موقع الصراط ... الموضوع : المرسِل-2
 
الأربعاء - 11 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المرسِل-2  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 2 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  الاستدلال العِلميّ لإثبات الله تعالى‏:
عرفنا سابقاً أنّ الدليل العلميّ لإثبات الصانع تعالى يتّخذ منهج الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات.
ونريد قبل أن نبدأ باستعراض هذا الدليل أن نشرح هذا المنهج، وبعد ذلك نقيّمه؛ لكي نتعرّف على مدى إمكان الوثوق بهذا المنهج والاعتماد عليه في اكتشاف الحقائق والتعرّف على الأشياء.
ومنهج الدليل الاستقرائيّ القائم على حساب الاحتمالات له صيغ معقّدة وبدرجة عالية من الدقّة، وتقييمه الشامل الدقيق يتمّ من خلال دراسة تحليلية كاملة للُاسس المنطقية للاستقراء ونظرية الاحتمال. ونحن نحرص هنا على تفادي الصعوبات والابتعاد عن أيّ صيغ معقّدة أو تحليل عسير الفهم.
ولهذا سنقوم فيما يلي بأمرين:
1- تحديد المنهج الذي سنتّبعه في الاستدلال، وتوضيح خطواته بصورة مبسّطة وموجزة.
2- تقييم هذا المنهج وتحديد مدى إمكان الوثوق به، لا عن طريق تحليله منطقياً واكتشاف الاسس المنطقية والرياضية التي يقوم عليها؛ لأنّ هذا يضطرّنا إلى الدخول في أشياء معقّدة وأفكار على جانب كبير من الدقّة، بل نقيّم المنهج الذي سنتّبعه في الاستدلال على الصانع الحكيم في ضوء تطبيقاته الاخرى العملية المعترف بها عموماً لكلّ إنسان سوي، فنوضّح أنّ المنهج الذي يعتمده الدليل على‏ وجود الصانع الحكيم هو نفس المنهج الذي نعتمده في استدلالاتنا التي نثق بها كلّ الثقة في حياتنا اليومية الاعتيادية، أو في البحوث العلمية التجريبية على السواء.
إنّ ما يأتي سيوضّح بدرجة كافية أنّ منهج الاستدلال على وجود الصانع الحكيم هو المنهج الذي نستخدمه عادةً لإثبات حقائق الحياة اليومية والحقائق العلمية، فما دمنا نثق به لإثبات هذه الحقائق فمن الضروريّ أن نثق به بصورة مماثلة لإثبات الصانع الحكيم الذي هو أساس تلك الحقائق جميعاً.
فأنت في حياتك الاعتيادية حين تتسلّم رسالةً بالبريد فتتعرّف بمجرّد قراءتها على أ نّها من أخيك، وحين تجد أنّ طبيباً نجح في علاج حالاتٍ مرضيةٍ كثيرةٍ فتثق به وتتعرّف على أ نّه طبيب حاذق، وحين تستعمل إبرة (بنسلين) في عشر حالات مرضية وتصابُ فورَ استعمالها في كلّ مرّة بأعراض معيّنة متشابهة فتستنتج من ذلك أنّ في جسمك حسّاسيةً خاصّةً تجاه مادة (البنسلين). أنت في كلّ هذه الاستدلالات وأشباهها تستعمل في الحقيقة منهج الدليل الاستقرائيّ القائم على حساب الاحتمالات.
والعالِم الطبيعي في بحثه العلمي حينما لاحظ خصائص معيّنةً في المجموعة الشمسية فيتعرّف في ضوئها على أ نّها كانت أجزاءً من الشمس وانفصلت عنها، وحينما استدلّ على وجود نبتون- أحد أعضاء هذه المجموعة- واستخلص ذلك من ضبط مسارات حركات الكواكب قبل أن يكتشف نبتون بالحسّ، وحينما استدلّ في ضوء ظواهر معيّنة على وجود الألكترون قبل التوصّل إلى المجهر الذرّي، إنّ العالِم الطبيعي في كلّ هذه الحالات ونظائرها يستعمل في الحقيقة منهج الدليل الاستقرائيّ القائم على حساب الاحتمالات.
وهذا المنهج نفسه هو منهج الدليل الذي نجده فيما يأتي لإثبات الصانع الحكيم، وهذا ما سنراه بكلّ وضوحٍ عند استعراض ذلك الدليل.
1- تحديد المنهج وخطواته:
إنّ منهج الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات يمكن تلخيصه- إذا توخّينا البساطة والوضوح- في الخطوات الخمس التالية:
أوّلاً: نواجه في مجال الحسّ والتجربة ظواهر عديدة.
ثانياً: ننتقل بعد ملاحظتها وتجميعها إلى مرحلة تفسيرها، والمطلوب في هذه المرحلة أن نجد فرضيةً صالحةً لتفسير تلك الظواهر وتبريرها جميعاً، ونقصد بكونها صالحة لتفسير تلك الظواهر أ نّها إذا كانت ثابتةً في الواقع فهي تستبطن أو تتناسب مع وجود جميع تلك الظواهر التي هي موجودة فعلاً.
ثالثاً: نلاحظ أنّ هذه الفرضية إذا لم تكن صحيحةً وثابتةً في الواقع ففرصة تواجد تلك الظواهر كلّها مجتمعةً ضئيلةٌ جدّاً، بمعنى أ نّه على افتراض عدم صحة الفرضية تكون نسبة احتمال وجودها جميعاً إلى احتمال عدمها أو عدم واحد منها على الأقلّ ضئيلةً جدّاً، كواحد في المئة، أو واحد في الألف، وهكذا ...
رابعاً: نستخلص من ذلك أنّ الفرضية صادقة، ويكون دليلنا على صدقها وجود تلك الظواهر التي أحسسنا بوجودها في الخطوة الاولى.
خامساً: إنّ درجة إثبات تلك الظواهر للفرضية المطروحة في الخطوة الثانية تتناسب عكسياً مع نسبة احتمال وجود تلك الظواهر جميعاً إلى احتمال عدمها على افتراض كذب الفرضية، فكلّما كانت هذه النسبة أقلّ كانت درجة الإثبات أكبر، حتّى تبلغ في حالات اعتيادية كثيرة إلى درجة اليقين الكامل بصحة الفرضية.
وفي الحقيقة هناك مقاييس وضوابط دقيقة لقيمة الاحتمال تقوم على أساس نظرية الاحتمال. وفي الحالات الاعتيادية يطبّق الإنسان بصورة فطرية تلك المقاييس والضوابط، تطبيقاً قريباً من الصواب بدرجةٍ كبيرة، ولهذا سنكتفي هنا بالاعتماد على التقييم الفطري لقيمة الاحتمال، دون أن ندخل في تفاصيل معقّدةٍ عن الاسس المنطقية والرياضية لهذا التقييم‏.
هذه هي الخطوات التي نتّبعها عادةً في كلّ استدلال استقرائي يقوم على أساس حساب الاحتمال، سواء في مجال الحياة الاعتيادية، أو على صعيد البحث العلمي، أو في مجال الاستدلال المقبل على الصانع الحكيم سبحانه وتعالى.
2- تقييم المنهج:
ولنقيّم هذا المنهج من خلال التطبيقات والأمثلة كما وعدنا سابقاً، وسنبدأ بالأمثلة من الحياة الاعتيادية أوّلاً.
قلنا آنفاً: إنّك حين تتسلّم رسالةً بالبريد وتقرأها فتتعرّف على أ نّها من أخيك، لا من شخصٍ آخر ممّن يرغب في مواصلتك ومراسلتك، تمارس بذلك استدلالًا استقرائياً قائماً على حساب الاحتمال. ومهما كانت هذه القضية- وهي أنّ الرسالة من قبل أخيك- واضحةً في نظرك فهي في الحقيقة قضية استنتجتها بدليل استقرائي وفقاً للمنهج المتقدم.
فالخطوة الاولى تواجه فيها ظواهر عديدة، من قبيل أنّ الرسالة تحمل اسماً يتطابق مع اسم أخيك تماماً، وقد كُتبت فيها الحروف جميعاً بنفس الطريقة التي‏ يكتب بها أخوك الألف والباء والجيم والدال والراء إلى آخر الحروف، وقد نسّقت الكلمات والفوارق بينها بنفس الطريقة التي اعتادها أخوك، واسلوب التعبير ودرجة متانته وما يشتمل عليه من نقاط قوة أو ضعف يتماثل مع ما تألفه من أساليب التعبير لدى أخيك، وطريقة الإملاء وبعض الأخطاء الإملائية المتواجدة في الرسالة هي نفس الطريقة ونفس الأخطاء التي اعتادها أخوك في كتابته، والمعلومات التي تتحدّث عنها الرسالة هي معلومات يعرفها أخوك عادةً، والرسالة تطلب منك أشياء وتعلن عن آراء تتوافق تماماً مع حاجات أخيك وآرائه التي تعرفها عنه.
هذه هي الظواهر.
وفي الخطوة الثانية تتساءل: هل الرسالة قد أرسلها أخي إليّ حقّاً، أو أ نّها من شخصٍ آخر يحمل نفس الاسم؟
وهنا تجد أنّ لديك فرضيةً صالحةً لتفسير وتبرير كلّ تلك الظواهر، وهي:
أن تكون هذه الرسالة من أخيك حقّاً، فإذا كانت من أخيك فمن الطبيعيّ أن تتوافر كلّ تلك المعطيات التي لاحظتها في المرحلة الاولى‏.
وفي الخطوة الثالثة تطرح على نفسك السؤال التالي: إذا لم تكن هذه الرسالة من أخي، بل كانت من شخص آخر فما هي فرصة أن تتواجد فيها كلّ تلك المعطيات والخصائص التي لاحظتها في الخطوة الاولى؟
إنّ هذه الفرصة بحاجة إلى مجموعة كبيرة من الافتراضات؛ لأنّنا لكي نحصل على كلّ تلك المعطيات والخصائص في هذه الحالة يجب أن نفترض أنّ شخصاً آخر يحمل نفس الاسم، ويشابه أخاك تماماً في طريقة رسم كلّ الحروف من الألف والباء والجيم والدال وغيرها، وتنسيق الكلمات، ويشابهه أيضاً في اسلوب التعبير، وفي مستوى الثقافة اللغوية والإملائية، وفي عدد من المعلومات‏ والحاجات، وفي كثير من الظروف والملابسات. وهذه مجموعة من الصدف يعتبر احتمال وجودها جميعاً ضئيلًا جدّاً، وكلّما ازداد عدد هذه الصدف التي لابدّ من افتراضها، تضاءل الاحتمال أكثر فأكثر.
والاسس المنطقية للاستقراء تُعلمنا كيف نقيس الاحتمال؟ وتفسّر لنا كيف يتضاءل هذا الاحتمال؟ ولماذا يتضاءل تبعاً لازدياد عدد الصدف التي يفترضها؟
ولكن ليس من الضروري أن ندخل في تفاصيل ذلك؛ لأنّها معقّدة وصعبة الفهم على القارئ الاعتيادي.
ومن حسن الحظّ أنّ ضآلة الاحتمال لا تتوقّف على فهم تلك التفاصيل، كما لا يتوقّف سقوط الإنسان من أعلى إلى الأرض على فهمه لقوة الجذب واطّلاعه على المعادلة العلمية لقانون الجاذبية، فلستَ بحاجةٍ إلى شي‏ءٍ لكي تحسّ بأنّ احتمال أن يتواجد شخص يشابه أخاك في كلّ تلك الظروف والحالات بعيد جدّاً، وليس البنك بحاجةٍ إلى استيعاب الاسس المنطقية للاستقراء لكي يعرف أنّ درجة احتمال أن يسحب كلّ زبائنه ودائعهم في وقت واحد ضئيل جدّاً، بينما احتمال أن يسحب واحد أو اثنان ليس كذلك.
وفي الخطوة الرابعة تقول: ما دام تواجد كلّ هذه الظواهر في الرسالة أمراً غير محتمل إلّابدرجة ضئيلة جدّاً، على افتراض أنّ الرسالة ليست من أخيك، فمن المرجّح بدرجةٍ كبيرة بحكم تواجد هذه الظواهر فعلاً أن تكون الرسالة من أخيك.
وفي الخطوة الخامسة تربط بين الترجيح الذي قرّرته في الخطوة الرابعة- ومؤدّاه أنّ الرسالة قد ارسلت من أخيك- وبين ضآلة الاحتمال التي قرّرتها في الخطوة الثالثة، وهي ضآلة احتمال أن تتواجد كلّ تلك الظواهر في الرسالة بدون أن تكون من أخيك، ويعني الربط بين هاتين الخطوتين أنّ درجة ذلك الترجيح‏ تتناسب عكسياً مع ضآلة هذا الاحتمال، فكلّما كان هذا الاحتمال أقلّ درجةً كان ذلك الترجيح أكبر قيمةً وأقوى إقناعاً. وإذا لم تكن هناك قرائن عكسية تنفي أن تكون الرسالة من أخيك فسوف تنتهي من هذه الخطوات الخمس إلى القناعة الكاملة بأنّ الرسالة من أخيك.
هذا مثال من الحياة اليومية لكلّ إنسان.
ولنأخذ مثالاً آخر للمنهج من طرائق العلماء في الاستدلال على النظرية العلمية وإثباتها.
وليكن هذا المثال نظرية نشوء الكواكب السيّارة، ونصّها: أنّ الكواكب السيّارة التسع أصلها من الشمس، حيث انفصلت عنها كقطع ملتهبة قبل ملايين السنين، والعلماء يتّفقون على العموم في أصل النظرية، ويختلفون في سبب انفصال تلك القِطَع عن الشمس.
والاستدلال على أصل النظرية التي يتّفقون عليها يتمّ ضمن الخطوات التالية:
الخطوة الاولى: لاحظ فيها العلماء عدّة ظواهر أدركوها بوسائل الحسّ والتجربة:
منها: أنّ حركة الأرض حول الشمس منسجمة مع حركة الشمس حول نفسها، كلّ منها من غربٍ لشرق.
ومنها: أنّ دوران الأرض حول نفسها متوافق مع دوران الشمس حول نفسها، أي من غربٍ لشرق.
ومنها: أنّ الأرض تدور حول الشمس في مدار يوازي خطّ استواء الشمس بحيث تكون الشمس كقطب والأرض نقطةً واقعةً على الرحى‏.
ومنها: أنّ نفس العناصر التي تتأ لّف منها الأرض موجودة في الشمس‏ تقريباً.
ومنها: أنّ هناك توافقاً بين نسب العناصر من ناحية الكمّ بين الشمس والأرض، فالهيدروجين مثلًا هو العنصر السائد فيهما معاً.
ومنها: أنّ هناك انسجاماً بين سرعة دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها وبين سرعة دوران الشمس حول نفسها.
ومنها: أنّ هناك انسجاماً بين عمرَي الأرض والشمس حسب تقدير العلم لعمر كلّ منهما.
ومنها: أنّ باطن الأرض ساخن، وهذا يثبت أنّ الأرض في بداية نشوئها كانت حارّةً جدّاً.
هذه بعض الظواهر التي لاحظها العلماء في الخطوة الاولى بوسائل الحسّ والتجربة.
الخطوة الثانية: وجد العلماء أنّ هناك فرضيةً يمكن أن تفسّر بها كلّ تلك الظواهر التي لوحظت في الخطوة الاولى، بمعنى: أ نّها إذا كانت ثابتةً في الواقع فهي تستبطن هذه الظواهر جميعاً وتبرّرها، وهذه الفرضية هي: أنّ الأرض كانت جزءاً من الشمس، وانفصلت عنها لسبب من الأسباب، فإنّه على هذا التقدير يُتاح لنا أن نفسّر على أساس تلك الظواهر المتقدمة.
أمّا الظاهرة الاولى وهي أنّ حركة الأرض حول الشمس منسجمة مع حركة الشمس حول نفسها؛ لأنّ كلّاً منهما من غرب لشرق، فلأنّ سبب هذا التوافق في الحركة يصبح واضحاً على تقدير صحة تلك الفرضية؛ لأنّ أيّ جسم يدور إذا انفصلت منه قطعة وبقيت منشدّةً إليه بخيط أو غيره، فإنّها تدور بنفس اتّجاه الأصل بمقتضى قانون الاستمرارية.
وأمّا الظاهرة الثانية، وهي أنّ دوران الأرض حول نفسها متوافق مع دوران‏ الشمس حول نفسها، أي من غرب لشرق، فالفرضية المذكورة تكفي لتفسيرها أيضاً؛ لأنّ الجسم المنفصل من جسم يدور من غرب لشرق يأخذ نفس حركته بمقتضى قانون الاستمرارية.
وكذلك الأمر في الظاهرة الثالثة أيضاً.
وأمّا الظاهرة الرابعة والخامسة اللتان تعبّران عن توافق الأرض والشمس في العناصر وفي نسبها، فهما مفهومتان بوضوحٍ على أساس أنّ الأرض جزء من الشمس؛ لأنّ عناصر الجزء نفس عناصر الكلّ.
وأمّا الظاهرة السادسة، وهي الانسجام بين سرعة دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها وبين سرعة دوران الشمس حول نفسها، فقد عرفنا أنّ فرضية انفصال الأرض من الشمس تعني أنّ حركتي الأرض ناشئتان من حركة الشمس، وهذا يفسّر لنا الانسجام المذكور ويحدّد سببه.
وأما الظاهرة السابعة، وهي الانسجام بين عمرَي الأرض والشمس، فمن الواضح تفسيرها على أساس نظرية الانفصال، وكذلك الأمر في الظاهرة الثامنة التي يبدو منها أنّ الأرض في بداية نشوئها كانت حارّةً جدّاً، فإنّ فرضية انفصالها عن الشمس تستبطن ذلك.
الخطوة الثالثة: يلاحظ أ نّه على افتراض أنّ نظرية انفصال الأرض عن الشمس ليست صحيحةً، فمن البعيد أن تتواجد كلّ تلك الظواهر وتتجمّع؛ لأنّها تكون مجموعةً من الصدف التي ليس بينها ترابط مفهوم، فاحتمال تواجدها جميعاً على تقدير عدم صحة النظرية المذكورة ضئيل جدّاً؛ لأنّ هذا الاحتمال يتطلّب منّا مجموعةً كبيرةً من الافتراضات لكي نفسّر تلك الظواهر جميعاً.
فبالنسبة إلى انسجام حركة الأرض حول الشمس مع حركة الشمس حول نفسها في أ نّها من غرب لشرق، لابدّ أن نفترض أنّ الأرض كانت جرماً بعيداً عن‏ الشمس، سواء خلقت وحدها أو كانت جزءً من شمسٍ اخرى انفصلت عنها ثمّ اقتربت من الشمس. ونفترض أيضاً أنّ الأرض المنطلقة حينما دخلت في مدارها حول الشمس دخلت في نقطة تقع في غرب الشمس، فتدور حينئذ من غرب لشرق، أي مع اتّجاه حركة الشمس حول نفسها، إذ لو كانت قد دخلت في مدار الشمس في نقطة تقع في شرق الشمس لكانت تدور من شرق لغرب.
وبالنسبة إلى التوافق بين حركة الأرض حول نفسها ودوران الشمس حول نفسها في الاتّجاه من غرب لشرق، نفترض مثلًا أنّ الشمس الاخرى التي انفصلت عنها الأرض افتراضاً كانت تدور من غرب لشرق.
وبالنسبة إلى دوران الأرض حول الشمس في مدارٍ يوازي خطّ استواء الشمس، نفترض مثلًا أنّ الشمس الاخرى التي انفصلت عنها الأرض كانت واقعةً في نقطة عمودية على خطّ الاستواء للشمس.
وبالنسبة إلى توافق الأرض والشمس في العناصر وفي نسبها، لابدّ أن نفترض أنّ الأرض أو الشمس الاخرى التي انفصلت عنها الأرض قد كانت تشتمل على نفس عناصر هذه الشمس وبنسب متشابهة.
وبالنسبة إلى الانسجام بين سرعة دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها وبين سرعة دوران الشمس حول نفسها، نفترض مثلًا أنّ الشمس الاخرى التي انفصلت عنها الأرض انفجرت بنحوٍ أعطت للأرض المنفصلة نفس السرعة التي تتناسب مع حركة شمسنا.
وبالنسبة إلى الانسجام بين عمرَي الأرض والشمس وحرارة الأرض في بداية نشوئها، نفترض مثلًا أنّ الأرض كانت قد انفصلت عن شمس اخرى لها نفس عمر شمسنا، وأ نّها انفصلت على نحوٍ أدّى إلى حرارتها بدرجة كبيرة جدّاً.
وهكذا نلاحظ أنّ تواجد جميع تلك الظواهر على تقدير عدم صحة فرضية الانفصال يحتاج إلى افتراض مجموعة من الصدف التي يعتبر احتمال وجودها جميعاً ضئيلًا جدّاً، بينما فرضية الانفصال وحدها كافية لتفسير كلّ تلك الظواهر والربط بينها.
وفي الخطوة الرابعة نقول: ما دام تواجد كلّ هذ الظواهر الملحوظة في الأرض أمراً غير محتمل إلّابدرجة ضئيلة جدّاً، على افتراض أنّ الأرض ليست منفصلةً عن هذه الشمس، فمن المرجّح بدرجة كبيرة بحكم تواجد هذه الظواهر فعلاً، أن تكون الأرض منفصلةً عن الشمس.
وفي الخطوة الخامسة نربط بين ترجيح فرضية انفصال الأرض عن هذه الشمس- كما تقرّر في الخطوة الرابعة- وبين ضآلة احتمال أن تتواجد كلّ تلك الظواهر في الأرض بدون أن تكون منفصلةً عن هذه الشمس، كما تقرّر في الخطوة الثالثة، ويعني الربط بين هاتين الخطوتين: أ نّه كلّما كانت ضآلة الاحتمال الموضّحة في الخطوة الثالثة أشدّ كان الترجيح الموضّح في الخطوة الرابعة أكبر.
وعلى هذا الأساس نستدلّ على نظرية انفصال الأرض والشمس، وبهذا المنهج حصل العلماء على قناعة كاملة بذلك.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com