موقع الصراط ... الموضوع : تأثير الإعلام في العلاقات العامة
 
الأربعاء - 14 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  تأثير الإعلام في العلاقات العامة  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 5 / جمادي الثاني / 1433 هـ
     
  يحتل الإعلام موقعاً متقدماً في أية مسيرة حضارية, وعلى مختلف الأصعدة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية... فهو الذي يعد الرأي العام، ويوجهه بصورة مباشرة, أو غير مباشرة؛ ولذا فهو (أداة من أدوات العلاقات العامة)، وتبرز أهميته بأنَّه أقوى الوسائل- إن لم نقل: هو الوحيد - في إيصال الحقائق, والمعارف، والأخبار, والآراء، والأفكار إلى جماهير الأمة بكل فئاتها بمختلف الأساليب .
وفي عصرنا الحاضر قد تعددت الوسائل الإعلامية، وتطورت تطوراً كبيراً بشكل لم يسبق له نظير في الأزمنة الماضية، فقد أصبح للإعلام اليوم مدارس، ومؤسسات، ونظريات، وخبراء متخصصون في فنونه يستثمرون كل الوسائل المؤثرة في الناس سواء الإذاعات المسموعة، أو المنظورة, والمطبوعات المنشورة من صحف, ومجلات, ودوريات, وتقارير, وكتب حتى أصبحت في متناول كل يد تقريباً ولو في أقاصي الأرض، ومن وسائل الإعلام: الملصقات الجدارية، والإعلانات الكبيرة والصغيرة, والمجسمات الرمزية, والتمثيليات، والمسرحيات، والأفلام, والتجارب العلمية, والمعارض، والرحلات السياحية, والرسوم البيانية، والخرائط، والمطبوعات الأخرى (والكاريكاتير)، والمناظرات، والمحاضرات... كلُّها وسائل مستعملة، ومنتشرة في الأوساط العالمية والمحلية، وقد أُنفقت أموال طائلة, وبذلت طاقات جبارة في هذا السبيل لأجل إيصال الأخبار والمعلومات المؤثرة في الجماهير, وبأهداف مختلفة حسب توجه المؤسسة الإعلامية, وكل له تأثير كبير على الناس سلباً, أو إيجاباًً في رسم العلاقات العامة على الأصعدة المحلية, أو الإقليمية, أو الدولية, وعلى الأفراد، والجماعات في الأوساط الشعبية .
فالإعلام إذن له الدور الفعال والمؤثر في العلاقات العامة، وهو كما يقال: (سلاح ذو حدين) إذا أستعمل في الوجهة الإيجابية يمكن أن يكون وسيلة خير، وبركة، ورحمة للناس، ينقل لهم: العلوم, والتجارب, والأخبار, والأفكار، ويكسبهم خبرة واسعة، ويحيطهم بمجريات الأحداث، ويربط بين المجتمعات يلاقح الأفكار، ويقارب بين النفوس، هذا إذا ارتفع رجل الإعلام إلى المستوى الإنساني الرفيع، وصار همُّهُ خدمةَ الإنسانية في إقرار سعادتها ورفاهها في الأمن والإيمان، ولا يكون كذلك إلا إذا اعتنق العقيدة السليمة نحو الكون، والحياة، وتمتع بالاستقلال الفكري، والنظرة الشمولية للإنسانية، وتحرر من التبعية السياسية، وتطهر من أوضار التعصب العنصري، والإقليمي، بل والديني إذا كان الإعلامي كذلك فسيكون مصدر خير، وسلام، ومحبة، ووئام بين الناس.
وأما إذا اتُّخِذَ الإعلامُ وسيلةً لتحقيق الأغراض السياسية الخبيثة, أو تَركَّز على الأرباح المادية فإنَّه يتحول إلى أداة خطيرة تنشر الفساد الفكري والاجتماعي، والتحلل الأخلاقي بترويج المجون، والخلاعة, ونشر الأكاذيب، وإثارة النزعات العنصرية, وإبراز الأحقاد, وإيقاد نيران الفتنة كما هو ديدن الإعلام الاستخباري الاستعماري اليوم الذي صار وسيلة لاستغلال خيرات الشعوب يتلاعب في أفكارها وعقائدها, يهدم من جانب ويبني من جانب آخر بعملية مسخ وسلخ لكل ما يتناقض مع مصالحه السياسية أو الاقتصادية، وعلى سبيل المثال الإعلام الغربي الذي سخرت له إمكانيات ضخمة بشرية ومالية فوق مستوى التصور، هذه القدرة الجبارة لعبت دوراً فعالاً في زعزعة العلاقات بين الأمم والشعوب بل بين أبناء الشعب الواحد والعائلة الواحدة لأجل السيطرة السياسية, والاستغلال الاقتصادي، فزعزعت العقائد السليمة في نفوس أصحابها، وطعنت بالأحكام العادلة, وروجت الخرافات، والعقائد الهدامة، ونشرت كل ما يخدم مقاصدها الاستعمارية وفق خطط منهجية مدروسة بعيدة المدى, فباسم الحرية نشرت الرذيلة، والتحلل الأخلاقي, وباسم العلم والمعرفة نشرت الأفكار الهدامة، وركزت دعائم الإلحاد, وباسم القومية أثارت النعرات الطائفية والعنصرية, وباسم الوطنية زرعت الحدود والحواجز النفسية بين أبناء الأمة الواحدة, وباسم السلام والمحافظة على أمن الشعوب أبادت شعوباً, ومزقت أمماً كبيرة, وبحجة الدفاع الوطني بنت (ترساناتٍ من الأسلحة الذرية والجرثومية) حتى أصبحت اليوم تهدد مصير البشرية، وتُنذِّر بالإبادة العامة لها، ورغم هذا كله راحوا يصورون حضارة الدمار, والتحلل الأخلاقي بأنَّها قمة التقدم والازدهار، وبأنَّ التبعية الغربية هي رمز التحضر، ومنتهى السعادة, وبذلك خلقوا روح التبعية الفكرية والسياسية والاقتصادية لها.
ومن خلال الضرب على الأوتار الحساسة، وبالكلمات المعسولة، والشعارات البراقة سيطروا على مشاعر كثير من الجماهير فالإنسانية, والعدالة, والسعادة، والأمن, والسلام, والتحرر, والاستقلال, والتقدم، والأعمار, والازدهار, والعلم, والثقافة,والتحضر، والتمدن... كلها ألفاظ جميلة جذابة, تثير الاهتمام، وتستوحذ على المشاعر, وتجلب الانتباه؛ لأنَّها محبوبة بالفطرة لكل إنسان فراحوا يضربون على أوتارها, ويعزفون أنغامها بألحان مخدرة, تموه الحقائق, وتستغل النفوس, وتخدر العقول؛ لأجل السيطرة والاستغلال من خلال دس السم في العسل هذا من الناحية، ومن ناحية أخرى يعملون بجد لإسقاط أي قوة تقف حائلاً بوجه تحقيق أهدافهم بإثارة الدعايات المغرضة, ونشر الشائعات المسومة, وتحريف الحقائق الواضحة، والمبالغة في الحدث الصغير, والتغافل عن الجرائم الفظيعة؛ ولأجل ذلك كله وضعوا نظاماً للإرسال, والتلقي, ومخاطبة الجمهور.
يعتمد هذا النظام على إبراز الوجه الجميل الجذاب في الوقت الذي يخفي المقاصد والأهداف التي يرفضها الجمهور؛ ولذلك تراهم يراعون في الخطاب والإرسال مستوى عقلية المخاطبين ومستواهم الثقافي، وعقلياتهم, ويختارون الوقت المناسب للطرح الجماهيري، ويستثمرون المناسبات، والأحداث كمادة إعلامية يتوصلون بها إلى تحقيق مقاصدهم، وبلغة يسيرة, وبنبرة رخيمة كي يوصلوها إلى الناس مع تكرار ما يهدفون نشره بصيغ مختلفة, ويتغلبون على الرغبة بالاهتمام، فإذا وجدوا أحد مبادئهم أو مشاريعهم لم يلقَ قبولاً واهتماماً راحوا يدرسون الأسباب، ويبحثون الأسرار في خفايا النفوس من خلال قياس الرأي العام؛ ليطرحوا العلاج المناسب لعدم الرواج والقبول، مثال ذلك: (عندما أنشئت هيئة الأمم المتحدة لوحظ اهتمام شديد من جانب الدول النامية المتطلعة إلى الحرية بينما في الولايات المتحدة قامت الصحف والمجلات ومجلات الإذاعة بحملة كبيرة لتفهيم الشعب الأمريكي في بعض الولايات وأعمالها في نيويورك، ولكن كثيراً من جماهير الشعب الأمريكي في بعض الولايات انصرفوا انصرافاً تاماً عن إبداء أي نوع من الاهتمام لهذا الخبر, وقد بحث خبراء الإعلام والعلاقات العامة السبب في عدم الاكتراث فتبين أن الأمريكي العادي يهتم اهتماماً مباشراً بنفسه وبداخله وحياته وأنه لا يولي أهمية خاصة لحكومته المركزية في واشنطن، فكيف به يهتم بالأمم المتحدة؟ وما كان من خبراء العلاقات العامة إلا أن أشاروا بإدخال تعديل على المجلة الإذاعية، وتوضيح أثر هيئة الأمم المتحدة على المواطن الأمريكي الفرد عن طريق أهمية هذه الهيئة في إرساء قواعد ثابتة للسلام والرخاء العالمي الذي سيعود حتماً على كل مواطن، وعلى الفرص التي ستتاح للولايات المتحدة من اشتراكها في الهيئة مثل احترام المجتمع الأمريكي في العالم كله, وقد نجحت مثل هذه الحملة، وحققت كثيراً من أهدافها)
وعلى كل حال فإنَّهم يحاولون التوصل إلى مآربهم بكل وسيلة مهما أضرت بالمجتمع البشري ما دامت تخدم مصالحهم، وأدق وصف لما يجري في هذا الميدان ما قال أمير المؤمنين (ع) في وصف أهل النفاق بأنَّهم: >الضالون المضلون, والزالون المزلون, يَتَلَوَّنُونَ ألواناً, وَيَفْتَنُّونَ افتناناً, ويعمدونكم بكل عماد, ويرصدونكم بكل مرصاد . قلوبهم دوية, وصفاحهم نقية, يمشون الخفاء، ويدبون الضراء . وصْفُهم دواء, وقوْلُهم شفاء, وفعْلُهم الداء الْعَيَاء . حَسَدَةُ الرخاء ومؤكدو البلاء, ومقنطو الرجاء . لهم بكل طريقٍ صريعٌ, وإلى كلِّ قلبٍ شفيعٌ، ولكلِّ شجوٍ دموعٌ . يتقارضون الثناء, ويتراقبون الجزاء: إن سألوا ألحفوا، وإن عذلوا كشفوا, وإن حكموا أسرفوا . قد أعَدُّوا لكلِّ حقٍّ باطلاً، ولكلِّ قائمٍ مائلاً، ولكلِّ حيٍّ قاتلاً, ولكلِّ بابٍ مفتاحاً, ولكلِّ ليلٍ مصباحاً . يتوصلون إلى الطمع باليأس؛ ليقيموا أسواقهم، وينفقوا به أعلاقهم . يقولون فَيُشَبِّهون, ويصفون فيُمَوِّهُون . قد هَوَّنُوا الطريق, وأضلعوا المضيق, فهم لُمّةُ الشيطان, وحُمَةُ النيران: ((أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ)) )
هذه اللوحة الرائعة هي أدق وأوضح صورة لما يسمى اليوم برجال الإعلام، وخبرائه من تجار السياسة, وأذناب الكفر العالمي, تكشف خفايا تلك النفوس الدنسة التي لا ترى غير مصالحها، ولا تفكر بغير عروشها وكروشها، ولو تأملنا جيداً في فقرات هذه اللوحة, ودققنا النظر فيما يجري اليوم باسم العلم والسياسة لوجدنا تطابقاً تاماً بين هذا الوصفـ وبين ما يدور في الدهاليز السياسية التي تدير حلبة الصراع السياسي، و(إدارة الصراع بمعنى عملية تطويع المتغيرات، والقوى في نطاق التعامل الدولي قديمة، ولكنَّها كانت تنبع من النبوغ في الممارسة والحساسية، والقدرة على تلمس نواحي النقص في الخصم بالكرّ والفرّ، وبهذا المعنى تعودنا الحديث عن ما يسمى بالقائد الدبلوماسي: قائدٌ يمتاز بالمرونة، سعادته في أن يتلاعب بالأفراد والمواقف، مظهره لا يعكس باطنه، ولغته لا تعبر عن أفكاره، بعيد النظر واقعي وعملي لا يتردد في أن يتعامل مع عدو الأمس، وأن يضحي بصديق اليوم)
وهذا هو شأن من تحكمه المصالح المادية لا المبادئ الرسالية، ولو قارن القارئ الكريم بين ما قاله أمير المؤمنين علي (ع) في صفات أهل النفاق وما تقدم في وصف القائد الدبلوماسي وجد تطابقاً دقيقاً رغم بُعْدِ الفترة الزمنية الفاصلة بين النصين .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com