موقع الصراط ... الموضوع : معنى حسن الخلق
 
الأحد - 28 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  معنى حسن الخلق  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 4 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
لا شك أن الحسن الأخلاقي معنى كلي جامع لكل مفردات الخير والفضيلة والإحسان , ولا يقتصر على الوضع الظاهري دون الباطني بل يشملهما .
فلا نقصد بحسن الخلق طلاقة الوجه، وحسن البشر، وإن كانت طلاقة الوجه وحسن البشر سمة أخلاقية محببة للنفوس، ولا نقصد به طيب الكلام وحسن المعشر، وإن كانا من الصفات الأخلاقية الجميلة، ولا نقصد به عدم التضجر والتشكي ، وإن كانت هذه صفة أخلاقية عظيمة، ولا نقصد به كظم الغيظ وبسط العدل وانصاف الناس فهذه الصفات وغيرها كثير من حسن الأخلاق وليس كل الاخلاق الحسنة… وقد حث الإسلام عليها في تعاليمه الأخلاقية كمفردات يكمل بعضها البعض الآخر؛ لتشكل السمة الإنسانية العظيمة (حسن الخلق) التي تنبعث من أعماق الإنسان بوعي وبدافع رسالي يهدف إلى نيل رضا الله تعالى فقط، وبذلك تكون إرادة الإنسان وهدفه من تحسين أخلاقه إرادة (وجه ربه، ولا هم له في فضيلة، ولا رذيلة، ولا شغل له بثناء جميل، وذكر محمود ولا إلتفات له إلى دنيا، أو أخرة ،أو جنة، أو نار، وإنما همه ربه، وزاده ذل عبوديته ودليله حبه)
وخلاصة الكلام: حسن الخلق هو ملكة نفسية راسخة في ضمير الإنسان تدفعه إلى فعل الجميل وتمنعه عن فعل القبيح بيسر وبدون تكلف .
العناصر الأساسية في اكتساب حسن الخلق :
كل الكائنات مسيرة وفق سنة كونية وضعها الله تعالى لها فلا تستطيع أن تحيد عنها، أما الإنسان فهو الكائن الوحيد الذي منحه الله تعالى الاختيار فهو الذي ينتخب طريقه بنفسه ويسلكه باختياره بعد أن هداه الله تعالى وأعطاه القدرة وأمره بسلوك طريق الخير، ومنحه قوة يميز بها بين الخير والشر.
((وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)) (البلد:10)
((إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)) (الانسان:3)
وبذلك فضل الله الإنسان على الحيوان إن عرف نفسه, وانتصر على أهوائه وأما إذا كان العكس بأن سيطرت شهواته على عقله فقد جهل نفسه ونسي ربه ولذا فإن العنصر الأساسي في اكتساب حسن الخلق هو معرفة الإنسان لنفسه؛ لأنه بمعرفة نفسه يعرف ربه ودوره في الحياة، ويحس بشرفه وكرامته، ويتعالى على الوضاعة والانحطاط، ويفهم قداسته… وتصبح المقدسات الأخلاقية والإنسانية عنده ذات معنى وقيمة أعلى في حياته .
ونعني بمعرفة النفس أن يدرك الإنسان موقعه ومقامه الواقعي في الوجود وأنه ليس حفنة تراب محض، وإنما هو موجود فيه إشعاع من روح إلهية، وبهذه المعرفة يستطيع أن يتقدم على الملائكة، وأنه حر ومختار، ومسؤول عن نفسه وعلى الآخرين، وعن اعمار الأرض؛ لأنه خليفة الله في أرضه .
ومن العوامل المهمة في اكتساب حسن الخلق تنمية عنصر (الخيرالأخلاقي) ونقصد به أن قسماً من أعمال الإنسان تتم بدون دوافع مادية، نفعية، ولا لدفع ضرر، بل تقع تحت تأثير سلسلة من العواطف يمكن أن نسميها (العواطف الأخلاقية) أي أن أعمال الإنسان تتم لاعتقاده أن الإنسانية تحكم بها، مثلاً لو فرضنا أن إنساناً وقع تحت ظروف صعبة خطرة في صحراء مخيفة مرعبة هددت حياته بالموت، وفي هذه الحالة يلتقي إنساناً آخر فيساعده وينجيه من موت محقق بعد هذا يفترق الرجلان , ولم يَر أحدهما الآخر إلا بعد سنين، ثم يرى هذا الفرد الذي ابتلي في ذلك اليوم الشديد الشخصَ الذي أنجاه قد وقع في حالة شديدة غير طبيعية حينئذٍ تأتي ذكرى ذلك اليوم الذي أنجاه فيه من تلك المحنة، هل أن وجدان هذا الشخص الذي وجد صاحبه في هذا الوضع الصعب يقبل بعدم إعانته لرد الجميل؟ ألا يقول له (شكر الإحسان واجب ولازم) كجواب مثبت. فلو أن هذا الفرد ساعد ذلك الشخص فإن الوجدان الإنساني ماذا يقول له؟ وإذا لم يهتم بالماضي , أولم تبدُ منه أصغر علامة تدل على ذلك يعني عكس العمل فماذا يقول له الوجدان؟ قطعاً في الصورة الأولى يستحسن العمل , ويشكر صاحبه، أما في الصورة الثانية: فإنه يلومه وقد يلعنه، هذا هو حكم الوجدان الإنساني في ذلك ((هَلْ جَزَاءُ الإحسَانِ إلا اْلإحسَانُ)) (الرحمن:60).
ويحكم الوجدان أيضاً بإن (ثواب المحسن إحسان, ويجب الشكر عليه) وجزاء غير المهتم بالإحسان ملامة ومذمة .
فالخير الأخلاقي ميزان كثير من الأعمال الإنسانية، وبعبارة أخرى كثير من أعمال الإنسان تتم وتنجز من جهة القيم الخلقية، وليس من جهة الأمور المادية وهذا من مختصات الإنسان وترتبط بالجنبة المعنوية فيه التي هي أحد الأبعاد التي تفتقر إليها كل الأحياء الأخرى التي لا تملك هذا المعيار أي أنها تفتقر إلى مفهوم الخير الأخلاقي الذي لا وجود له عند جميع الحيوانات؛ لان القِيَم الخلقية غير واردة في قاموسها .
ومن العوامل الأساسية في اكتساب حسن الخلق اتخاذ: الأسوة الحسنة للاقتداء بها، والسير على نهجها، والاهتداء بهديها لا سيما أكمل خلق الله صاحب الخلق العظيم الرسول محمد (ص) يقول تعالى: ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)) (الأحزاب:21).
ويقول أمير المؤمنين: (فتأسَ بنبيك الأطيب الأطهر (ص) فإن فيه أُسوة لمن تأسى وعزاء ًلمن تعزى، وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه)
(ومنها) اختيار الأصدقاء من ذوي الخلق الرفيع، ومرافقتهم فإن الإنسان يتأثر بجليسه , ويكتسب من خلاله سلباً أو إيجاباً، ولعل هذا الأثر ما أشارت إليه الآية الكريمة بقوله تعالى: ((يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً  لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ للإنْسَانِ خَذُولاً)) (الفرقان:82-29)
كما ورد في الأحاديث الشريفة تأكيد على ضرورة إختيار الجليس الصالح قال رسول الله (ص) : (المرء علي دين خليله فلينظر من يخالل)
وعن أمير المؤمنين (ع)أنه قال: (مجالسة الأشرار تورث سوء الظنِّ بالأخيار ومجالسة الأخيار تلحق الأشرار بالأخيار، ومجالسة الأبرار للفجار تلحق الأبرار بالفجار ...)
(ومنها) دراسة الإنسان لعاداته وتقاليده وأعرافه، وما يتسم بها من صفات ووضعها في الميزان ألالهي؛ لمعرفة الصالح من الطالح، وتنمية الصالح في نفسه لرفع كل ذميمة، فالإنسان هو طبيب نفسه، ومسؤول عن تزكيتها وتهذيب أخلاقها وعلم الأخلاق هو الدال على آية الصحة؛ ولذا ينبغي للعاقل أن يَنْصُبَ لنفسه ميزاناً عادلاً يميز به بين صحيح الملكات وفاسدها، وليس هناك من ميزان أعدل ولا أسلم، ولا أدق من كتاب الله تعالى وسنة رسوله (ص) يقول الامام الباقر(ع): (... ولكن اعرض نفسك على ما في كتاب الله، فإن كنت سالكاً سبيله زاهداً في تزهيده، راغباً في ترغيبه، خائفاً من تخويفه، فاثبت وأبشر فإنه لا يضرك ما قيل فيك، وإن كنت مبائناً للقرآن فما الذي يغرك من نفسك، إن المؤمن معنيُّ بمجاهدة نفسه؛ ليغلبها على هواها فمرة يقيم أودها، ويخالف هواها في محبة الله، ومرة تصرعه نفسه فيتبع هواها فينعشه الله فينتعش، ويقيل الله عثرته فيتذكر ويفزع إلى التوبة والمخافة، فيزداد بصيرة ومعرفة لما زيد فيه من الخوف وذلك بأن الله تعالى يقول : ((إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)) (الأعراف:201) )
(ومنها) العمل الجاد على تقوية الإرادة التي هي رمز الإنسانيه وهي عزيمة في الإنسان يوجد بها ما يروم ويدفع بها ما يكره .
(ومنها) بل وأهمها التوسل بالله لإعانة الإنسان على نفسه في إصلاحها وتقويمها؛ لأن الإنسان إذا لم يستمد العون من الله فلا يمكن أن ينتصر على نفسه ويصلح معايبها، فهذا الإمام زين العابدين وسيد الساجدين (ع) رغم كماله وعصمته وطهارته من الرجس نراه يتضرع إلى الله قائلاً: (وهب لي معالي الأخلاق … اللهم لا تدع خصلة تعاب مني إلا أصلحتها، ولا عائبة أُوَنَبُ بها إلا حسنتها ولا أكرومة فيَّ ناقصة إلا أتممتها)
هذه بعض العلاجات العملية لاكتساب حسن الخلق لو أخذ بها الإنسان بوعي وجد وهدفية واضحة متوكلاً على الله لنفعته كثيراً .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com