موقع الصراط ... الموضوع : سر الخلود في ثورة الحسين (ع)
 
الخميس - 6 / جمادي الثاني / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  سر الخلود في ثورة الحسين (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 2 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
قالت الحوراء زينب وهي تخاطب الإمام زين العابدين (ع) لما مروا بسبايا أهل البيت على أجساد الشهداء في ميدان الطف: (ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وأخوتي ,فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله ...)

في واقعة الطف تبرز ظاهرتان حَرِيٌّ بنا أن نتوقف عندهما, ونتأمل جيداً فيهما هاتان الظاهرتان هـما:
1 - خلود الثورة الحسينية وبقاؤها حية نابضة في القلوب حتى أصبحت معينا لا ينضب لكل الثورات على طول خط التاريخ . فما هو سر هذا الخلود ؟
2 - عمق التفاعل الجماهيري معها فما السر في ذلك ؟
أما سر الخلود فمما لا شك فيه أن المشيئة الإلهية هي التي رسمت هذا المسار حتى تجلت فيها سنن الله بأجلى صورها في واقعة الطف . وتجلت إرادة الله تعالى فيها: (شاء الله أن يراني قتيلاً وشاء الله يرى أهل بيتي سبايا مأسؤرين)؛ ليكون النموذج الذي يقتدى به في الكدح إلى الله .
أما سر الخلود من الناحية التحليلية فان الأحداث والأفكار والأشخاص ثلاثة أنواع .
أ - منها ما يشتمل على الزيف والباطل والضلال, ولكنه مغلف بغلاف من الحق ؛ ليستر ما فيه من الزيف والباطل, وهذا سرعان ما ينكشف ما فيه من عيوب ونواقص, وحينئذ يلفظه الناس, ويرمونه في مزيلة التاريخ, ويمحى من قاموس حياتهم ومن ذاكرة التاريخ .
ب - ومنها ما يكون محدوداً ضمن فترة زمانية, أو بقعة جغرافية محدودة, أو أمة معدودة, وبعبارة أخرى إن تلك الحقيقة محدودة بحدود الزمان والمكان الذي ولدت فيه فحياتها بمقدار حدودها .
ج - ومنها ما يشتمل على الحقيقة كاملة ناصعة مطلقة لا تحد بحدود الزمان والمكان, ولها اتصال وثيق بالتكوين العقلي والوجداني للإنسان, فهذه الحقيقة تكون خالدة مع عمر الإنسان ومسيرته حتى تصبح واقعاً رسالياً تتزود البشرية منه, وتنبعث من أجله, وتصبح الغذاء اليومي للعقل والقلب والروح لا يستطيع أن يستغني عنها بحال وثورة الحسين (ع) من هذا القبيل ؛ لذلك نراها تتجدد على مر الزمان لا يخلقها الدهر, ولا تبليها القرون, ولها سحر جذاب يجذب القلوب, ويستهوى النفوس إلا ما انطمست فطرتها ... ولهذا تجذَّرت في أعماق القلوب والعقول رغم كل ما بذلت من جهود لطمسها وامحائها, إلا أن إرادة الله هي التي خلدتها لما منحتها من قوة, وعمق, وشمول وجاذبية، وأصالة.
قوة في المبادئ, والشـعارات, والوسائل, والأهداف, وعمق في ضمير الوجود الكوني؛ ولهذا ملكت العقول والقلوب, واستوطنت فيها. فهي لا تزال حية في الضمائر تتجدد على مر الزمان, وتضع الإنسان على جادة الصواب, وتدفعه إلى ساحات الجهاد؛ لتحقيق الحرية, والعدل, والحق، كما تبعث الناس إلى فعل الخير والعطاء وتغذيهم بروح الوفاء, والتضحية, والصبر, والفداء ...، وتعمل على ترشيد مسيرتهم من خلال تهذيب الضمائر, وتربية العواطف، وتنمية الوعي الرسالي, وتركز في القلوب أسمى معاني الكرامة الإنسانية، وهكذا أصبحت مناراً يضئ الدرب أمام جميع المصلحين على مختلف أهوائهم ونِحَلهم كل يرتشف منها بمقدار سعة ظرفه, وطهارة نفسه. ولهذا وجدنا الوثني الهندي غاندي يقول: (تعلمت الصبر من الحسين) ويقول قس مسيحي: (لو كان الحسين لنا لرفعنا لـه في كل بلد بيرقاً, ولنصبنا لـه في كل قرية منبراً ، ولدعونا الناس إلى المسيحية باسم الحسين)
وشمول لجميع صنوف وصور الحياة السياسية, والفكرية, والروحية والأخلاقية فهي مسرح عرضت فيه أسمى صور النبل, والكمال, والجمال, والعظمة في المواقف الأخلاقية ... وفي نفس الوقت أبرزت أحط وأخس حالات التوحش البشري والسقوط الأخلاقي ... وبعبارة أدق: ثورة الحسين (ع) (كانت صراعاً بين خُلقين ومبدأين وجولة من جولات الصراع بين الخير والشر... بين أنبل ما في الإنسان ، وأوضع ما يمكن أن تنحدر إليه النفس البشرية من مساوئ)
وجاذبية ساحرة فلا نعرف حدثاً اجتذب النفوس, واستقطب القلوب كثورة الحسين (ع).
وأصالة كأصالة مفجرها في طهارته, وسموه, وصفائه, ونسبه, ويمكن أن نعرف بدقة متانة وعمق خلود ثورة الحسين (ع) إذا عرفنا الجهود التي بذلت؛ لطمسها وامحائها من ذاكرة التاريخ، فقد بذلت جهود جبارة، فكرية، وإعلامية وسياسية واقتصادية ؛ لطمس معالمها, ودفنها إلى الأبد, ولم تكن تلك الجهود جهود أشخاص أو مؤسسات محدودة, بل كانت جهود دولة تتمتع بكل القدرات, البشرية, والمالية والفكرية, والسياسية, وكل تلك القدرات سُخرت بمجرد انطلاق الثورة واستعارها ثم استشهاد رموزها, والتمثل بأجسادهم, وسبي ذراريهم ... واستمرت تلك الجهود طيلة الحكم الأموي, والعباسي, والعثماني, ولا تزال إلى اليوم مستمرة مع تفاوت في الاندفاع الشديد, والفتور البسيط, ورغم ذلك كله نرى أن هذه الحركة كلما واجهت ضغوطاً جديدة ازدادت متانة, ورسوخاً, وتجدداً, وتجذّرا في النفوس... ولنذكر بعض تلك الأساليب التي واجهتها حركة الحسين الخالدة:
1 - محاولة تبرئة النظام الأموي, ورأسه المدبر (يزيد) من جريمة قتل الحسين (ع) وسبي العائلة النبوية, وإلقاء التبعة على ابن زياد ... وهذه المحاولة هدفت إلى امتصاص النقمة الشعبية, واحتواء التحرك المضاد من خلال إلقاء التبعة على رجل واحد وتبرئة النظام منها, وبذلك تتأطر الجريمة بإطار شخصي, وتسلم السلطة من تبعاتها الكبرى , ولكن ابن زياد كشف الحقيقة من خلال حوار دار بينه, وبين مسافر بن شريح اليشكري عندما (استجار ابن زياد بمسعود بن عمر فأجاره, ثم سار ابن زياد إلى الشام وأرسل معه مسعود مائة من الأزد حتى قدموا به إلى الشام, فبينما هو يسير ذات ليلة قال : قد ثقل عليَّ ركوب الإبل, فوطئوا لي على ذي حافر, فجعلوا له قطيفة على حمار فركبه ثم سار , وسكت طويلاً, قال مسافر بن شريح اليشكري : فقلت في نفسي : لئن كان نائماً لا نغصن عليه نومه (فد نوت منه), فقلت أنائم أنت ؟ قال : لا كنت أحدث نفسي, قلت أفلا أحدثك بما كنت تحدث به نفسك ؟ قال :هات, قلت :كنت تقول ليتني كنت لم أقتل حسيناً ... قال : أما قتلي الحسين فإنه أشار إليَّ يزيد بقتله أو قتلي فاخترت قتله)
2 - تشويه أهداف ثورة الحسين (ع) حيث صور الأمويون وأتباعهم بأن الحسين (ع) إنما ثار لأجل طلب الملك والزعامة, وليس هدفه الدفاع عن الإسلام وإنقاذه من مخالب الأموين, وهذا الاتجاه ركّز من خلال تحريف الأخبار التاريخية, ووضع أحاديث واختلاق موافق ونسبتها إلى الحسين (ع) لم يكن الحسين قالها أو أرادها.
مثال ذلك: أنهم نسبوا للحسين (ع) أنه قال لعمر بن سعد اذهب بي إلى يزيد أضع يدي في يده.
والواقع يكذب هذه الرواية فلو أراد الحسين (ع) أن يستسلم, ويذهب إلى يزيد لكان ذلك متيسراً, ولو أراد أن يضع يده في يد يزيد لوضعها منذ دعاه أمير المدينة للبيعة, ولما قال: (إن مثلي لا يبايع مثله) ولَما عرَّض نفسه وأهله لكل تلك المصاعب والمصائب التي ما عرف التاريخ لها مثيلاً, هذا من جانب, ومن جانب ثاني إن الطبري نفسه يروي عن عقبة بن سمعان, وهو رجل صحب الحسين (ع) من المدينة إلى كربلاء وسَلِمَ من القتل, قال: (صحبت الحسين فخرجت معه من المدينة إلى مكة, ومن مكة إلى العراق, ولم أفارقه حتى قتل, وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة, ولا بمكة ولا في الطريق ,ولا بالعراق, ولا في عسكر إلى يوم مقتله, إلا وقد سمعتها, ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر به الناس, وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية , ولا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين, ولكنه قال دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصبر [إليه] أمر الناس [فلم يفعلوا])
3 - عمل الأعلام الأموي على إعطاء صورة مشوهة للثورة, وأنصارها على أنهم من الخوارج والحروية, وأنهم خارجون على أحكام الشرع المقدس, وقد شقوا عصا المسلمين, وفرقوا صفو فهم؛ ولذلك ما أُجري في حقهم إجراء شرعي, حتى قيل (إن الحسين قتل بسيف جده) وحينئذ سيكون فعل يزيد وجنده في جريمته الكبرى عملاً شرعياً, وقد نحى هذا المنحى بعض الفقهاء المتعصبين للاتجاه الأموي, ومنهم أبو بكر ابن العربي حيث قال :
(فما خرج إليه [يعني الحسين (ع)] أحد إلا بتأويل ولا قاتلوه إلا بما سعوا من جده المهمين على الرسل المخبر بفساد الحال المحذر من الدخول في الفتن وأقواله في ذلك كثيرة فمنها: انه سيكون هنات وهنات وهنات فمن أراد إن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان فما خرج الناس إلا بهذا وأمثاله)
وبهذا الأساليب التبريرية أعطى فقهاء السلاطين المبرر الشرعي الذي ما انزل الله به من سلطان؛ ليلبسوا الباطل ثوب الحق, ويموهوا الحقيقة على الناس, ويدفنوا صرخة الحسين (ع) ويمحوا أثرها ((وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)) (التوبة: 32)
4 - حاولوا إسقاط القيمة الثورة والسياسية والأخلاقية للثورة ورجالها وأنصارها حيث اقدموا على الاستهانة بكل القيم الدينية والإنسانية من خلال القتل, وقطع الرؤوس وسحق الأبدان بسنابك الخيل, وحرق الخيام على أهلها, وسبي عائلة الرسول الأعظم (ص) ولكن انقلب السحر على الساحر, وبطلت كل المخادعات والأفعال, وصارت هذه الأعمال ورقة إدانة للحكم الأموي, وخير دلالة على السقوط الأخلاقي والإنساني الذي تميز به الحكم الأموي ... وهكذا سلبَ الحسينُ (ع) الشرعية من العرش الأموي، ومزق كل البراقع الدينية المزيفة التي أخفى ورائها الأمويون جرائمهم ؛ ولذلك أصبحت ثورة الحسين (ع) بركاناً متفجراً أتى على العرش الأموي, واجتذه من جذوره , واقتلع أصوله, ولم تعمر دولة بني أمية بعده عمر رجل مديد العمر كما قال العقاد في كتابه الحسين أبو الشهداء ,ثم قال :
(ولإصابة هذه الحركة في نتائجها الواسعة دخل في روع بعض المؤرخين أنها تدبير من الحسين (ع) توخاه منذ اللحظة الأولى, وعلم موعد النصر فيه ... فلم يخامره الشك في مقتله ذلك العام, ولا في عاقبة هذه الفعلة التي ستحيق بقاتله بعد أعوام). كما أشار إلى ذلك ما ربين الآلماني في كتابه (السياسية الإسلامية) .
5 - جعلوا يوم العاشر من المحرم يوم عيد وسرور, وبهجة وقد وضعوا الأحاديث في فضله كما جاء في حديث عبد الله بن الفضل الهاشمي عن الإمام الصادق.
هذا غيض من فيض مما عملته الحكومة الأموية من أعمال, وروجته من أفكار لتشويه الثورة الحسينية, ولكن كلها باءت بالفشل الذريع لمِا أعطى الله هذه الثورة من نصاعة, وقوة, وعمق, وشمول في الوجدان البشري .
وأما ما سلكه بنو العباس من أساليب لإطفاء أنوار النهضة الحسينية, وإنزال أشد العقوبات بالزائرين للقبر الشريف والمقيمين لمجالس العزاء عليه, من سجن, وغرامة وقتل, وهدم البيوت, وتقطيع الأبدي ؛ لمنع الزوار من الوصول إلى قبر الحسين (ع) وذلك ؛ لأن الزائر مجرد أن يصل إلى الضريح المقدس فانه يستلهم منه الحماس الثوري وتتعبأ نفسه بالرفض لكل الطواغيت, فالحسين (ع) ثورة في قبره ؛ ولهذا امتدت الأيدي الأثيمة لهدم قبره عدة مرات, وحرثت, أرضه, وأُجري عليها الماء كما عمل هارون العباسي, فقد أمر بهدم القبر المطهر, وكرب موضعه, وقص شجرة السدر( التي كانت بجوار القبر من جذورها, ومنع من إقامة المأتم والمناحات سواء على القبر, أو في دور الشيعة . ففي رواية يحيى بن المغيرة الرازي ، كما يرويها الشيخ الطوسي في أماليه قال: (كنت عند جرير بن عبد الحميد إذ جاءه رجل من أهل العراق فسأله جرير عن خبر الناس, فقال : تركت الرشيد, وقد كرب قبر الحسين (ع)، وأمر أن تُقطع السدرة التي فيه ، فقُطِعتْ قال : فرفع جرير يده, وقال : الله أكبر جاءنا فيه حديث عن رسول الله (ص) أنه قال: (لعن الله قاطع السدرة ثلاثاً فلم نقف على معناه حتى الآن ، لأن القصد بقطعه تغيير مصرع الحسين (ع) حتى لا يقف الناس على قبره)
( وفي سنة 236 أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي (ع) وهدَّم ما حوله من المنازل والدور, وأن يُبذر, ويسقى موضعه, وأن يمنع الناس من إتيانه فنادى [ عامل صاحب الشرطة ] بالناس في تلك الناحية :من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة, حبسناه بالمُطبْق ! فهرب الناس, وتركوا زيارته, وحُرِثَ وزُرِع ) وقد تم هدم قبر الحسين (ع) بأمر المتوكل بأيدٍ يهودية حيث (بعث برجل من أصحابه - يقال لـه الديزج, وكان يهودياً فأسلم - إلى قبر الحسين (ع), وأمر بكرب قبره, ومحوه, واخراب كل ما حوله فمضى لذلك وخرب ما حوله, وهدم البناء, وكرب ما حوله نحو ما أتي جريب, فلما بلغ إلى قبره لم يتقدم إليه أحد, فأحضر قوماً من اليهود (لعنهم الله) وأجرى الماء حوله ووكل به مسالح بين كل مسلحتين ميل, لا يزوره زائر إلا أخذوه ووجهوا به إليه) ورغم ذلك فقد ارتفعت قبة الحسين (ع) عالية بعد فترة قصيرة من الزمان .
(وفي سنة 1216 هـ. هجم الوهابيون بقيادة سعود بن عبد العزيز بأمر أبيه على مدينة كربلاء المشرفة وباغتوها صبيحة يوم الغدير على حين غفلة من أهلها فأباحوا القتل فيها سبع ساعات من النهار, وقتلوا سبعة آلاف من أهلها ,وهتكوا حرمة القبر الشريف حيث داست أقدامهم القذرة أرض كربلاء المقدسة بجيش قوامه إثنى عشر ألف مقاتل)
والى اليوم فهو هدف لهجوم الظالمين كان آخرها رميه بالمدافع الثقيلة من قبل الأوباش البعثين سنة 1991م - 1411 هـ.ق ... فلله درك يا أبا عبد الله تُفَجر الثورات وترعب الظالمين, وأنت راقد في ضريحك المقدس الذي يستلهم منه الثوار دروس العزة والأباء والتضحية والفداء ... إلى يوم القيامة .
وأما الظاهرة الثانية وهي ظاهرة والانشداد والتفاعل الوجداني مع ذكرى الحسين وتجددها على مر العصور وازديادها رغم بذل الجهود المضادة ؛ لإيقاف تيارها الجارف؛ فإننا لا نعرف حدثاً استقطب مشاعر الناس, واستحوذ على العقول والقلوب وسيطر عليها كثورة الطف (ونلاحظ إن ثورة الحسين (ع) من بين جميع الثورات في تاريخ الإسلام الحافل بالثورات هي الثورة الوحيدة التي لا تزال ذكراها حيَّة غضة في حاضر المسلمين كما كانت كذلك في ماضيهم, وهي الوحيدة بين الثورات ,الثورة التي دخلت في أعماق الوجدان الشعبي فأغنته وأغنت به : أغنته بشعاراتها وأفكارها وأخلاقياتها وأهدافها النبيلة, وأغنت بتطلعاته, ومطامحه عبر العصور, وما ذلك إلا لأنها (أم الثورات) في تاريخ الإسلام)
والسر في هذا الإنشداد والتواصل المستمر مع مأتم عزاء الحسين في جميع الظروف يرجع إلى سببين:
الأول : مشيئة الله تعالى : فمن الحقائق التي لا يرقى إليها الشك : إن الله تعالى يجعل للصالحين في قلوب عباده المؤمنين الود والحب, وقد صرح القرآن بذلك, يقول تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً)) (مريم:96)
(وقد سأل علي (ع) النبي عن معنى الآية, فقال (ص): المحبة في قـلوب المؤمنين والملائكة المقربين, يا علي إن الله أعطى المؤمن ثلاثاً المقة, والمحبة, والحلاوة, والمهابة في صدور الصالحين)
(ونحن نفهم إن إنشداد المؤمنين ليوم عاشوراء هو تعبير عن هذا الود للحسين (ع) فإن لقلوب المؤمنين جاذبة تجذبها إليهم, ولها دافعه تُنَفرُها من الطالحين؛ ولهذا نرى أن قلوب الصالحين تنجذب لأمثالها).
(والحب الذي جعله الله في قلوب المؤمنين للحسين (ع) والذي وصفه الحديث الشريف بالدوام والاستمرار والحرارة التي لا تبرد لا يمكن تفسيره تفسيراً علمياً تحليلياً وإنما هي مشيئة الله تعالى التي شدت عواطف الناس ووجدانهم بالحسين (ع) إلى يوم القيامة وهذا لا يمكن أن يكون عفوياً ومن دون إعداد الهي) مسبق, ومن هنا جاء التأكيد على حب الحسين (ع) على لسان النبي (ص) كما روى ذلك السنة والشيعة وبألفاظ مختلفة, فهو ثمرة قلب رسول الله (ص) وهو أحب أهل الأرض إلى أهل السماء, وكان (ص) يقبله, ويقول: (اللهم إن هذا ابني فأحبه, وأحب من يحبه), ويقول له ولأخيه: (اللهم إني احبهما فأحبهما), وفي حديث آخر: (اللهم إني أُحبهما وأُحب من يحبهما)
وهكذا يتبين أن حب الحسين (ع) أمر الهي ليس في قلوب المؤمنين لـه فقط, بل حتى في قلوب بعض خصومه, ومناوئيه كما جاء في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص.
والعامل الثاني : إن أحداث عاشوراء بما تملك من قوة, وصمود, وتحدّي بطولي لا نظير لـه في التاريخ اجتذبت القلوب والعقول, وقد وجد الناس فيها المثل الأعلى في السير والسلوك والكدح إلى الله تعالى وباختصار:
1 - إن الناس في سيرهم إلى الله يحتاجون إلى مثال يقتدون به ... ونحن غالباً ما نكتفي بالطرح النظري التجريدي, وهذا وحده لا يكفي, ولا يشبع نهم الإنسان, ولا يصلح أن يكون قدوة ونموذجاً ؛ لأن الإنسان يحتاج إلى مثال وأسوة, وقدوة يهتدي بهداها ؛ تجسد المفاهيم النظرية إلى واقع عملي متحرك, وقد وجد الناس هذا المثال في الحسين (ع) . 2 - إن الحسين (ع) من خلال تجسيده للإسلام قولاً وفعلاً في تضحيته وفدائه وصبره وشجاعته أصبح مقياساً وميزاناً يقاس به أصحاب الحق, والعدل, والتحرر ويميز الصادق من الكاذب والعادل من الظالم, والمخلص من المرائي . والإنسان لكي يُقَيِّم حركته وسلوكه لا بد لـه من مقياس, وقد وجدوا هذا المقياس في الحسين.
3 - إن الحياة الدنيا بكل مراحلها امتحان وابتلاء لا تستقر على حال, والإنسان لأجل تجاوز هذه الامتحانات لابد لـه من مثال ومعلم ينير لـه الطريق عملياً, وليس هناك معلماً يُهَونُ كل الرزايا والمصائب, ويسـهل الصعاب والعقبات كمصيبة الحسين (ع) والإنسان عندما يتأمل في مصائب عاشوراء ينسى كل مصائبه.
أنست رزيتكم رزايانا التي سلفت * وهونت الرزايا الآتية
والحسين (ع) عَلَّم الإنسانية الرحمة حتى بأعدائه الذين شهروا السلاح بوجهه كما تقدم في سقيه للجيش الحر .
هذه هي أخلاقية الحسين (ع) مع أعدائه الذين جاءوا ؛ ليحاصروه, أو يأسروه وكان بإمكانه أن يمنع عنهم الماء, لينهكهم العطش إلا أنه أبى إلا أن يكون رحمة الله المتجسدة في شخصيته في كل موقف وقفه؛ ولهذا يخاطبه أحد الشعراء :
سقيت عداك الماء منك تحنناً * بأرض فلاة حيث لا يوجد ماء
فكيف إذا تلقى محبيك في غدٍ * عطشاً من الأجداث في دهشة جاؤوا
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com