موقع الصراط ... الموضوع : كيف نتأسى بالحسين؟
 
الثلاثاء - 3 / شوال / 1438 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  كيف نتأسى بالحسين؟  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 4 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
قال تعالى : ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)) (الأحزاب:21)
التأسي مبدأ قرآني تربوي واضح وصريح في نصوص الذكر الحكيم ومعناه: الإقتداء والإتباع ، بل والإشراك بالأموال, والتضحية في النفس في الدفاع عن المُتَأسى به والأسوة : (كالقِدْوَةِ والقُدْوَةِ , وهي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسناً, وإن قبيحاً, وإن ساراً وإن ضاراً)
والتأسي في الإسلام: هو أتباع خطوات الكاملين من البشر, واتخاذهم إسوة وقدوة في صحة المنهج, وجدية الحركة, ودقة المسير, وسبيل ذلك هو تصور مواقفهم ومحاكاتها بوعي وإدراك, لصبها في قالب يناسب البيئة, والمجتمع المعاش, وجعل تلك المواقف مصابيح تنير الدرب ؛ لتجاوز العقبات المعترضة سبيل تحقيق الأهداف المرجوة ؛ ولأجل ذلك جاء النص القرآني صريحاً في التأكيد على أهمية التأسي بالرسل وخلفائهم واتباعهم كإبراهيم, وموسى, وعيسى (ع) والذين معهم يقول تعالى: ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)) (الممتحنة:4)
وقولـه تعالى: ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)) (الممتحنة:6)

لماذا التأسي ؟
الإنسان في كدحه إلى الله تعالى يواجه ضغوطاً داخلية, وأخرى خارجية تعيقه عن مواصلة المسير, ولأجل مواصلة السير بدون توقف يحتاج إلى ثلاثة أمور أساسية :
1 - إلى معلم مربي, وهادي مرشد, قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) (الجمعة:2)
ويقول تعالى: ((لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) (آل عمران:164)
2 - قيادة ربانية, وولاية إلهية تهديه إلى الله, وتُسْلِكُه الصراط المستقيم يقول تعالى: ((إنما إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)) (المائدة:55)
3 - قدوة وأسوة صافية نقية مبرأة من كل نقص وعيب ودنس ، ليس فيها أي نقطة ضعف, ولا ثغرة نقص, ولا تثير علامة استفهامٍ, بل تمثل القيم الرسالية والأخلاق الإسلامية تمثيلا ًحيا متجسداً في سلوكها, ومن الواضح أن وجود هذه القدوة بين الناس تكون مبعث اطمئنان وأمان ؛ وذلك لأن المتأسي والمقتدي لا يشعر بأنه وحده في المسير, وإنما هو حلقة من هذا الركب الرسالي الصاعد في خط الرسالة مترسماً هدى محمد, وعيسى, وموسى, وإبراهيم ... وأوصيائهم صلوات الله عليهم وسلامه, وحينئذ يشعر بأن هذا المسلك الذي اتخذه عقيدة ومنهجا في الحياة سلكه من هو خير منه وأفضل , وتحمل من أجله ما تحمل, ثم إن التأسي يقرب العبد إلى الله تعالى ويحببه إليه يقول أمير المؤمنين (ع): (فتأس بنبيك الأطيب الأطهر (ص) فإن فيه أسوة لمن تأسى وعزاء لمن تعزى, وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه والمقتص لأثره)
وليس كل إنسان قادر على التأسي بل لا بد من لوازم وأسس تقوم بها شخصية المتأسي, وهي أن يكون متلبسا بحقيقة الإيمان . يقول العلامة الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: ((لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)) (الأحزاب: 21) ( بدل من ضمير الخطاب في (لكم ) للدلالة على أن التأسي برسول الله (ص) خصلة جميلة زاكية لا يتصف بها كل من تسمّى بالإيمان, وإنما يتصف بها جمعٌ ممن تلبس بحقيقة الإيمان فكان يرجو الله واليوم الآخر أي تعلق قلبه بالله به, وتعلق قلبه باليوم الآخر فعمل صالحاً ومع ذلك ذكر الله كثيراً فكان لا يغفل عن ربه, فتأسى بالنبي في أفعاله وأعماله)
إذن التأسي ليس من الأمور السهلة الحصول لكل أحد, وإنما يحصل عند من آمن بالله تعالى إيماناً حقيقيا معمقاً مبني على أن لا مؤثر في الوجود إلا الله . والسير في نهج الأنبياء في طلب رضوان الله تعالى, والتجرد عمن سواه, وهذا لا يتأنى إلا لذي حظ عظيم ... وصعوبة الالتزام في منهج التأسي ناشئ من صعوبة تجاوز الإنسان لذاته والانتقال بها من الخلق إلى الحق ...

التأسي بالحسين(ع):
لقد اتصف الحسين (ع) بكل صفات الكمال البشري مطلقا, ففي كل حركة من حركاته, وسكناته يجسد صفات الكمال ,ويعطي دروسا في الإيمان, والعلم, والعمل, وفي سيرته عِبر لا تحد بحدود الزمان والمكان ؛ لأن الله ادخره لإصلاحه دينه, فلا تجد أحدا بعد جده وأبيه وأمه وأخيه يبلغ شاؤ عظمته, وما أجمل قول الشيخ عبـد الله العلايلي :
(ونحن إذا قدمنا حسيناً بين العظماء, فإنا لا نقدم فيه عظيماً فحسب, وإنما نقدم فيه عظيماً دونه كل عظيم, وشخصية أسمى من كل شخصية, ورجلاً فوق الرجال مجتمعين)
ثم قال : (والآن سأخوض في بيان نواحي العظمة التي امتاز بها الحسين (ع) في كل ميدان حتى يبدوا أمة بين العظماء, فقد عرفنا العظيم في ثوب الشجاع, وعرفنا العظيم في ثوب البطل, وعرفنا العظيم في ثوب الضحية الشهيد, وعرفنا العظيم في ثوب الزاهد, وعرفنا العظيم في ثوب العالم ، وأما العظمة في كل ثوب, والعظمة في كل مظهر, حتى كأنها تآزَحت من أقطارها فكانت شخصاً ماثلاً للناس يقرؤونه ويعتبرون به, فهذا ما نجده في الحسين (ع) وحده, وهذا ما نلمسه فيه فقط، حيث هو من نفسه, وحيث هو من نسيه, فلقد يكون أبوه مثله, ولكن لا يجد له أبا كمثل نفسه .
فرجلٌ كيفما سموت به من أي جهاته انتهى بك إلى عظيم فهو ملتقى عظمات ومجمع أفذاذ .فإن من ينبثق من عظمة النبوة (محمد), وعظمة الرجولة (علي), وعظمة الفضيلة (فاطمة), يكون أمثولة عظمة الإنسان, وآية الآيات البينات . فلم تكن ذكراه ذكرى رجل بل ذكرى الإنسانية الخالدة, ولم تكن أخباره أخبار بطل بل خبر البطولة الفذة)
(فالحسين (ع) رجل ولكن فيه آية الرجال, وعظيم ولكن فيه حقيقة العظمة . فرعياً لذكراه, ورعياً للعظة فيه)
إذن الحسين (ع) أسوة وقدوة في كل منحى من مناحي حياته. أسوة في التحدي وأسوة في التضحية, وأسوة في الإباء, وأسوة في العلم, وإسوة في الزهد بالدنيا, ولم يكن الحسين (ع) أسوة بعد شهادته وأقدامه على التضحية بكل غال ونفيس , وإنما هو أسوة أيضاً لمن سبقه من الأولياء المصلحين, لأنه ذخيرة الله في أرضه منذ أول الخليفة إلى اليوم ، وإلى يوم القيامة , فعن الإمام الصادق (ع) قال :
(قال علي (ع) للحسين: يا أبا عبد الله أسوة أنت قُدُما, فقال (ع): جعلت فداك ما حالي ؟ قال (ع): علمت ما جهلوا, وسينتفع عالم بما علم , يا بني اسمع وابصر من قبل أن يأتيك فوالدي نفسي بيده ليسفكنَّ بنو أمية دمك ثم لا يزيلونك عن دينك, ولا ينسونك ذكر ربك, فقال الحسين (ع): والذي نفسي بيده حسبي, أقررت بما أنزل الله, وأُصدق نبي الله, ولا أكذب قول أبي)
قال العلامة المجلسي: (الأسوة ويضم القدوة ما يأتسي به الحزين أي ثبت قديماً أنك أسوة الخلق يقتدون بك, أو يأتسي بذكر مصيبتك كلُّ حزين )
فالحسين (ع) إذن أسوة الخلق جميعاً المتقدم والمتأخر لما لـه, ولأبيه, ولجده من عمقٌ في الوجود الكوني منذ خلقه الله تعالى تأسى به الأنبياء, والمرسلون, وعباد الله الصالحون, فعن أبي عبد الله (ع) قال: ( إن إسماعيل الذي قال الله عز وجل في كتابه: ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً)) (مريم:54)؛ لم يكن إسماعيل بن إبراهيم, بل كان نبياً من الأنبياء بعثه الله عز وجل إلى قومه فأخذوه فسلخوا فروة رأسه ووجهه, فأتاه ملكٌ فقال: إن الله جـلّ جلاله بعثني إليك فمرني بما شئت فقال: لي أُسوة بما يُصنع بالحسين (ع) )
وكان أئمة الهدى يعمقون هذه الخصلة في نفوس أصحابهم ويوجهونهم إلى التأسي بالحسين (ع), فقد روي عن الإمام الباقر أنه قيل لـه : (محمّد بن مسلم وجعٌ فأرسل إليه بشراب مع الغلام, فقال الغلام : أمرني أن لا أرجع حتى تشربه, فإذا شربت فأته ففكر محمّد فيما قال, وهو لا يقدر على النهوض, فلما شرب واستقر الشراب في جوفه صار كأنما أنشط من عقال, فأتى بابه فستأذن عليه فصوَّت له: صح الجسم فادخل فدخل وسلم عليه, وهو باك, وقبل يده ورأسه , فقال : ما يبكيك يا محمّد ؟ قال على اغترابي, وبعد الشقة, وقلة المقدرة على المقام عندك, والنظر إليك فقال : أما قلة المقدرة فكذلك جعل الله أوليائنا, وأهل مودتنا, وجعل البلاء إليهم سريعاً وأما ما ذكرت من الاغتراب فلك بأبي عبد الله أسوة بأرض ناء عنا بالفرات صلى الله عليه , وأما ما ذكرت من بعد الشقة فان المؤمن في هذه الدار غريب, وفي هذا الخلق منكوس حتى يخرج من هذه الدار إلى رحمة الله .
وأما ما ذكرت من حبك قربناً, والنظر إلينا, وإنك لا تقدر على ذلك فلك ما في قلبك وجزاؤك عليه )

كيف نتأسى بالحسين (ع)؟
ليس من السهل أن يكون الإنسان حسيني العقيدة والشريعة, وحسيني الهدف والوسيلة ؛ لأن ذلك من الصعب المستصعب, ولكن هذا لا يعني أن نترك التأسي لأنه صعب, وإنما على الإنسان أن يتأسى بمقدار ما يتسع ظرف إيمانه, ومعرفته, وقدرته ووضوح أهدافه .
ولهذا لا يمكن أن يتأسى بالحسين (ع) إلا الذين عرفوا الإسلام , وآمنوا به عقيدة ونظاماً, وعاشوه منهجا للحياة في أفكارهم وعواطفهم وسلوكهم ...
ومن هنا ينبغي لمن أراد آن يتأسى بالحسين (ع) أن يستحضر الحقيقة الحسينية وما أدراك ما الحقيقة الحسينية ؟ هي الإسلام, والفداء لأجله, والتضحية بكل غال ونفيس في سبيله, فما ثأر الحسين (ع), وما أعطى ما أعطى, وضحى ما ضحى إلا من اجل الإسلام, وللإسلام فقط وفقط ؛ ليوَحَد الله في الأرض, ويُعَبِدَ الناس إليه تعالى دون سواه ... فلا يمكن آن يتأسى بالحسين من يجهل التوحيد ,فإن لمحبي أهل البيت (في السر والعلانية علامات يعرفون بها: قيل له: وما تلك العلامات ؟ فقال (ع): تلك خلال أولها أنهم عرفوا التوحيد حق معرفته, وأحكموا علم توحيده, والإيمان بعد ذلك بما هو, وما صفته, ثم علموا حدود الإيمان, وحقيقته, وشروطه, وتأويله )
ومن لا يعرف أهمية الإسلام, ودوره في حياة الإنسان لا يمكن أن يتأسى بالحسين (ع)، فالحسين إسلام تجسد على الأرض, والإسلام تمثل به قلباً وقالباً. وكذلك من لا يعي الإسلام عقيدة ومنهجا للحياة لا يمكن أن يفهم الحسين (ع) ثورة محركة لعجلة التاريخ إلى يوم القيامة. وفرق بين من يتأسى بالحسين (ع) في ما يصاب به جَبْراً عليه, ويصير مستلهماً للدروس والعبر من صبر الحسين (ع), وبين من يواسى الحسين (ع) بنفسه وأهله فالمتأسي هو الذي يستمد الدروس من حياة الحسين (ع) ويفتح بها ظلمات الدنيا , ويرفع بها عقبات السير إلى الله تعالى .
والمواسي هو الذي شاركه في مواقفه وشدائده, وأعطى نفسه فداء لأهداف الحسين (ع) في حركته, وبذل له كل وجوده دفاعاً عنها, وعن أهل بيته الطاهرين حتى بذل مهجته بين يديه .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com