرى. مسؤولية فردية خاصة, وأخرى اجتماعية عامة.
أما الأولى: فتشمل جميع شؤون الإنسان الخاصة, وما منحه الله من قدرات وطاقات, وما يتعلق به من جوارح, وعقل, وشباب, وعمر,ومال, وأهل.. وما يترتب على ذلك من أعمال وعلاقات فهو مسؤول أمام الله تعالى عن كل ذلك؛ لأنه وفق العقيدة الإسلامية هو عبد لله لا يملك من نفسه شيئاً, ولا يُسمح له أن يتصرف بها كما يشاء إلا وفق ما شرعه الله له, والمسؤوليات الفردية الخاصة كثيرة نذكر منها:
1- مسؤول عن تزكية وتربية نفسه يقول تعالى: ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)) (الشمس: 7-10)
ويقول أمير المؤمنين (ع): (الله الله في أعز الأنفس عليكم, وأحبها إليكم فإن الله قد أوضح لكم سبيل الحق، وأنار طرقه, فشَقوةٌ لازمة, أو سعادة دائمة)
ولذا لأجل تربية النفس ، وتزكيتها نجد الأحاديث الكثيرة المتواترة التي تحث على محاسبة النفس, ورد عن أبي الحسن الماضي (ع) قال: (ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم, فإن عمل حسنا استزاد منه, وإن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه)
ومن هنا عد القران الكريم الخاضع للظلم, والراكن إلى الظالمين ظالماً لنفسه؛ ولذا كان مأواه جهنم وبئس المصير, يقول تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً)) (النساء:97) فهؤلاء إنما صاروا ظالمين لأنفسهم, لأنهم لم يزكوها, ولم يهذبوها على منهاج الله؛ ورضوا بالظلم فكانوا ظالمين.
2- مسؤول عن نيته في عمله: يقول رسول الله (ص): (إن أول من يدعى يوم القيامة: رجل جمع القرآن, ورجل قتل في سبيل الله, ورجل كثير المال فيقول الله عز وجلّ للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول بلى: يا رب فيقول ما عملت فيما علمت؟ فيقول يا رب قمتُ به في آناء الليل وأطراف النهار, فيقول الله تعالى كذبت, وتقول الملائكة: كذبت, ويقول الله تعالى: إنما أردتَ أن يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك, ويؤتى بصاحب المال, فيقول الله تعالى: ألم أوسع عليك حتى لم ادعك تحتاج إلى أحد؟ فيقول: بلى يا رب, فيقول فما عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت اصل الرحم, وأتصدق, فيقول الله تعالى كذبت, وتقول الملائكة: كذبت, ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال فلان جواد, وقد قيل ذلك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله تعالى ما فعلت؟ فيقول أمرتَ بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت, فيقول الله تعالى: كذبت, وتقول الملائكة كذبت, ويقول الله تعالى بل أردت أن يقال فلان شجاع جريء فقد قيل ذلك, ثم قال رسول الله (ص) أولئك تسعر لهم نار جهنم)
وقال (ص): (أول من يسأل يوم القيامة ثلاثة: رجل آتاه الله العلم، فيقول الله تعالى: ما صنعت فيما علمت؟ فيقول: يا رب كنت أقوم به آناء الليل وأطراف النهار، فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت بل أردت أن يقال فلان عالم، ألا فقد قيل ذلك، ورجل آتاه الله مالاً، فيقول الله تعالى: لقد أنعمت عليك فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب، كنت أتصدق به آناء الليل وأطراف النهار، فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد، ألا فقد قيل ذلك، ورجل قتل في سبيل الله تعالى فيقول الله تعالى: ماذا صنعت؟ فيقول: يا رب أمرت بالجهاد فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت بل أردت أن يقال فلان شجاع، ألا فقد قيل ذلك)
3 - مسؤول عن جوارحه يقول تعالى: ((وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)) (الإسراء:36) فهذه الجوارح نِعَمٌ عظيمة أنعم الله بها على عباده والنعمة تستلزم شكر المنعم والشكر يتحقق بأن يستعمل هذه النعم لطاعة الله؛ ولذلك فالإنسان مسؤول عما يستعمل به هذه الجوارح ، وهذا ما أكدته الروايات الكثيرة فقد ورد عن الإمام الصادق (ع) قال: ( فهذا ما فرض الله على العينين من غض البصر عما حرم الله عز وجلّ, وهو عملهما وهو من الإيمان, وفرض الله على اليدين أن لا يبطش بهما إلى ما حرم الله, وأن يبطش بهما إلى ما أمر الله عز وجلّ, وفرض عليهما من الصدقة, وصلة الرحم والجهاد في سبيل الله, والطهور للصلاة, فقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن)) (المائدة:6) )
وعن هارون قال: (قال لي أبو عبد الله (ع): ((إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)) (الإسراء: 36) )
عن الحسن قال: (كنت أطيل القعود في المخرج؛ لأسمع غناء بعض الجيران, قال: فدخلت على أبي عبد الله (ع) فقال لي: يا حسن ((إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا)) السمع وما وعى, والبصر وما رأى والفؤاد وما عقد عليه)
4- مسؤول عن كل ما يصدر عنه من قول أو عمل صغيراً أو كبيراً, يقول أمير المؤمنين (ع): (أما بعد, فإني أوصيكم بتقوى الله, والعمل بما أنتم عنه مسؤولون فأنتم به رهن, وإليه صائرون, فإن الله عز وجلّ يقول: ((كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)), وقال: ((وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسهُ وَإِلَى اللهِ الْمصِيرُ)) ، وقال: ((فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) فاعلموا عباد الله أن الله سائلكم عن الصغير من أعمالكم والكبير...)
ويقول (ع): (الله تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة والظاهرة والمستورة, فإن يعذب فأنتم أظلم, وإن يعف فهو أكرم)
5- كما أنه مسؤول عن شبابه وعمره وماله وولاية الأئمة سلام الله عليهم يقول رسول الله (ص): (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع, عن عمره فيما أفناه, و [عن] شبابه فيما أبلاه, وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن حبنا أهل البيت)
6- مسؤول عن كل دعوة يدعوا الآخرين إليها, يقول رسول الله (ص): (ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفاً يوم القيامة لازماً به لا يفارقه, وان دعا رجل رجلاً ثم قرأ ((وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ)) وفي حديث آخر: (أيما رجل دعا رجلاً إلى شيء إلا كان موقوفاً ملازماً به لا يفارقه ثم قرأ: ((وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ)) )
7- مسؤول عن النعم التي من الله بها عليه : فقد ورد في الحديث الشريف عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (إن الله لم ينعم على عبد نعمة إلا وقد ألزمه فيها الحجة من الله, فمن من الله عليه فجعله قويا فحجته عليه القيام بما كلفه, واحتمال من هو دونه ممن هو أضعف منه, فمن من الله عليه فجعله موسعا عليه فحجته عليه ماله, ثم تعاهده الفقراء بعد بنوافله, ومن من الله عليه فجعله شريفا في بيته, جميلاً في صورته, فحجته عليه أن يحمد الله تعالى على ذلك, وأن لا يتطاول على غيره, فيمنع حقوق الضعفاء لحال شرفه وجماله)
فإذن الإنسان مسؤول عن النعم الإلهية عليه بصورة شاملة : القوة في الجسد، والسعة في الحال, والشرف الاجتماعي سواء كان علمياً, أو سياسياً, أو اقتصادياً, بل حتى الجمال في الصورة.... الخ. قال رسول الله (ص): (إن الله يسال المرء عن جاهه, كما يُسأل عن ماله, يقول: جعلت لك جاهاً, فهل نصرت به مظلوماً؟ أو قمعت به ظالماً , أو أعنت به مكروباً؟!) وقال (ع): (كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته)
فكل نعمة مسؤول عنها, ومسؤوليته هي أن يسخر ما منحه الله تعالى في طاعته ومرضاته, وان لا يعتبره نعمة ذاتية خاصة به, وإنما هي منة مَنَّ الله تعالى بها عليه, وشكر النعم أداء حقها, وهو أن يستخدمها فيما أمره تعالى ويعجبني أن انقل الحوار الذي دار بين بهلول الحكيم، وهارون العباسي, فعن الفضل بن الربيع , قال حججت مع هارون الرشيد أمير المؤمنين فمررنا بالكوفة في طاق المحامل فإذا ببهلول المجنون قاعد يهذي, فقلت له: اسكت فقد أقبل أمير المؤمنين, فسكت فلما جاء الهودج, قال: يا أمير المؤمنين حدثني أيمن بن نابل حدثنا قدامة بن عبد الله العامري, قال رأيت النبي (ص) بمنى على جمل, وتحته رحل رث فلم يكن, ثم طرد ولا ضرب ولا إليك, فقلت يا أمير المؤمنين إنه بهلول المجنون, قال قد عرفته, وبلغني كلامه قل يا بهلول, فقال:يا أمير المؤمنين:
هب أنك ملكت العباد طراً * ودان لك العباد فكان ماذا
أليس مصيرك إلى قبر * يحثو ترابك هذا وهذا
فقال: أجدت يا بهلول أفغيره؟ قال نعم يا أمير المؤمنين من رزقه الله جمالا ومالا فعف في جماله, وواسى في ماله كتب في ديوان الأبرار, قال فظن أنه يريد شيئا, قال فإنا قد أمرنا أن نقضي دينك, قال لا تفعل يا أمير المؤمنين لا تقض دينا بدين, اردد الحق إلى أهله, واقض دين نفسك من نفسك فإن نفسك هذه نفس واحدة, وإن هلكت والله ما إنجبرت عليها, قال فإنا قد أمرنا أن نجري عليك, قال لا تفعل يا أمير المؤمنين لا يعطيك وينساني, أجري عليَّ الذي أجرى عليك, لا حاجة لي في إجرائك, ومضى هكذا قال والصواب:
هب أنك ملكت قد الأرض طرا * ودان لك العباد فكان ماذا
أليس تصير في قبر ويحثو * تراثك بعد هذا وهذا)
وأعظم النعم المسؤول عنها نعمة الإيمان والولاء لأهل الحق والهداية, والمسؤولية هنا هي عن الامتثال للأوامر الولائية المكلف بها الإنسان, يقول أبو خالد الكلبي:
(دخلت على أبي جعفر (ع) فدعا بالغداء فأكلت معه طعاما ما أكلت طعاما قط أنظف منه, ولا أطيب فلما فرغنا من الطعام, قال: يا أبا خالد كيف رأيت طعامك أو قال: طعامنا؟ قلت: جعلت فداك ما رأيت أطيب منه, ولا أنظف قط ولكني ذكرت الآية التي في كتاب الله عز وجلّ: ((ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)) قال أبو جعفر (ع): لا إنما تسألون عما أنتم عليه من الحق)
وعن أبي حمزة قال: (كنا عند أبي عبد الله (ع) جماعة فدعا بطعام مالنا عهد بمثله لذاذة وطيبا, وأُوتينا بتمر ننظر فيه إلى وجوهنا من صفائه وحسنه, فقال رجل: لتسألن عن هذا النعيم الذي نُعمتم به عند ابن رسول الله (ص)؟ فقال أبو عبد الله (ع): إن الله عز وجلّ أكرم وأجل من أن يطعمكم طعاما فيسوغكموه ثم يسألكم عنه, ولكن يسألكم عما أنعم عليكم بمحمد وآل محمد صلى الله عليه وعليهم)
إذن فنعمة الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر من النعم العظيمة التي يسأل عنها الإنسان إنها نعمة الإسلام والإيمان التي من الله بها على الإنسان يقول تعالى: ((يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للإيمان إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) (الحجرات:17)
نعم تلك هي المنة الكبرى التي لا تحد بحدود لمن عرفها وتذوق حلاوتها، وعرف أبعادها وأهدافها ومسؤولياتها،فعن الشيخ المفيد, بإسناده إلى محمد بن السائب الكلبي قال: لما قدم الصادق (ع) العراق, نزل الحيرة, فدخل عليه أبو حنيفة وسأله عن مسائل - إلى أن قال- قال أبو حنيفة: أخبرني - جعلت فداك- عن قول الله عز وجلّ: ((ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)) (التكاثر:8) قال: فما هو عندك يا أبا حنيفة؟ قال: الأمن من السرب, وصحة البدن, والقوت الحاضر, قال: يا أبا حنيفة, لئن وقفك الله وأوقفك يوم القيامة, حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها, وشربة شربتها, ليطولن وقوفك. قال: فما النعيم جعلت فداك؟ قال: النعيم نحن الذين أنقذ الله الناس بنا من الضلالة, وبصرهم بنا من العمى, وعلمهم بنا من الجهل)
8- مسؤولية الإنسان عن أهله: فكما أنه مسؤول عن نفسه فكذلك مسؤول عن أهله في تربيتهم, وهدايتهم, وإرشادهم إلى شرعة الله تعالى, وحفظهم من الانحراف عنها, وأَمرهم بما يأمر به نفسه, ونهيهم عما ينتهي عنه, يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)) (التحريم:6) وقد ورد في تفسير هذه الآية روايات توضح كيف يقي الإنسان أهله.
فعن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله (ع) قال: (لما نزلت هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً)) جلس رجل من المسلمين يبكي, وقال: أنا عجزت عن نفسي، وكُلفت أهلي, فقال رسول الله (ص): حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك ، وتنهاهم عما تنهى عنه نفسك)
وعن عثمان بن عيسى, عن سماعة, عن أبي بصير في قول الله عز وجلّ: ((قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً)) قلت: كيف أقيهم؟ قال: (تأمرهم بما أمر الله وتنهاهم عما نهاهم الله فإن أطاعوك كنت قد وقيتهم, وإن عصوك كنت قد قضيت ما عليك)
وعن علي بن إبراهيم, عن أبيه, عن ابن أبي عمير, عن حفص بن عثمان, عن سماعة, عن أبي بصير, عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عز وجلّ: ( ((قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً)) كيف نقي أهلنا؟ قال: تأمرونهم وتنهونهم)
(وفي ضوء ذلك نفهم أن المسألة تندرج في مجال الدعوة إلى الله, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, بالوسائل المتنوعة التي تقود إلى الاقتناع الفكري والإيمان القلبي, وبالأساليب الضاغطة التي تثير أمام الإنسان الكثير مما يفرض عليه النظر بجدية ومسؤولية إلى المسائل التي تطرح عليه؛ ليفكر فيها؛ وليتوجه إلى الالتزام بها, وقد تكون خصوصية الأهل, من خلال توفر الأجواء الضاغطة التي يملكه الإنسان اتجاههم باعتبار القرب العاطفي والمسائل المادية والمجتمع الواحد الذي يتحركون فيه, مما تلتقي فيه العاطفة بالعقل والعادة والأجواء المشتركة, وهذا هو ما ينبغي للآباء والأمهات أن يتحملوا مسؤوليته في رعاية شؤون أولادهم الدينية بالتأكيد على تنمية الإيمانية في مشاعرهم, وتركيز العقيدة الإسلامية في أفكارهم, وتحريك الالتزام الديني في واقعهم العلمي قبل أن يسبقهم إليهم الضالون المضلون من الكافرين والمنحرفين والمستكبرين مما يثيرونه من أفكار الكفر وعاداته وتقاليده؛ ليصوغوا أجيالنا صياغة كافرة, قد تؤدي إلى تعقيدهم ضد الإسلام فكراً وعملاً, ولعل التقصير في ذلك يساوي التقصير في مواجهة الحملات العسكرية على البلاد الإسلامية, فيما يعبر عن ذلك من معنى الخيانة بل ربما يزيد عليه؛ لأن السيطرة على الأفكار العامة للأمة, أكثر خطورة من السيطرة على مواقعها الجغرافية باعتبار ما يستتبعه ذلك من نفوذ طوعي للكافرين والمستكبرين على الواقع الإسلامي من الداخل والخارج)
هذه بعض المسؤوليات الفردية التي يسأل عنها الفرد بنفسه باعتباره فردأ وهناك مسؤوليات أخرى لا يسع الحديث عنها الآن...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com