موقع الصراط ... الموضوع : من أنوار سيرة المصطفى-17
 
الجمعة - 10 / جمادي الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من أنوار سيرة المصطفى-17  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 4 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  وفاة أبي طالب وخديجة:
ما أن فك الحصار عن شعب أبي طالب، حتى جاء عام الأحزان برحيل أبي طالب، وخديجة، وكان وَقْعُ هذين الحدثين على رسول الله ثقيلاً جداً، فقدْ فَقَدَ الحامي، والناصر، والمعين؛ ولذا عندما دخل رسول الله (ص) ، ورأى أبو طالب رضي الله عنه يجود بنفسه خاطبه قائلاً: (يا عم ربيت صغيراً، ونصرت كبيراً، وكفلت يتيماً، فجزاك الله عني خير الجزاء)
وانتهزت قريش رحيل أبي طالب، فأخذت تؤذي رسول الله بأقبح ما كانت تفعل، فعن هند بن أبي هالة ألأسدي ربيب رسول الله (ص) قال: (كان الله عز وجلّ مما يمنع نبيه (ص) بعمه أبي طالب، فما كان يخلص إليه من قومه أمر يسوؤه مدة حياته، فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله (ص) بغيتها، وأصابته بعظيم من الأذى حتى تركته لقًى، فقال (ص): لأسرع ما وجدنا فقدك يا عم، وصلتك رحم، فجزيت خيراً يا عم، ثم ماتت خديجة بعد أبي طالب بشهر فاجتمع بذلك على رسول الله (ص) حزنان حتى عرف ذلك فيه)
ويقول ابن إسحاق: (ثم إنَّ خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله (ص) المصائب بهُلْك خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام، يشكو إليها، وبهُلْك عمه أبي طالب، وكان له عضداً وحرزاً في أمره، ومنعةً وناصراً على قومه، وذلك قبل مُهاجره إلى المدينة بثلاث سنين. فلما هلك أبو طالب نالت قريشٌ من رسول الله (ص) من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيهٌ من سفهاء قريش، فنثر على رأسه تراباً... فلما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله (ص) ذلك التراب، دخل رسول الله (ص) بيته، والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته(فاطمة) ، فجعلت تغسل عنه التراب، وهي تبكي، ورسول الله (ص) يقول لها: لا تبكي يا بنية، فإنَّ الله مانع أباك. قال: ويقول بين ذلك: ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب)
وينقل سبط ابن الجوزي عن علي (ع) أنَّه قال: (لما توفى أبو طالب أخبرت رسول الله (ص) فبكى بكاءً شديداً، ثم قال: اذهب، فغسله، وكفنه، ووارِه غفر الله له ورحمه)
ولم ينسَ أبو طالب، وهو على فراش الموت أن يوصي قريشاً جميعاً برسول الله (ص) فقال: (لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد بن أخي، وما اتبعتم من أمره، فاتبعوه، وأعينوه، فأرشدكم)
ورغم كل هذه الحماية، والتحمل الشاق فيها، والتضحية الجبارة في مقاومة قريش يحاول أعداء أهل بيت النبوة من اللحظة الأولى أن يشيعوا أنَّ أبا طالب خرج من الدنيا، ولم يشهد الشهادتين، فوا عجبا كل العجب، كيف يُعمي التعصب عن الإقرار بالحق، ولكنَّ ابن إسحاق يحاول أن يقول الحقيقة، وينقلها مشوهة مشوبة بالشكوك، فيقول: (فلما تقارب من أبي طالب الموت، قال: نظر العباس إليه يحرك شفتيه، قال: فأصغى إليه بأذنه، قال: فقال: يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، قال: فقال رسول الله (ص): لم أسمع)
والقضية واضحة أنَّهم أضافوا كلمة (لم أسمع)؛ لينفوا إيمانه، وما هي إلا وضعٌ أموي، والأعجب من ذلك أنَّ المحققين لسيرة ابن هشام يحاولون أن يؤكدوا كفر أبي طالب تقليداً لمن سبقهم، فيعلقون في الهامش بقولهم: (شهادة العباس لأبي طالب لو أداها بعد ما أسلم لكانت مقبولة)
والذي يرد كل ذلك ما تقدم من أبي طالب من حماية، ودفاع، وقصائد من الأشعار، وتحدٍ لقريش، وتهديد لها بالقتل لزعمائها كما تقدم، ورد عنيف في واقعة سلا الناقة الذي رموه على رسول الله (ص)، وأخيراً تحمل الحصار والمقاطعة بأبشع صورها, ويختم ذلك بوصيته بالإيمان برسول الله (ص) ومتابعته؛ ولهذا كله اشتد حزن رسول الله وبكاءه لفقده، ودخل عليه، وهو في فراش الموت، (فمسح جبينه الأيمن أربع مرات وجبينه الأيسر ثلاث مرات ثم قال: يا عم ربيت صغيراً، وكفلت يتيماً، ونصرت كبيراً، فجزاك الله عني خيراً، ومشى بين يدي سريره، وجعل يعرضه، ويقول: وصلتك رحم وجزيت خيراً، وقال: اجتمعت على هذه الأمة في هذه الأيام مصيبتان لا أدري بأيهما أنا أشد جزعاً، يعني مصيبة خديجة وأبي طالب)
أبعد كل هذا يقال: أبو طالب مات على الكفر، ولا عجب من العصبية العمياء، والجاهلية الجهلاء، ولا عجب إذا كفَّروا أبا طالب، فإنَّهم فعلوا الأشنع عندما حاربوا ولده رأس الحربة في قلوبهم إلى يوم القيامة.
وأما خديجة أم المؤمنين فقد توفيت بنفس العام الذي توفى فيه أبو طالب، وأُخْتُلف بالمدة التي بينهما، فقيل: توفيت قبل وفاة أبي طالب بثلاثة أيام، وقيل بعد وفاته بشهر، وكانت وفاتها لعشر خلون من رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين.
ودخل عليها رسول الله (ص)، وهي تجود بنفسها، وقال: (بالكره مني ما أرى، ولعلَّ الله أن يجعل في الكره خيراً كثيراً)
قال حكيم بن حزام: (دفناها بالحجون، ونزل رسول الله (ص) في قبرها، ولم يكن يومئذٍ سنة الجنازة الصلاة عليها)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com