موقع الصراط ... الموضوع : المرسِل-3
 
السبت - 26 / ذي القعدة / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المرسِل-3  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 4 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  كيف نطبّق المنهج لإثبات الصانع؟
بعد أن عرفنا المنهج العامّ للدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات، وبعد أن قيّمنا هذا المنهج من خلال تطبيقاته المتقدمة، نمارس تطبيقه الآن على الاستدلال لإثبات الصانع الحكيم، وذلك باتّباع نفس الخطوات السابقة:
الخطوة الاولى:
نلاحظ توافقاً مطّرداً بين عدد كبير وهائل من الظواهر المنتظمة وبين حاجة الإنسان ككائن حيّ وتيسير الحياة له، على نحوٍ نجد أنّ أيّ بديل لظاهرة من تلك الظواهر يعني انطفاء حياة الإنسان على الأرض أو شلّها.
وفيما يلي نذكر عدداً من تلك الظواهر كأمثلة:
تتلقّى الأرض من الشمس كمّيةً من الحرارة تمدّها بالدف‏ء الكافي لنشوء الحياة وإشباع حاجة الكائن الحيّ إلى الحرارة، لا أكثر ولا أقلّ. وقد لوحظ علمياً أنّ المسافة التي تفصل بين الأرض والشمس تتوافق توافقاً كاملًا مع كمّية الحرارة المطلوبة من أجل الحياة على هذه الأرض، فلو كانت ضعف ما عليها الآن لَما وجدت حرارة بالشكل الذي يتيح الحياة، ولو كانت نصف ما عليها الآن لتضاعفت الحرارة إلى الدرجة التي لا تطيقها حياة.
ونلاحظ أنّ قشرة الأرض والمحيطات تحتجز- على شكل مركّبات- الجزء الأعظم من الأوكسجين، حتّى إنّه يكوّن ثمانيةً من عشرة من جميع المياه في العالم، وعلى الرغم من ذلك ومن شدّة تجاوب الأوكسجين من الناحية الكيمياوية للاندماج على هذا النحو، فقد ظلّ جزء محدود منه طليقاً يساهم في تكوين الهواء، وهذا الجزء يحقّق شرطاً ضرورياً من شروط الحياة؛ لأنّ الكائنات الحيّة من إنسان وحيوان بحاجة ضرورية إلى أوكسجين لكي تتنفّس، ولو قُدّر له أن يُحتجز كلّه ضمن مركّبات لَما أمكن للحياة أن توجد.
وقد لوحظ أنّ نسبة ما هو طليق من هذا العنصر تتطابق تماماً مع حاجة الإنسان وتيسير حياته العملية، فالهواء يشتمل على 21% من الأوكسجين، ولو كان يشتمل على نسبة كبيرة لتعرّضت البيئة إلى حرائق شاملة باستمرار، ولو كان يشتمل على نسبة صغيرة لتعذّرت الحياة أو أصبحت صعبة، ولَما توفّرت النار بالدرجة الكافية لتيسير مهماتها.
ونلاحظ ظاهرةً طبيعيةً تتكرّر باستمرار ملايين المرّات على مرّ الزمن تنتج‏ الحفاظ على قدر معيّن من الأوكسجين باستمرار، وهي أنّ الإنسان والحيوان عموماً حينما يتنفّس الهواء ويستنشق الأوكسجين يتلقّاه الدم ويوزّع في جميع أرجاء الجسم، ويباشر هذا الأوكسجين في حرق الطعام، وبهذا يتولّد ثاني أوكسيد الكربون الذي يتسلّل إلى الرئتين ثمّ يلفظه الإنسان، وبهذا ينتج الإنسان وغيره من الحيوانات هذا الغاز باستمرار، وهذا الغاز بنفسه شرط ضروريّ لحياة كلّ نبات، والنبات بدوره حين يستمدّ ثاني أوكسيد الكربون يفصل الأوكسجين منه ويلفظه ليعود نقياً صالحاً للاستنشاق من جديد.
وبهذا التبادل بين الحيوان والنبات أمكن الاحتفاظ بكمّية من الأوكسجين، ولولا ذلك لتعذّر هذا العنصر وتعذّرت الحياة على الإنسان نهائياً إنّ هذا التبادل نتيجة آلاف من الظواهر الطبيعية التي تجمّعت حتى أنتجت هذه الظاهرة التي تتوافق بصورة كاملة مع متطلّبات الحياة.
ونلاحظ أنّ النتروجين بوصفه غازاً ثقيلًا أقرب إلى الجمود يقوم عند انضمامه إلى الأوكسجين في الهواء بتخفيفه بالصورة المطلوبة للاستفادة منه.
ويلاحظ هنا أنّ كمّية الأوكسجين التي ظلّت طليقةً في الفضاء، وكمّية النتروجين التي ظلّت كذلك منسجمتان تماماً، بمعنى أنّ الكمّية الاولى هي التي يمكن للكمّية الثانية أن تخففها، فلو زاد الأوكسجين أو قلّ النتروجين لَما تمّت عملية التخفيف المطلوبة.
ونلاحظ أنّ الهواء كمّية محدودة في الأرض قد لا يزيد على جزء من مليون من كتلة الكرة الأرضية، وهذه الكمّية بالضبط تتوافق مع تيسير الحياة للإنسان على الأرض، فلو زادت نسبة الهواء على ذلك أو قلّت لتعذّرت الحياة أو تعسّرت، فإنّ زيادتها تعني ازدياد ضغط الهواء على الإنسان الذي قد يصل إلى ما لا يُطاق، وقلّتها تعني فسح المجال للشهب التي تتراءى في كلّ يوم لإهلاك‏ من على الأرض واختراقها بسهولة.
ونلاحظ أنّ قشرة الأرض التي كانت تمتصّ ثاني أوكسيد الكربون والأوكسجين محدّدة على نحوٍ لا يتيح لها أن تمتصّ كلّ هذا الغاز، ولو كانت أكثر سمكاً لامتصّته، ولهلك النبات والحيوان والإنسان.
ونلاحظ أنّ القمر يبعد عن الأرض مسافةً محدّدةً، وهي تتوافق تماماً مع‏ تيسير الحياة العملية للإنسان على الأرض، ولو كان يبعد عنّا مسافةً قصيرةً نسبياً لتضاعف المدّ الذي يحدثه وأصبح من القوة على نحوٍ يزيح الجبال من مواضعها.
ونلاحظ وجود غرائز كثيرة في الكائنات الحيّة المتنوّعة، ولئن كانت الغريزة مفهوماً غيبياً لا يقبل الملاحظة والإحساس المباشر فما تعبّر عنه تلك الغرائز من سلوك ليس غيبياً، بل يعتبر ظاهرةً قابلةً للملاحظة العلمية تماماً. وهذا السلوك الغريزيّ- في آلاف الغرائز التي تعرّف عليها الإنسان في حياته الاعتيادية أو في بحوثه العلمية- يتوافق باستمرار مع تيسير الحياة وحمايتها، وأ نّه يبلغ أحياناً إلى درجة كبيرة من التعقيد والإتقان، وحينما نقسّم ذلك السلوك إلى وحدات نجد أنّ كلّ وحدة قد وضعت في الموضع المنسجم تماماً مع مهمّة تيسير الحياة وحمايتها.
والتركيب الفسلجي للإنسان يمثّل ملايين من الظواهر الطبيعية والفسلجية، وكلّ ظاهرة في تكوينها ودورها الفيسيولوجيّ وترابطها مع سائر الظواهر تتوافق باستمرار مع مهمّة تيسير الحياة وحمايتها.
فمثلاً: نأخذ مجموعة الظواهر التي ترابطت على نحوٍ يتوافق تماماً مع مهمّة الإبصار وتيسير الإحساس بالأشياء بالصورة المفيدة. إنّ عدسة العين تلقي صورة على الشبكية التي تتكوّن من تسع طبقات، وتحتوي الطبقة الأخيرة منها على ملايين الأعواد والمخروطات، قد رتّبت جميعاً في تسلسل يتوافق مع أداء مهمّة الإبصار، من حيث علاقات بعضها بالبعض الآخر وعلاقاتها جميعاً بالعدسة، إذا استثنينا شيئاً واحداً وهو: أنّ الصورة تنعكس عليها مقلوبة، غير أ نّه استثناء مؤقّت؛ فإنّ الإبصار لم يربط بهذه المرحلة لكي نحسّ بالأشياء وهي مقلوبة، بل اعيد تنظيم الصورة في ملايين اخرى من خويطات الأعصاب المؤدّية إلى المخّ حتّى أخذت وضعها الطبيعي، وعند ذلك فقط تتمّ عملية الإبصار، وتكون عندئذ متوافقةً بصورة كاملة مع تيسير الحياة.
حتّى الجمال والعطر والبهاء كظواهر طبيعية نجد أ نّها تتواجد في المواطن التي يتوافق تواجدها فيها مع مهمّة تيسير الحياة ويؤدّي دوراً في ذلك، فالأزهار التي ترك تلقيحها للحشرات لوحظ أ نّها قد زوّدت بعناصر الجمال والجذب من اللون الزاهي والعطر المغري بنحوٍ يتّفق مع جذب الحشرة إلى الزهرة وتيسير عملية التلقيح، بينما لا تتمّيز الأزهار التي يحمل الهواء لقاحها عادةً بعناصر الإغراء. وظاهرة الزوجية على العموم والتطابق الكامل بين التركيب الفسلجي للذكر والتركيب الفسلجي لُانثاه في الإنسان وأقسام الحيوان والنبات على النحو الذي يضمن التفاعل واستمرار الحياة، مظهر كوني آخر للتوافق بين الطبيعة ومهمّة تيسير الحياة ((وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)). هذه هي الخطوة الاولى.
الخطوة الثانية:
نجد أنّ هذا التوافق المستمرّ بين الظاهرة الطبيعية ومهمّة ضمان الحياة وتيسيرها في ملايين الحالات يمكن أن يفسّر في جميع هذه المواقع بفرضية واحدة، وهي أن نفترض صانعاً حكيماً لهذا الكون قد استهدف أن يوفّر في هذه الأرض عناصر الحياة ويُيسّر مهمّتها، فإنّ هذه الفرضية تستبطن كلّ هذه التوافقات.
الخطوة الثالثة:
نتساءل: إذا لم تكن فرضية الصانع الحكيم ثابتةً في الواقع فما هو مدى احتمال أن تتواجد كلّ تلك التوافقات بين الظواهر الطبيعية ومهمّة تيسير الحياة، دون أن يكون هناك هدف مقصود؟ ومن الواضح أنّ احتمال ذلك يعني افتراض مجموعة هائلة من الصُدَف، وإذا كان احتمال أن تكون الرسالة المُبْرَدَة إليك في‏ مثالٍ سابقٍ من شخصٍ آخر غير أخيك ولكنّه يشابهه في كلّ الصفات بعيداً جدّاً؛ لأنّ افتراض المشابهة في ألف صفة ضئيل بدرجة كبيرة في حساب الاحتمالات، فما ظنّك باحتمال أن تكون هذه الأرض التي نعيش عليها بكلّ ما تضمه من صنع مادة غير هادفة ولكنّها تشابه الفاعل الهادف الحكيم في ملايين ملايين الصفات؟
الخطوة الرابعة:
نرجّح بدرجة لا يشوبها الشكّ أن تكون الفرضية التي طرحناها في الخطوة الثانية صحيحةً، أي أنّ هناك صانعاً حكيماً.
الخطوة الخامسة:
نربط بين هذا الترجيح وبين ضآلة الاحتمال التي قرّرناها في الخطوة الثالثة. ولمّا كان الاحتمال في الخطوة الثالثة يزداد ضآلةً كلّما ازداد عدد الصدف التي لا بدّ من افتراضها فيه كما عرفنا سابقاً، فمن الطبيعيّ أن يكون هذا الاحتمال ضئيلًا بدرجةٍ لا تماثلها احتمالات الخطوة الثالثة في الاستدلال على أيّ قانون علمي؛ لأنّ عدد الصدف التي لابدّ من افتراضها في احتمال الخطوة الثالثة هنا أكثر من عددها في أيّ احتمال مناظر، وكلّ احتمال من هذا القبيل فمن الضروريّ أن يزول‏.
وهكذا نصل إلى النتيجة القاطعة: وهي أنّ للكون صانعاً حكيماً بدلالة كلّ ما في هذا الكون من آيات الاتّساق والتدبير:
((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا في الآفَاقِ وَفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أ نَّهُ الْحَقُّ أوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أ نَّه عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ))
((إنَّ في خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأرْضِ وَاختِلافِ اللَيْلِ وَالنَّهَارِ والفُلْكِ الَّتي تَجْري في البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأحيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَتَصْريفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ))
((فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ* ثُمّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ))
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com