موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-16
 
الخميس - 4 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-16  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 2 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  الأسلوب السابع: المقاطعة والحصار:
لما عرفت قريش نجاح المسلمين في هجرتهم إلى الحبشة، وفشل وفدها المشؤوم من الإيقاع بهم، وميل النجاشي لهم، وإيمانه بالإسلام ازداد تخوفهم من استيلاء الرسول عليهم، ونزع سلطان قريش, بل العرب منهم، قال ابن إسحاق: (فلما رأت قريش أنَّ أصحاب رسول الله (ص) قد نزلوا بلداً أصابوا به أمناً وقراراً، وأنَّ النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأنَّ عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله (ص) وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا, وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم، وبني المطلب، على أن لا يُنكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا , وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم)
كل ذلك لم يفل عزيمة بني هاشم، فاجتمعوا , وانحازوا إلى أبي طالب، ودخلوا معه، وتضامنوا على المقاومة والصبر إلا اللعين أبا لهب، فإنَّه خرج عنهم، وظل يحارب رسول الله (ص) وأهله، وأما رد أبي طالب على تعاقد قريش، فقد قال:
ألا أبلغا عني على ذات بيننا * لؤيا ، وخصا من لؤي بني كعب
ألم تعلموا أنَّا وجدنا محمدا * نبياً كموسى خط في أول الكتب
فلسنا ورب البيت نسلم أحمد * لعزاء من عض الزمان ولا كرب
ولم يكتفِ أبو طالب بقول الشعر المتحدي والمؤكد لحماية الرسول، بل (جمع بني هاشم، ودخل الشعب، وكانوا أربعين رجلاً، فحلف لهم أبو طالب بالكعبة، والحرم، والركن، والمقام لئن شاكت محمداً شوكةٌ لآتينَّ عليكم يا بني هاشم, وحصن الشعب، وكان يحرسه بالليل والنهار)
فإذا جاء الليل, وأخذ النبي مضجعه، ونامت العيون يجيئه أبو طالب، و(يقيمه ليلاً من منامه، ويضجع ابنه علياً مكانه، فقال له عليٌ ليلة : يا أبت، إنِّي مقتول، فقال له:
اصبرن يا بني فالصبر أحجى * كل حي مصيره لشعوب
قدر الله والبلاء شديد * لفداء الحبيب وابن الحبيب
لفداء الأغر ذي الحسب الثاقب * والباع والكريم النجيب
إن تصبك المنون فالنبل تبرى * فمصيب منها ، وغير مصيب
كل حي وإن تملى بعمر * آخذ من مذاقها بنصيب
فأجاب علي (ع)، فقال له:
أتأمرني بالصبر في نصر أحمد * ووالله ما قلت الذي قلت جازعا
ولكنني أحببت أن ترى نصرتي * وتعلم أنِّي لم أزل لك طائعا
سأسعى لوجه الله في نصر أحمد * نبي الهدى المحمود طفلاً ويافعا)
واستمر حصار بني هاشم ثلاث سنوات، وقيل أربع حتى أنفقوا كل ما يملكون، ووصلوا حد الضر والفاقة، (وقطعوا عنهم الميرة والمادة، فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد، وسمع أصوات صبيانهم من وراء الشعب، فمن قريش من سَرَّه ذلك، ومنهم من سَاءَه)
وقد نقل في هامش سيرة ابن هشام: (يحكى أنَّ المؤمنين جهدوا من ضيق الحصار، حتى أنَّهم كانوا يأكلون الخبط وورق السمر، حتى إن أحدهم ليصنع كما تصنع الشاة، وكان فيهم سعد بن أبي وقاص، روي أنَّه قال: لقد جعت، حتى إنِّي وطئت ذات ليلة على شيء رطب فوضعته في فمي وبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن، وكانوا إذا قدمت العير مكة، وأتى أحدهم السوق ليشتري شيئاً من الطعام لعياله فيقوم أبو لهب عدو الله فيقول: يا معشر التجار، غالوا على أصحاب محمد، حتى لا يدركوا معكم شيئاً، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي، فأنا ضامنٌ أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافاً، حتى يرجع إلى أطفاله، وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يديه شيءٌ يطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب، فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس حتى جهد المسلمون، ومن معهم جوعاً وعرياً)
واستمر الحال على ذلك إلى أن نزل جبريل على رسول الله (ص) وأخبره أنَّ الأرضة قد أكلت الصحيفة، وذكر بعض أهل العلم: (أنَّ رسول الله (ص) قال لأبي طالب: يا عم، إنَّ ربي الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسماً هو لله إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم، والقطعية، والبهتان، فقال: أربك أخبرك بهذا؟ قال: نعم، قال: فوالله ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إلى قريش، فقال: يا معشر قريش، إنَّ ابن أخي أخبرني بكذا وكذا، فهلمَّ صحيفتكم، فإن كان كما قال ابن أخي، فانتهوا عن قطيعتنا، وانزلوا عما فيها، وإن كان كاذباً دفعت إليكم ابن أخي، فقال القوم: رضينا، فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا، فإذا هي كما قال رسول الله (ص)، فزادهم ذلك شراً، فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا)
وورد في سيرة ابن كثير: (فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب، قالوا: والله إن كان هذا قط إلا سحراً من صاحبكم. فارتكسوا، وعادوا بِشَرِ ما كانوا عليه من كفرهم، والشدة على رسول الله (ص)، والقيام على رهطه بما تعاهدوا عليه)
وقد حاولت بعض الشخصيات القرشية نقض الصحيفة، وإيصال الطعام إلى شِعب أبي طالب، كهشام بن عمرو بن ربيعة الذي وصفه ابن إسحاق: (ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن ربيعة... وذلك أنَّه كان ابن أخي نَضْلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه، فكان هشام لبني هاشم واصلاً)
وتحرك هشام على زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبي البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، واجتمعوا، وتعاهدوا على نقض الصحيفة، ونادى زهير: (يا أهل مكة، أنأكل الطعام, ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يُباع ولا يُبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة فقال أبو جهل، وكان في ناحية المسجد: كذبت والله لا تشق، قال زمعة بن الأسود : أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حيث كتبت)
وحدثت مشادة بينهم , وبين أبي جهل، إلا أنَّ جنود الله الخفية أكلت الصحيفة إلا (باسمك اللهم)
وهكذا أثبت الله للمعاندين صدق رسول الله (ص) رغم أنوفهم، إلا أنَّ العناد، والعصبية، والطغيان منعهم عن تصديقه، والإيمان به، ورغم ذلك كله ازدادوا عتواً وظلماً، واشتدوا على أذى رسول الله وأصحابه.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com