موقع الصراط ... الموضوع : الوصايا القرآنية العشرة
 
الثلاثاء - 21 / ذي الحجة / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الوصايا القرآنية العشرة  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 30 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) )) (سورة الأنعام)
أوامر قطعية ونواهٍ حتمية تشمل الجوانب: العقائدية, والعائلية, والاجتماعية والأخلاقية, والاقتصادية, والسياسية...
فإذا تأملنا بدقة في هذه الوصايا وجدنا أنها (قوام هذا الدين كله... أنها قوام حياة الضمير بالتوحيد, وقوام حياة الأسرة بأجيالها المتتابعة, وقوام حياة المجتمع بالتكافل والطهارة فيما يجري فيه من معاملات, وقوام حياة الإنسانية, وما يحوط الحقوق فيها من ضمانات, مرتبطة بعهد الله كما أنها بدئت بتوحيد الله تعالى)
وفي هذه الوصايا العظيمة تبرز أصول المحرمات على مختلف الأصعدة المتقدمة هذه المحرمات التي إذا فشت في مجتمع من المجتمعات, وغلبت عليه تجره إلى الهلاك والدمار النهائي, وقد جاء النص الكريم بأوامر جازمة, ونواهي قاطعة تظهر جوامع أصول الفساد الاجتماعي بأخصر عبارة وأدقها في عالم التشريع, وهذه المحرمات مما أجمعت عليه الشرائع السماوية بدون استثناء, والمحرمات هي الشرك بالله, وعقوق الوالدين, واقتراف الفواحش سراً وعلنا, وقتل النفس المحترمة بغير الحق, وقتل الأولاد خشية الإملاق, وأكل مال اليتيم, والتطفيف في المكيال, والظلم في القول, وعدم الوفاء بعهد الله, واتباع غير سبيل الله تعالى.
وأول ما يلفت النظر, ويوقظ الضمير, وينفض غبار الغفلة عن النفس في هذا النص هو شدة الأمر حيث وجه تعالى الخطاب إلى نبيه بصيغة الوجوب ((قُلْ)) ليدعوا الناس وينبههم على الأخطار الجسمية والفظائع المدمرة التي لا يمكن أن تقوم للإنسانية قائمة مع اقترافها, وكأنه يقول تلك المحرمات هي السرطان الذي يهلك الإنسان في الدنيا, ويشقيه في الآخرة.
والأمر الآخر الذي يدل على خطورة هذه الأمور هو تكرار الوصية في نص واحد ثلاث مرات ذلكم وصاكم به ((لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ))... ((لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ)).. ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) لاستماعه وتدبر أمثاله عن فهم, ووعي, والتزام جدي من خلال اجتناب تلك المحرمات, بل مقاومة حدوثها, وانتشارها في وسط المجتمع؛ ليعيش طاهراً زكياً سعيداً في مجتمع يسوده التوحيد والعدل والمحبة والوفاء.
أول ما يُبَرِز النص من الأخطار الفظيعة - والتي يهون دونها كل خطر والذي منه تنبع جميع المفاسد الفكرية, والأخلاقية, والاجتماعية,والسياسية- الشرك بالله تعالى فهو انحراف خطير يصيب الفطرة السليمة, ويفسدها, ويجر الإنسان إلى أهلك المهالك حيث يطرده من رحمة الله, ويحرمه غفرانه ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ)) (النساء: 48)؛ لأن الشرك بالله يهوي بالإنسان إلى أقصى مهاوي السقوط حتى يخرجه من عالم الإنسانية الكريمة, ويهوي به إلى حضيض الحيوانية الدانية؛ لأنه افتراء على الله, وإثم عظيم, وضلال بعيد, وسقوط ما بعده سقوط؛ ولذا جاء التشبيه القرآني لعاقبة المشرك دقيقاً وصريحاً مرعباً يرعب القلب ((وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)) (الحج:31)
إنه مشهد مروع مخيف حيث أن هذا الإنسان الكريم الذي أراد الله لـه السمو والرفعة والكمال يهوي من أسمى مراتب الكمال إلى أحط درجات الهبوط, فيسحقه ويحطمه, وتتمزق أوصاله فتخطفها الطير. هكذا يسحق الشرك الإنسان كيانا, ووجودا, وعزة, وكرامة, ويصبح ريشة في مهب الرياح تلقي به العواصف إلى أحط درجات السقوط, من الإنسانية السامية إلى الحيوانية المنحطة (وهي صورة صادقة لحال من يشرك بالله, فيهوي من أفق الإيمان السامق إلى حيث الفناء والانطواء إذ يفقد القاعدة الثابتة التي يطمئن إليها: قاعدة التوحيد, ويفقد المستقر الأمن الذي يؤب إليه, فتخطفه الأهواء تخطف الجوارح, وتتقاذفه الأوهام تقاذف الرياح, وهو لا يمسك بالعروة الوثقى, ولا يستقر على القاعدة الثابتة التي تربطه بهذا الوجود الذي يعيش فيه)
وسياق الآيات هنا يومئ بأن الشرك المقصود لا يقتصر على اتخاذ الأصنام الخشبية أو الذهبية, وإنما الشرك المقصود هو الأخطر من هذا, وهو اتخاذ معبود من جنس البشر , ويتجسد هذا الشرك - وإن كان الإنسان ظاهراً يؤمن بالله تعالى- بالطاعة والامتثال بما يضعه البشر من القوانين والدساتير والشرائع, ويخضع لأوامره ونواهيه, ويحوله إلى دين يدان به أي يخضع لحاكمية البشر, وهي من أصدق مصاديق الرفض لحاكمية الله تعالى .
إن هذا الشرك هو الأخطر على الإطلاق؛ لأنه يُعَبّدُ الناس للناس من خلال الحكم بغير ما أنزل الله, والحكم بما وضعه البشر من قوانين جائرة, بل اعتداء صريح على حق الله تعالى المتفرد بالتشريع, والذي لا يحق لأحد مهما بلغ من مراتب الكمال أن يلج ساحته, لان التشريع حق الهي مطلق, وأي قانون سنه البشر هو تجاوز لحق الله وظلم واعتداء على حرمات البشر. ((وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ)) (النحل:116)
عن محمد بن مسلم عن اسحق بن موسى قال: (حدثني أخي وعمي عن أبى عبد الله (ع) قال: ثلاثة مجالس يمقتها الله, ويرسل نقمته على أهلها, فلا تقاعدوهم, ولا تجالسوهم: مجلسا فيه من يصف لسانه كذبا في فتياه)
وبعد أن يؤسس النص القاعدة الأساسية الرصينة قاعدة التوحيد الخالص التي جعلها الله المنطلق الأصيل لجميع الكمالات الإنسانية ينتقل إلى الفروع النابعة منها والمتزودة من معينها... فيبدأ بالروابط العائلية؛ ليقيمها على أسس الرحمة والإحسان واللطف, وقد عبر عنه بالإحسان للوالدين؛ لأن العائلة هي اللبنة الأولى التي يقوم عليها البناء الفوقي للمجتمع فالعائلة المتراحمة المترابطة على أساس الإحسان والاحترام, وتبادل الحقوق والواجبات على أسس إلهية هي المدرسة المثلى التي تُخَرِّجُ الشخصية الرسالية؛ لتكون النموذج الأفضل في الساحة الاجتماعية, والمصنع الدقيق, والخلية الطاهرة التي تُخَرج الإنسان المهذب الطيب المحسن, ومن هنا أوصى الإسلام بالإحسان للوالدين في أكثر من موضع من كتابه الكريم، ونهى أن يسئ الولد لهما, ولو بأتفه كلمة وأبسطها (أف) ((فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً)) (الإسراء: 23) قال الإمام أبو جعفر الباقر (ع): (أدنى العقوق "أف" ولو علم الله شيئا أهون من "أف" لنهى عنه)
وكما أوصى الأبناء بالآباء الزم الآباء بإعداد أبناءهم إعداداً سليماً, وجعل لهم حقوقاً كبيرة من حيث اختيار الأم, وجما ل التسمية, وحسن التربية والتعليم, وقبول ميسورهم, والتجاوز عن معسورهم جاء في الحديث: (لا تقسروا أولادكم على آدابكم, فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم) وقال رسول الله (ص): (رحم الله والداً أعان ولده على البر) فإذن الإحسان لا بد أن يكون متبادلا بين الآباء والأبناء.
إن الوالد بفطرته يحب أولاده, ويعمل على الحفاظ عليهم بكل جهده, فهم منه وليس العكس, وبعبارة أخرى الأبناء من الآباء فهم فلذة أكبادهم, وليس الآباء من الأبناء؛ ولذلك فإن حنان الأب وعطفه أكثر من عطف الولد على أبيه؛ ولهذا تكررت الوصايا بالآباء للأبناء.
والوصية الثالثة عالجت مرضاً اجتماعياً خطيراً أصاب فطرة بعض الناس فحرفتها عن مسارها في نفوس بعض أبناء الجزيرة العربية, وهي وأد البنات, وقتل الأولاد خشية الإملاق فجاء النص بعلاج جذري حينما حدد السبب الكامن في النفوس, وهو الخوف من الفقر, وأكد بان هذا التصور نابع من سوء الظن بالله تعالى, ثم ضمن لهم أرزاق الأولاد وأرزاقهم. فليس رزق الأولاد بأيدي آبائهم ((نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم)) (الإسراء: 31) وفي آية أخرى ((نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)) (الأنعام:151) فإذا كان رزق الأولاد والآباء بيد الله تعالى مقدر محتوم ((وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)) (الذاريات:22) فلماذا إذن يقدم الإنسان على هذا الإجرام الذي يأباه الحيوان لنفسه.
وبعد هذا التأكيد على البناء العائلي السليم جاءت الوصية الرابعة؛ لتنشئ العائلة الزكية والمجتمع الطاهر فنهت عن الاقتراب إلى الفواحش الظاهرة والباطنة فضلاً عن الوقوع فيها. وهنا إشارة دقيقة فلم يقل تعالى لا تفعلوا الفواحش, وإنما قال لا تقربوها , وفي هذا تأصيلٌ لقانون التقوى والتوقي والحذر والحيطة من الانزلاق والسقوط في مستنقع الرذيلة.
وهذا مصداق (الوقاية خير من العلاج) فإن الاقتراب من الفواحش عملية تمهيد للوقوع فيه ؛ ولذا حرم الإسلام النظرة المحرمة, وحاسب عليها, واعتبرها شهاب من شهب إبليس توقد نار الشهوات في النفس فابتسامة خبيثة بوجه فتاة أجنبية فخ من فخاخ إبليس, تمهيدا لما هو أكبر منها وصدق القائل: (نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء) فالإشارات, والمواعيد, واللقاءات العبثية, والكلام المعسول شباك خبيثة توقع الإنسان في فخاج الشيطان, وقد اختلف المفسرون في معنى الفواحش الظاهرة, والأكثر قالوا إنه الزنا سواء كان سراً أو علناً ففي الجزيرة العربية كانوا (لا يرون بالزنا في السر بأساً, ويمنعون منه علانية) أن الله تعالى أراد وقاية المجتمع من المعاصي والمنع عنها سواء عملت سراً أو جهراً فجميعها موبقات تدنس النفس, وتفسد المجتمع.
ثم عاد النص الكريم مرة أخرى فنهى عن القتل والمقصود بالقتل هنا أعم من قتل الأولاد, وهو إزهاق النفوس البريئة المحترمة, وقد اعتبر الإسلام قتل نفس واحدة يعادل قتل الناس جميعا ؛ لأنه خروج من عالم الإنسانية إلى عالم الغاب ((أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)) (المائدة: 32)
((وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)) (النساء:93) وعد القاتل متمرداً على الله والإنسانية وخارج عنها عن الصادق (ع) قال: (وجد في ذؤابة سيف رسول الله (ص) صحيفة فإذا فيها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم إن أعتا الناس على الله يوم القيمة من قتل غير قاتله وضرب غير ضاربه)
ولا يتوقف القتل على القتل البدني وإزهاق الروح, وإنما عد الإضلال عن الصراط المستقيم قتلاً, وقد يكون أكبر من قتل الأبدان, فإن من أضل شخصاً أو أمة فأخرجها عن جادة الصواب فقد قتلها قتلاً أفظع من إزهاق الأرواح وإراقة الدماء وأشد خطراً على المجتمع حيث أوجد جرثومة خطرة تفتك في جسم الأمة, ولا تتوقف عند حد, وقد رأينا كم جرّت الأفكار الإلحادية, والمذاهب المادية من مآسي على البشرية؟ فهذا أفضع وأشنع وأكثر ضرراً من قتل النفوس وإراقة الدماء؛لأنه (قتل لا ينجبر) فقد روى الإمام العسكري (ع) عن آبائه عن علي بن الحسين (ع): (عباد الله هذا قصاص قتلكم لمن تقتلونه في الدنيا, وتفنون روحه, أوَلا أُنبئكم بأعظم من هذا القتل , وما يوجب [الله] على قاتله مما هو أعظم من هذا القصاص؟ قالوا: بلى يا بن رسول الله، قال: أعظم من هذا القتل أن تقتله قتلا لا ينجبر, ولا يحيى بعده أبدا, قالوا: ما هو؟ قال: أن تضله عن نبوة محمد, وعن ولاية علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما , وتسلك به غير سبيل الله, وتغريه باتباع طريق أعداء علي (ع), والقول بإمامتهم, ودفع علي عن حقه, وجحد فضله, ولا تبالي بإعطائه واجب تعظيمه فهذا هو القتل الذي هو تخليد هذا المقتول في نار جهنم, خالدا مخلدا أبدا فجزاء هذا القتل مثل ذلك الخلود في نار جهنم)
وبعد هذه الوصايا الخمسة ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: ((ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) ولعل المقصود أن اجتناب هذه المحرمات تحتاج إلى تعقل, وتفكر, وتدبر في أسبابها, ودوافعها , وعواقبها, وما ينجم عنها من آثار خطيرة في مآل الإنسان, ومصيره في الدنيا والآخرة, وهذه هي مهمة العقل الذي به يثاب الإنسان, وعلية يعاقب.
ثم تأتي الوصية السادسة بلزوم عدم الاقتراب من ما ل اليتيم وعدم استغلال ضعفه وصغره لأكل أمواله, بل الواجب الإلهي, والحق الإنساني الإحسان إليه بحفظ أمواله إلى أن يبلغ سن الرشد, ويكون قادراً على حسن التصرف في ماله وفي قوله تعالى: ((وَلا تَقْرَبُوا...)) نقطة حمراء تشير إلى فظاعة أكل مال اليتيم, وتحذير للنفس من الانجرار وراء زخارف وبهارج المال, وقطع لخداع النفس الأمارة بالسوء؛ لئلا تجر صاحبها إلى التبرير واستغلال تلك الأموال لمصالحه الخاصة ومآربه الذاتية.
إضافة إلى ذلك فقد جاء الوعيد مغلظاً شديداً مرعباً - يهز أوتار القلب- لمن يأكل أموال اليتامى بغير الحق ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً)) (النساء:10)
ثم تأتي الوصية السابعة بوجوب اجتناب التطفيف في الميزان والمكيال, وعدم بخس الناس أموالهم, وهنا يهدف الإسلام إيجاد المجتمع الفاضل العادل الذي لا يظلم الناس في سلب أموالهم, وأوعد المطففين بالويل والثبور بقوله تعالى: ((وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين َالَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُون لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)) (المطففين:1-6)
وهكذا يربط الإسلام بين العقيدة الإلهية ونظام المعاملات التجارية, والتبادل الاقتصادي, ثم في الآية المتقدمة بيان لسبب الجرأة على التطفيف, وهو نسيان البعث والنشور بين يدي رب العالمين. فلو كان الإنسان يعتقد يقينا بأنه مبعوث ومحاسب على بخس الناس أموالهم, وأكلها ظلماً ((أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ)) وقد أهلك الله أقواماً في غابر الزمن؛ لتطفيفهم في الميزان بعد أن أنذرهم رسلهم, ولم يطيعوا, ولم يمتثلوا.... كقوم شعيب وقوم هود.
إن الأوامر الإلهية صريحة واضحة في وجوب القسط في الميزان والمكيال, يقول تعالى عن لسان شعيب (ع): ((وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيط وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) (هود:84-85)
وقوله تعالى: ((وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)) (الإسراء:35)
((أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ)) (الشعراء:181-183)
أما الوصية الثامنة: فهي العدل, وعدم التحيز إلى أحد على حساب آخر لقربى أو رحمية, أو مصلحية... بالنطق بغير الحق , بل الواجب ملازمة العدالة في القول , وعدم الانجرار وراء الاعتبارات الذاتية. فالقول بالعدل والحق والإنصاف واجب إسلامي يجب أن يبرز في شخصية المؤمن, وفي الحديث الشريف: (قل الحق ولو على نفسك) لأن ذلك صفة إيمانية لا يمكن أن يحيد عنها المؤمن إلا في حالات معينة حددها الشرع المقدس وقد ورد عن أمير المؤمنين: (الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك)
ثم الوصية التاسعة: وهي الوفاء بالعهد... فالعهد هو ميثاق يلزم الإنسان به نفسه مع طرف لمصلحة معنية, وهو قسمان مترابطان متلازمان عهد الإنسان مع الله تعالى, وعهده مع الناس. أما العهد مع الله تعالى: فهو الميثاق الفطري الذي أودعه الله تعالى في كيان الإنسان وألزمه به منذ خلقه ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)) (الأعراف:172) وهذا (الميثاق عهد, أو عقد مؤكد بين الله تعالى, وبين الإنسان يلزم الإنسان بالطاعة والانقياد والتسليم لله بأنه مخلوق ومكون من قبل الله, ومسؤول ومحاسب عن كل ما أَمر به ونهى عنه, وإليه المصير, وهذه هي العلاقة التكوينية, والعلاقة الأخرى هي العلاقة التشريعية, وبها يرتبط الإنسان بالله من حيث الالتزام بأوامره والانتهاء عن نواهيه, وبعبارة أخرى هو الخضوع والتسليم.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com